البديل نت | مئوية قائد


مئوية قائد

 

اليوم الاثنين يصادف مرور مئة عام على ميلاد الزعيم جمال عبد الناصر الذي ولد في مثل هذا اليوم قبل مئة عام. ويبدو أن الوليد كان له نصيب من حيثيات مولده، الذي جاء والحرب العالمية الأولى على أعتاب نهايتها، وهي الحرب التي بدأت عام 1914 وانتهت يوم 11 نوفمبر/تشرين الثاني 1918، وبعد يومين فقط شهدت مصر حدثاً مهماً من تاريخها أسس لاندلاع ثورتها الوطنية التي تفجرت في مارس/آذار عام 1919 «تلك الثورة التي أشعلت فؤاد الشعب المصري على اتساع طبقاته وفئاته».

ففي يوم 13 نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1918 قرر زعماء الأمة تأسيس وفد لمقابلة المندوب السامي البريطاني للمطالبة باستقلال مصر لكن المندوب البريطاني رفض مطالب الوفد وتشكك في شرعية أعضائه، ومن هنا نشأت فكرة «التوكيلات» لحل مشكلة الشرعية، طالما أنه ليست هناك فرصة لإجراء انتخابات لتشكيل وفد يذهب إلى مؤتمر الصلح الذي كان من المقرر أن يعقد في باريس ليعرض قضية مصر ويطالب بالاستقلال، لكن بريطانيا رفضت السماح للوفد بالسفر، ولم يكن أمامها غير اعتقال أعضائه في 8 مارس/آذار 1919، وأرسلتهم منفيين إلى مالطا، وكان هذا إيذاناً باندلاع الثورة في كافة أنحاء مصر التي لم تتوقف إلا بعد الاستجابة الجزئية للمطالب الشعبية، والسماح بإعلان دستور لمصر ينظم الحياة السياسية ويؤسس لحياة ديمقراطية ليبرالية هو دستور 1923.

ولد جمال عبد الناصر، وقادته معارك تحقيق هذا الطموح ليقود ثورة جديدة عام 1952 (كان عمره 34 عاماً) تجاوزت أهدافها الاستقلال الوطني إلى الاستقلال القومي، استقلال كل الأقطار العربية وتحقيق وحدتها وبناء دولة العزة والكرامة على الأرض العربية ضمن مشروع عربي للنهضة والتقدم. مشروع أدرك منذ اللحظة الأولى أنه على النقيض تماماً مع المشروع الغربي- الاستعماري ومع المشروع الاستيطاني، وأنه لا توجد أنصاف حلول في هذه المواجهة، إما انتصار المشروع العربي للنهضة الرامي إلى تحقيق الاستقلال الوطني والقومي وفي مقدمته تحرير فلسطين، وتحقيق مجتمع العدل الاجتماعي والتنمية المستدامة المستقلة، والوحدة العربية، والتجدد الحضاري للأمة كلها، وإما انتصار المشروع الاستعماري الغربي «الإسرائيلي».

والأمة عندما تحتفل هذه الأيام بمرور مئة عام على ميلاد هذا الزعيم الذي خاض بشرف وإباء معارك عزتها وكرامتها فإنها تدرك أنها تنطلق من ثوابت هذا المشروع، وأنها متمسكة بتحقيقه، فالاحتفال، بقدر ما هو تقدير للشخص ومكانته في قلوب أمته، فإنه إعلان واضح وصريح بأن الأمة واعية ومدركة أنها باحتفالها بمئوية القائد، تعلن تمسكها بالمشروع وأنها ترى فيه مستقبلها، وترى فيه سبيل الانعتاق من الواقع العربي الراهن شديد التردي.

فالأمة كلها باتت معرضة الآن لمخطط تقسيم الدول إلى دويلات وكيانات هزيلة بفعل الصراعات الداخلية، وبفعل المؤامرات الخارجية، والنظام العربي يتهاوى أمام مشروع استقطاب طائفي، واستئساد المشروع «الإسرائيلي» مدعوماً من الولايات المتحدة لفرض مشروع الدولة اليهودية الواحدة على كل أرض فلسطين ضارباً عرض الحائط بما كان مطروحاً ومدعوماً من المجتمع الدولي ومن الولايات المتحدة نفسها لفرض «خيار الدولتين» وفقاً لحدود الرابع من يونيو/ حزيران عام 1967.

في مثل هذه الظروف تأتي احتفالية مئوية جمال عبد الناصر التي أعلن عنها في القاهرة بتأسيس «اللجنة القومية للاحتفال بمئوية الزعيم جمال عبد الناصر» كإطار عربي موسع للاحتفال بهذه المناسبة، وتأسيس «اللجنة الشعبية» للاحتفال بالمئوية لتوسيع دائرة الاحتفال لتشمل كل محافظات مصر، لتأكيد التمسك بأن مشروع جمال عبد الناصر هو مشروع مستقبل هذه الأمة للانعتاق من هذا الواقع العربي المتردي وأن الأمة كلها في تجديد النضال من أجل الاستقلال الوطني والقومي، والنضال من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية والتقدم والديمقراطية، والنضال من أجل الوحدة العربية وتحقيق التجدد الحضاري في مواجهة الجمود والتطرف الأسود الذي أفرز الإرهاب الذي أخذ يدمر ويحرق الأوطان، وأن هذه النضالات مجتمعة هي الطريق لمواجهة ما نحن فيه الآن من تمزق وتشتت وصراعات، وانقسامات مدمرة واستقطابات مفروضة، بعيدة كل البعد عن كل ما عاشت الأمة تكافح من أجل تحقيقه.

وبقدر ما تكشف الاستجابات الشعبية الواسعة في معظم الأقطار العربية لدعوة الاحتفال بمئوية جمال عبد الناصر، سواء على مستوى الوفود الكثيرة التي قررت أن تكون احتفالاتها في القاهرة مع الأشقاء المصريين، أو بتأسيس لجان وطنية داخل الأقطار للاحتفال بهذه المئوية عن حرص على عدم تفويت الفرصة لإعلان الولاء لمشروع جمال عبد الناصر، بقدر ما تؤكد هذه الاحتفالات عمق الإدراك الشعبي بأن جمال عبد الناصر الشخص، وإن كان قدر رجل فإن المشروع الذي ناضل من أجله والمبادئ التي خاض المعارك من أجلها ما زالت هي الطريق والمنهج الأفضل والأرجح لصنع المستقبل.

msiidries@gmail.com

د. محمد السعيد ادريس

رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي

عن موقع التجديد العربي


البديل نت
http://albadeel.info

رابط المقال
http://albadeel.info/articles-12441.html


تمت طباعة المقال بتاريخ 2018-05-20 12:05:29