البديل نت | هل مِن حَمِيَّةٍ، لمَحمِيَّة.. “مُقدساتٍ وحُرُمات”


هل مِن حَمِيَّةٍ، لمَحمِيَّة.. “مُقدساتٍ وحُرُمات”

 

 

” الفوضى الخلاقة”، التي نشرها في بلداننا، الأميركيون والصهاينة العنصريون، ورَعوها، وغذوها.. أثمرت، وأينع ثمرها، وفي كل قطر من أقطارنا العربية من ثمرها نوع ولون.. وكلها حنظل وشوك صبار، مرَّة الطعم في حلوقنا، حلوة الطعم في حلوق أعدائنا.. فما الذي يمكن أن نبني على ذلك الثمر المُر، ذي الأثر الأشد مرارة وتأثيراً من الأشد، وما الذي نتوقعه ممن بشروا ذلك البذر الفاسد في أرجاء وطننا؟! كان الهدف إضعافنا، وتمزيقنا، وقتلنا.. ليقوم ” شرق أوسط جديد”، يهيمن فيه الأميركي، ويجني فوائده الصهيوني : قوة، وهيمنة، واعترافاً به، وتطبيعاً للعلاقات معه، وتهويداً لفلسطين، وإبادة لشعب فلسطين، والقضاء على كل قوة في الأمة.. فانظروا ما نحن فيه، وقد أثمرت الفوضى ثمرها المر، وامتطى أعداؤنا صهوات الإرادة والقرار، في الكثير من بلداننا؟! بل وعودوا قليلاً إلى الوراء.. فمنذ حروب الخليج، وكامب ديفيد، وأوسلو.. من ذا الذي نهض حقاً من بلدان العرب، بإرادة، وسيادة، وتقدم شامل؟! بل من ذا الذي سلم جلده وعظمه، وسلمت ” عَظَمته؟َ”، من المس بها، على يد الأميركيين والصهاينة خاصة، والغربيين، والقوى العالمية الأخرى عامة؟!

إن التاريخ دروس وعِبَر، لمن يدرس ويعتبر. ويبقى السؤال، ما دمنا في الوجود، ونتعرض لما نتعرض له، ونَنْشُد ما هو مشروع، ومتصل بجوهر الحق والعدل والوجود؟!.. يبقى السؤال: ما الذي نستطيع أن نفعله الآن، بعد اللَّتي واللُّتيَّا، “ونحن ” صرخات، واحتجاجات، ومسيرات.. لقاءات، وتصريحات، وإعلانات.. مناشدات واجتماعات ومؤتمرات.. و..”؟! من المؤكد أننا لسنا بلا قدرة، لكنَّا بلا إجماع.. ولسنا بلا إرادة، لكنَّ إرادتنا مُستَلَبَة، أو مخترَقة، أو متفرِّقة.. إنها متضادة، ومسكونة بالأنانية والخوف، وبتعددة الولاءات، من النقيض إلى النقيض، وبانعدام الثقة بالذات والقريب، وإيلاء الثقة للعدو والغريب؟!.. إننا لا يكاد يجمعنا جامع، على الرغم من الخطَر الماحق المحيط بالكل، نعم المحيط بالكل، ذاك الذي يراه البعض بعيداً عنه، وهو قريب منه، ويحاول البعض منا أن يتملص من المسؤولية الجماعية المعنية بدرئة، استناداً منه إلى أنه ” ناجٍ”، بفضل ما اتخذه من قرار، على أساس مقولة الضلال، تلك التي سلبت إرادات وعقول، حيث قالت وتقول: ” أنا أولاً”، وها هي تتبدى الآن، لمن يريد أن يرى وأن يقرأ، تتبدَّى عارية من كل زينة، وفاضحة في عقمها.. إذ حقيقة الأمر، عند أعدائنا تقول بتفريقنا وتمزيقنا وإخافتنا، أحدنا من الآخر، حتى لَيَذهل المرء من الرعب، فيبحث عمّن يحميه، ونكون كأننا في يوم الحشر، حيث ﴿ يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ﴿١١﴾وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ ﴿١٢﴾ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ ﴿١٣﴾وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ ﴿١٤﴾ – سورة المعارج. ونذهل جميعاً عن حقيقة ما يرمي إليه عدونا، من أن عزل ” أوَّلٍ” منا عن آخر، تعني القضاء على الأول والآخِر.. ومن أسف أن هذه ” المقولة” المضللة، ما زالت تعشش في أنفس، وتبني بيوت عنكبوت في عقول وصدور، وتؤطر لسياسات وقرارات؟!.. وربما لهذا وسواه، يبدو أنه حتى المقدس الأعلى، لا يلهمنا، ولا يؤلِّف بين قلوبنا.. وهو إذا جمعنا، فإنه يجمعنا لفظاً، وتبقى قلوبنا شتى.. لأن الولاء لغير الأمة، واستعداء الأعداء، ومنحهم كلَّ أبعاد الولاء.. أصبح حقيقة وجوه، جوهر وجهها قناع، فامتنعت الحقيقة عن الحضور والظهور، ولم يعد الروح والإيمان نور قلوب تضيئ عتمة الأحداث والدروب.!! نحن نستطيع، والطريق يمكن أن تُرسَم، ويمكن أن نسير في حُلكة الليل.. وكم أَدلَجت لنا “ركبان، وكتائب، وفرق، وجيوش، في ظلمات وقت، وظلم، واستعمار، واستبداد، وخسف وعسف..”، فشقت طريقها إلى الهدف، تهتدى بالنجم، وبنور العقل والقلب، ويعززها إيمان لا يتزعزع “بالله، والحق، والعدل، والحرية.. وبقدرة الإنسان على الإنجاز، بإعجاز..”.. نحن قادرون، ونحن نستطيع، وهناك أمل، وهناك مستقبل.. ولكن فلنجمَع، في هذه المحنة القاسية، بعضَ الشّتات، وبعض الإرادات، حول الأهم من القضايا والمصالح، التي تتصل بالمصير والوجود، بالمقدس والعدل، بالحرية، والاستقلال والسيادة.. ولْنرفع بعض الأقنعة، ولْنزرع بيننا بعض الثقة.. لكي نكوِّن نواةً صلبة، سليمة، يتجمع حولها أهل رأي ورؤية، أهل عقل وعزم، أهل حكمة وحُكم، أهل مسؤولية وقرار.. ونتخذ من المواقف والقرارات، حيال مقدسات وأزمات وقضايا وتحديات.. ما يمليه علينا الانتماء الحق لعقيدة هي الأسمى والأعدل، والأوسع والأشمل “إنسانياً، وتسامحاً، وحرصاً على العدل، والحرية، وكرامة الإنسان”، والقيام بما يوجبه الولاء والانتماء لأمة، تستحق أن يفخَر بها المُنتمي إليها، لما هي تاريخياً، ولما حققته للبشرية، حضارياً.. وإذا ما حدث، وتشكلت تلك النواة، فإنها ستكبر، وتجمَع، وتُنتج قوة موقف، وموقف قوة.. وهما مما نحن بأمس الحاجة إليه اليوم، وفي خضم هذه المحن، والفتن، والامتحانات، والحروب، والأزمات، والتحديات.

أن من المشروع أن نسأل: ما الذي يمنع العربي وغير العربي، المسلم والمسيحي، المؤمن وغير المؤمن، في هذا الوطَن المنكوب ببعض أهله، والمستهدَف من كل أعدائه.. ما الذي يمنعه من أن يرى حقائق الأمور، ومؤامرات الأعداء، ومهازل الأداء السياسي وغير السياسي.. وقد اتضح كل شيئ تحت شمس هذا الشرق، وتلطخت بالدماء والآثام والعذاب، معظم المعالم والدروب، وبدت الوجوه الشائهة للمتلطين تحت الأقنعة، و خلف ” مشاريع التصفية، وخطط السلام، والمفاوضات، ووساطات الغدر والمكر والانحياز..”، وظهر إفلاس الاتفاقيات، والمعاهدات، وأشكال التنسيق مع الاحتلال، والتعاون مع حلفائه العنصريين.. وبدا كم هي كالحة ومتآمرة، وجوه من يقدمون أنفسهم وسطاء”.. في وكل ما وصلنا إليه من أوضاع وأحوال.. فيقف موقفاً يرأب الصدوع بين أهل البيت الواحد، والوطن المستَهدَف.. ويدفع الأحداث، والأشخاص، والدول، والطوائف، والمذاهب، والأقليات، والأكثريات، والأحزاب، والسياسات.. باتجاه البنَّاء من الرأي والقول والفعل، وباتجاه التفاهم بالحوار، وباتجاه إعلاء الأعلى والأسمى، والمشترك الحيوي، الروحي والمادي.. من العقيدي إلى الوجودي، فوق المناورة، والمداورة، والمتاجرة، والادعاءات الفارغة التي تحتكر: “الله، والإيمان، والإسلام، والصلاح” .. وبعيداً عن دوائر النّفاق والارتزاق والسياسات والتحالفات.. لأن في ذلك مرجعية للجميع، ومصلحة الجميع، وخير للأوطان والشعوب والإنسان.

وأن يدفع الدول والتنظيمات والسياسات.. باتجاه ويضع القضايا المصيرية، لا سيما المركزية الشاملة منها، والأهداف، والمبادئ، والقيم، وحقائق الاحتياجات والضرورات والتحديات.. فوق كل تصارع وتنازع عنيف ودام، ويحيلها إلى الحوار المسؤول، إذا لم يستطع أن يضعها فوق الخلاف والاختلاف، وفوق المناورة السياسية، والأطماع القومية، والمنافسات القطرية، والمزادات المذهبية والطائفية. فلتكن هناك واحة للراحة والاطمئنان والإيمان، في صحراء الوقت هذه.. ولتكن هناك محميّة، إن صحَّ التعبير، مُحرَّم فيها القتل والتقاتل، وسفك الدم، والتدمير، وإثارة النعرات، أية نعرات ومن أي نوع.. ولتكن لها حراسة بالوعي والتربية والتعاون، بعيداً عن السياسة وعبث الساسة، وعن دعايات الإعلام وما يمكن أن يسخَّر له من ألاعيب، وبعيداً عن التجارة وظُلم الظُّلام، ومفجري الألغام.. إننا بأمس الحاجة، في وطننا العربي، وعالمنا الإسلامي، إلى حَرَمٍ “لقيم، ومبادئ، وقضايا، ومصالح، وسلوك..”، لا يجوز العبث بها.. حرَمٍ يخضع ما نتفق على إعلائه فيه، لما يشبه حرْمة الحرم المكي.. ذاك الذي ” لا ينفَّر صيدُه، ولا يُعضَدُ شجرُه، ولا يُختلى خَلاه، ولا يسفك فيه دم، ولا تلتقط لقطته إلا لمعرِّف.”.. ما نضعه فيه يكون آمناً، ونحرسه جميعاً ليبقى لنا رصيداً مشترَكاً، وليبقى آمناً، لا تستباح فيه حرمات، ولا ترتكب فيه مظالم، ولا يُفَرَّط بشيئٍ مما نضعه فيه، ولا ترتكب بشأن ما فيه موبقات، ولا تطاله أيدي الطامحين، والمغامرين، والسارقين، والمتطلعين إلى السلطات، والسيادات، وأشكال الاستبداد والاستعباد، بأذى.. ولا ينصب فيه كمين، أو فخ، أو مكيدة ليكون فيه صيد، لا في البر، ولا في الجو، ولا في الماء العكر..

فهل تستطيع الهبة الشعبية العربية الراهنة، أن تخلق مناخاً يدفع بهذا الاتجاه، نحو كل شُعَبِه، وما قد يضاف إليها، وينتمي إلى دوافعها وحمايتها وحُرُماتها؟ وهل يسود مناخ شعبي عربي معافى، يفرض بعض المواقف الإيجابية، على سياسات دول ” جامعة الدول العربية” ، حيث يفضي ذلك إلى إضفاء بعض الاحترام والحُرُمات، على قضايا مصيرية، ومركزية لنضال الأمة العربية، وإلى أهداف ومبادئ، تُرفع إلى مستوى “ما لا يُمَسُّ، وما لا يجوز التفريط به، أو التخلي عن التعاون الصادق، في كل ما يتصل به، ويستدعيه،”، ورفعه “مصلحة عربية عليا”، فوق مصالح البلدان، والدول، والساسة.. لأن فيه إنقاذ الكل، من باب إعلاء وجود الكل على الجزء، ومن باب حياة الجزء وسلامته وأمنه، في ظل الكل.. ورفعه كذلك، فوق الـ” أنا أولاً”، التي لم تفد أحداً، وهَزُلَ بنموها كيان الأمة.. على أن يتم اتخاذ ذلك، إن هو اتخذ، ومواجهته، وتحمل تبعاته: بوجوه صافية صادقة، وبلا أقنعة من أي نوع؟! وهل يستطيع مؤتمر القمة الإسلامية، الذي سينعقد في استانبول يوم الأربعاء القادم، استثنائياً أيضاً، أن يأخذ بشيء من ذلك، أو بشيء يحمي المقدَّس، ويصون الحق، ويحفظ الكرامة؟! إننا لا نفقد الأمل، وندعو إلى ذلك شعبياً أولاً، بطلائع ثقافية قيادية مخلصة واعية ومنتمية للأمة وقضاياها، وإلى العدل والحرية، والقيم الروحية والثقافية والإنسانية، لتأخذ بذلك، وتعمل من أجله.

ولربما كان في ذلك، حَميَّة لمحميَّة.. “مقدسات وحُرُمات”.. وبصيص نور، يمكِّننا من أن نتلمس طرقنا المؤدية إلى الخروج من بعض المآزق، وحفظ بعض الحقوق، وحماية بعض ما تبقى لنا، في ظل وحشية القوة العمياء عالمية، من الإنساني، والروحاني، والأرضاني، والوجودي، والمقدَّس.؟!

د. علي عقلة عرسان

كاتب وأديب سوري

عن موقع التجديد العربي

 

 


البديل نت
http://albadeel.info

رابط المقال
http://albadeel.info/articles-12428.html


تمت طباعة المقال بتاريخ 2018-01-18 10:01:16