البديل نت | قمة طهران لعدم الإنحياز .. ما أشبه اليوم بالبارحة


قمة طهران لعدم الإنحياز .. ما أشبه اليوم بالبارحة

من حق صقور الإدارة الأمريكية ومن يدور بفلكهم أن يظهروا قلقهم من انعقاد قمة حركة عدم الإنحياز في طهران، وأن يمارسوا ضغوطاً على العديد من الدول والمنظمات والشخصيات، بما فيهم أمين عام الأمم المتحدة نفسه،لمقاطعة هذه القمة أو للحضور بأدنى مستوى تمثيلي، ذلك أن الظروف التي ينعقد فيها هذا المؤتمر تشبه في بعض جوانبها تلك التي اجتمع فيها، في باندونغ في نيسان 1955، جمال عبد الناصر من مصر، وشو ان لاي من الصين، وجواهر لال نهرو من الهند، وجوزيف بروز تيتو من يوغسلافيا، وزعماء من 29 دولة ليضعوا الأسس والمبادئ لما عُرف بحركة عدم الإنحياز التي انعقد مؤتمرها الأول عام 1961.

يومها، وعشية انعقاد باندونغ، اندفعت الإمبراطوريتان البريطانية والفرنسية، وكانتا في طور الاحتضار، لتضعا كل ثقلهما لإفشال انعقاد ذاك الاجتماع قبل انعقاده، ولتعطيل نتائجه بعد الانعقاد.. ولم تكن الإمبراطورية الأمريكية بعيدة عن تلك "المساعي" لكنها كانت تريد إفشال الحركة الوليدة، ووراثة الإمبراطوريتين الاستعماريتين المترنحتين في الوقت نفسه

انعقد اجتماع باندونغ يومها، كما قمة طهران اليوم، في قلب مرحلة تشهد تغيرات هامة في نظام العلاقات الدولية الدولية، فدول كبرى تتراجع، وأخرى تتقدم، ونظام عالمي أرسى ملامحه اجتماع يالطا الشهير 1944، بين روزفلت رئيس حكومة الولايات المتحدة، وستالين زعيم الاتحاد السوفياتي، وتشرشل رئيس حكومة بريطانيا العظمى، حيث جرى تقاسم النفوذ في العالم قبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية.

وقمة طهران اليوم أيضاً تنعقد في مرحلة تشهد تغييرات هامة في نظام العلاقات الدولية، حيث دول كبرى تتراجع، وأخرى تتقدم، وفيما تهتز أركان نظام عالمي جديد أعلنه الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب أثر الحرب الكونية الأولى على العراق، ثم سعى إلى تجديده و "تعميقه" الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن مع الحرب الكونية الثانية على العراق وما رافقها من حروب وضغوط شملت عدداً من دول المنطقة.

انعقد اجتماع باندونغ عام 1955، والمؤتمر الأول لحركة عدم الإنحياز في بلغراد بعد ست سنوات، في رحم قوى إقليمية ودولية مستقلة وصاعدة بل وقائدة لمجمل حركة التحرر والاستقلال الوطني في إفريقيا وآسيا وجنوب إفريقيا، فيما تنعقد اليوم قمة طهران من رحم قوى إقليمية ودولية مستقلة وصاعدة تسعى إلى مواجهة هيمنة القطب الأمريكي الآحادي واحتكاره للنفوذ في العالم، ولعل مجموعة البريكس التي تضم روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا وغيرها من منظومات إقليمية ممتدة من أمريكا اللاتينية إلى جنوب شرق آسيا، هي الأكثر تعبيراً عن هذه القوى الصاعدة.

كانت الخمسينات والستينات من القرن الماضي، عقود العصر الذهبي لحركة عدم الإنحياز، هي سنوات الكفاح الثوري ضد الاستعمار والعنصرية بكل أشكالها، فالحرب في الهند الصينية، وثورة الجزائر، وثورة كوبا، والصحوة الاسيوية والإفريقية العارمة، كانت عناوين لمرحلة تصدّع الاستعمار القديم وتقدّم الخيار الثالث في العالم الذي حرص جمال عبد الناصر على تسميته بالحياد الإيجابي، فيما فضّل نهرو أن يسميه يومها عدم الالتزام (nom committmat) حتى جاء تعبير "عدم الإنحياز" كحل وسط يطلقونه على "حركة" وليس "منظمة".

لقد تمّ استبعاد مصطلح "منظمة" كي لا تختلط الأمور وتتشابك بين المنظمات خصوصاً بعد أن بات واضحاً أن عشرات الدول ستنضم إلى هذه الحركة بما يجعلها موازية أو مناقضة للأمم المتحدة، وقد كان الأباء المؤسسون لحركة عدم الإنحياز يريدونها قوة ضاغطة داخل الأمم المتحدة وليس قوة بديلة أو منافسة...

إما العشرية الأولى من القرن الحالي، فيمكن تسميتها، دون افتعال، حقبة المقاومة والصحوة الشعبية العربية والإسلامية، حيث نجحت المقاومة العراقية، ومعها الأفغانية في إرباك السياسة الإمبراطورية الأمريكية، فيما نجحت المقاومة الفلسطينية ومعها اللبنانية في تحرير الأرض وردع العدوان الصهيوني على المنطقة، وفي إعادة الصهاينة إلى المربع الأول الذي ظنوا أنهم خرجوا منه بعد حرب الأيام الستة عام 1967، وهو مربع القلق على مصير كيانهم نفسه.

إنجازات المقاومة العربية والإسلامية هذه لم تنحصر آثارها في المواجهة مع قوى الاحتلال فحسب، بل أعادت صياغة موازين القوى في المنطقة والعالم بما انعكس بوضوح تصدعاً وتراجعاً في النظام الرسمي العربي قاد إلى ثورات وانتفاضات، كما انعكس تغييراً في النظام الدولي قاد إلى إنهاء القطبية الآحادية وبدء مرحلة تعدد الأقطاب ليس على المستوى الدولي فحسب، بل على المستويات الإقليمية أيضاً.

هنا أيضاً، تتشابه ظروف مؤتمر باندونغ في أواسط القرن الماضي، مع ظروف قمة طهران في مطلع هذا القرن، حيث لم يعد العالم أسير قوى دولية كبرى فقط، بل باتت هناك قوى إقليمية مؤثّرة في هذا العالم لا تملك قدرات مماثلة لقدرات الدول الكبرى، لكنها تملك من القدرات ما يؤهلها لممارسة سياسات مستقلة عن تلك الدول.

طبعاً، لم يكن المشهد نقياً وصافياً تماماً في الخمسينات والستينات وحتى السبعينات من القرن الماضي، فلقد شاب حركة الكفاح الثوري في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية انتكاسات وأحياناً هزائم، وأمكن لقوى الهيمنة والاستعمار اختراق استقلالات وإجهاض حركات تغيير وتحرر، بل وإشعال حروب أهلية على أنواعها، لمحاصرة روح التحرر المنطلقة آنذاك، فكان الانقلاب على أحمد بن بلة عام (1965)، وسوكارنو عام (1966)، وكانت الحرب على مصر وسوريا عام (1967)، وكان قبلهما اغتيال لوموميا، وتقسيم الكونغو، ومحاصرة كوبا في مطلع الستينات، وكان انفصال السنغال عن مالي عام 1962، وكانت الحرب الأهلية في نيجيريا عام 1966 وما زالت، وكان اغتيال سلفادور اليندي في التشيلي في مطلع السبعينات، وكانت حرب لبنان المستمرة من أواسط السبعينات، وكانت وكانت...، تماماً كما نرى اليوم انقضاضاً على الصحوة الثورية العربية والسعي لتجويفها من مضامينها، وللانقضاض على أهدافها، وللإجهاز على مطالبها المشروعة لخدمة مخططات أجنبية وتدخلات خارجية وتحويلها إلى حروب أهلية دموية.

لكن عنصر الشبه الصارخ يبقى في استحضار المبادئ العشرة لمؤتمر باندونغ، وفي ملاحظة حجم تطابقها مع ما يجب اعتماده اليوم من مبادئ سواء في قمة طهران أو سواء من قمم الشعوب الطامحة إلى التحرر من الهيمنة الاستعمارية ونير العنصرية.

إن هذه المبادئ العشرة لمؤتمر باندونغ، والتي شكّلت أساساً للأهداف الثمانية عشر التي وضعتها حركة عدم الإنحياز، هي:

المبادئ العشرة لمؤتمر باندونغ هي:

1- احترام حقوق الإنسان الأساسية، وأهداف ومبادئ ميثاق الأُمم المتّحدة.

2- احترام سيادة جميع الدول وسلامة أراضيها.

3- إقرار مبدأ المساواة بين جميع الأجناس، والمساواة بين جميع الدول، كبيرها وصغيرها.

4- عدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدول الأُخرى أو التعرّض لها.

5- احترام حقّ كلّ دولة في الدفاع عن نفسها، بطريقة فردية أو جَماعية، وفقاً لميثاق الأُمم المتّحدة.

6- عدم استخدام أحلاف الدفاع الجَماعية لتحقيق مصالح خاصّة لأيّ من الدول الكبرى وعدم قيام أيّ دولة بممارسة ضغوط على دول أُخرى.

7- الامتناع عن القيام، أو التهديد بالقيام، بأيّ عدوان. والامتناع عن استخدام القوّة ضدّ السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأيّ دولة.

8- الحلّ السلمي لجميع الصراعات الدولية، وفقاً لميثاق الأُمم المتّحدة.

9- تعزيز المصالح المشتركة والتعاون المتبادل.

10- احترام العدالة والالتزامات الدولية.

وباختصار أياً يكن عدد الدول المشاركة في قمة طهران لحركة الإنحياز في نهاية آب/أغسطس الجاري، أياً يكن مستوى التمثيل، فإن هذه القمة ستشكل منعطفاً هاماً في حياة الحركة التي كادت أن تزول بفعل ما أصابها من خمول وجمود وبهتان، وستعيد إليها روحاً أشعلها يوماً مؤتمر باندونغ، وأسهمت في تحرير أمم وشعوب ودول كثيرة.

ولعل المهم في هذه القمّة، دون شك هو أنها ستسقط حصاراً أمريكياً مفروضاً منذ سنوات طويلة على طهران، وستحصّن إيران بوجه تهديدات إسرائيلية متصاعدة، وعقوبات غربية متنامية، وستعيد هذا البلد الإسلامي إلى موقع الصدارة بين الأمم، وهو الموقع الذي يحمّل قيادته مسؤولية مضاعفة ليس في مجابهة أعدائه المتربصين به فحسب، بل ايضاً في مراجعة سياسات خاطئة وقعت بها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهي سياسات ساعدت هؤلاء الأعداء في حربهم الضارية، وتحريضهم المدمّر ضد إيران.

ومن المهم دون شك أيضاً أن تكون القمة منصة لجهد دولي حقيقي يسهم في توفير الأجواء المناسبة لحل سياسي وطني للأزمة السورية يقوم على احترام المطالب الديمقراطية المشروعة للشعب السوري، ومقاومة المخططات المشبوهة الرامية إلى تدمير هذا البلد المحوري في الإقليم وتحطيم دوره وموقعه وتمزيق نسيجه الاجتماعي.

فالحل للأزمة السورية هو سوري أولاً وأخيراً، ولكنه يستند أيضاً إلى مصالحة عربية، وتعاون إقليمي، وتفاهم دولي، وهو أمر يمكن لقمة طهران، إذا شاركت فيها الدول المعنية، أن تشكّل الإطار الأمثل له، خصوصاً مع تبني اقتراح الرئيس المصري محمد مرسي بتشكيل لجنة رباعية مصرية، سعودية، تركية، إيرانية لحل الأزمة في سوريا.

تبقى القضية الفلسطينية، وقد باتت متعددة المستويات، هي قضية العصر لأن احتلال فلسطين والأراضي العربية المحتلة يكاد يكون من آواخر الاحتلالات في العالم، ولأن النظام العنصري الصهيوني هو آخر الأنظمة العنصرية في العالم، ولأن التعامل الصهيوني الرافض لكل المواثيق والقرارات الدولية يكاد يكون التعامل الوحيد من نوعه في اليوم، والذي يحظى برعاية دولية غاشمة، ولأن السياسة الصهيونية العدوانية باتت عبئاً متزايداً على استقرار العالم وأمنه وسلمه، بل عبئاً متزايداً على حلفاء تل أبيب أنفسهم بدليل الشهادات المتكررة لأركان القوات المسلحة الأمريكية أمام الكونغرس الأمريكي بأن إسرائيل باتت تشكل عبئاً على المصالح الإستراتيجية الأمريكية.

إن انطلاق مؤتمر باندونغ من فلسطين إلى قضايا المنطقة والعالم لمعالجتها، يمكن أن يكون المدخل الأسلم والأفعل والأنجع لمعالجة العديد من المشكلات في الإقليم، وفي ظروف يسعى فيها كثيرون إلى إثارة كل أنواع النزاعات من أجل أبعادنا عن القضية الأساس.

لقد كان مؤتمر باندونغ مؤتمر التأسيس لحركة عدم الإنحياز، فهل يكون مؤتمر طهران مؤتمر إعادة التأسيس لحركة اختارت طريق عدم الإنحياز بين معسكرين قبل حوالي 60 عاماً، وعليها أن تختار اليوم طريق مقاومة الهيمنة الاستعمارية والتفرقة والعنصرية.

 

25/8/2012


البديل نت
http://albadeel.info

رابط المقال
http://albadeel.info/articles-9397.html


تمت طباعة المقال بتاريخ 2018-04-22 07:04:08