البديل نت | الناصريون ... القوميون ...والتيار العروبي / مبدأ المجال الحيوي.


الناصريون ... القوميون ...والتيار العروبي / مبدأ المجال الحيوي.

 

- 1 -

استطاع المسار التقدمي لثورة يوليو التحررية الوحدوية الاشتراكية ان يتحول الى مصدر الهام ونشاط لقطاع عريض من الشعب العربي بمختلف أطيافه الاجتماعية والطبقية والسياسية على مدى سنوات حكم جمال عبد الناصر وقيادته المباشرة والغير مباشرة لجزء كبير من الجماهير العربية. مما جعل الانتساب لمضامين هذا المسار ينتشر في أغلب مواقعه الشعبية والتنظيمية والسياسية عموما بدون ضرورة الالتزام بعنوان سياسي او ايديولوجي مفرز. فهي مضامين مشتركة يلتقي عليها كل من يتعاطف أو ينتسب أو يستلهم مساره من مسار ثورة يوليو حتى مع الاختلاف في بعض او عديد الجوانب اما مع قيادة المسار المستقرة أساسا في القاهرة أو مع بقية الكتل المتعاطفة أو المنتسبة لمسار ثورة يوليو.

فلم تكن هناك حاجة للتميز بعنوان يدل على هذا الانتساب او التعاطف خاصة وأن الزعيم جمال عبد الناصر نفسه لم يتميز بعنوان يميزه عدى عنوان القومية العربية الذي يؤكد عبد الناصر نفسه أنه عنوان سبقه وسيبقى من بعده فهو لم يخلق القومية العربية بل هي التي خلقته (والخلق هنا بمعنى الوعي بالوجود القومي الواحد والمصير القومي الواحد بكل ما يترتب عليه ...).

ولكن الانقلاب الساداتي على مسار يوليو مضافا اليه غياب التنظيم القومي الشعبي القادر على صيانة وتنمية التماسك بين هذا الطيف الواسع من المتعاطفين والمناضلين في الوطن العربي .وضع كل الذين انتسبوا او تعاطفوا مع مسار ثورة يوليو في موقع الخيار بين فك الارتباط المرجعي بهذا المسار أو الدفاع عنه بكل مضامينه وملامحه.

ان هذا التصدي للانقلاب على مسار ثورة يوليو فرض على مناضليه التميز عن بقية الاطياف في المشهد السياسي العربي. تميزا يشير على الاقل الى ان ميراث ثورة يوليو يمثل بالأساس - ان لم يكن حصريا في بعض الاحيان - مرجعيتهم  الفكرية والنضالية. ولعل عنوان "الناصرية" هو العنوان الانسب والاكثر دلالة على هذا التمييز الحصري رغم الغموض والتعميم الذي يحيط به بما أنه لم يكن يمثل دلالة على منهج ونظرية ثورية مكتملة الملامح ....

لابد أن نشير الى أن القطاع  الذي فك الارتباط بمسار ثورة يوليو (بمعنى التخلي عن اعتبارها المرجعية الرئيسية) قد اختار قسم كبير منه الارتباط (او العودة الى الارتباط) بأنظمة أو مراكز مرجعية أو تجارب أخرى تتسق مع ثورة يوليو في بعض أو كثير من الجوانب مثل الارتباط بالنظام العراقي بقيادة صدام حسين أو النظام البعثي السوري. ونريد أن نذكر هنا بأننا ندرج كلمة الارتباط بمعنى العلاقة المرجعية. وهو من الدوافع المهمة لاختيار "الناصريين" التميز بعنوان "الناصرية" من أجل فرزهم عن هذا القطاع من الناشطين الذين اختاروا تغيير الارتباط المرجعي حتى وان لم يغير ذلك من تمسكهم بالخيار التحرري الوحدوي الاشتراكي بل وحتى من استمرار اعتبارهم مسار يوليو مرجعية يقيسون عليها او يستندون اليها في الارتباط بالمرجعية الجديدة.

ان ما تقدم من تحليل لا ينكر نشأة عنوان "الناصرية" قبل وفاة جمال عبد الناصر ولكننا جميعا ندرك أن هذه التسمية لم تكن اختيارا من طرف الذين انتسبوا او تعاطفوا او استلهموا المضامين من مسار ثورة يوليو وانما كان عنوان فرز اختاره أعداء المسار أثناء فترة عبد الناصر وخاصة على اثر جريمة انفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة....

فاذا عرفنا ان اسم الناصرية أطلق قبل حتى صدور "الميثاق" في 1962 فهذا يعني أن الاسم لم يكن له اية دلالة ولو فكرية بما أن الميثاق يمثل أهم مرحلة فكرية متقدمة بدأت تشكل ارضية الفكر "الناصري". هذا بدون ان نذكر بيان 30 مارس 1968 الذي يعتبره "الناصريون" من المراجع الاساسية التي تميزهم كناصريين....

- 2 -

لقد كان لابد من هذا المدخل حتى ننتهي الى القول بأن عنوان "الناصرية" هو خيار تاريخي استوجبته معركة التصدي ضد الارتداد عن المسار التقدمي لثورة يوليو من أجل الدفاع عن مضامين المسار ومنجزاته التقدمية من ناحية ومن أجل التميز عن الذين تخلوا عن الارتباط بمرجعية ثورة يوليو من اجل الارتباط بمرجعيات أخرى تتقاطع مع مسار ثورة يوليو في بعض أو كثير من المضامين من ناحية أخرى.

ونتقدم أكثر لننتبه فننبه أن هذه التغييرات التي فرضها الواقع الجديد بعد غياب جمال عبد الناصر هي بمثابة اعادة ترتيب داخل جزء من تيار كبير نشأ قبل ثورة يوليو ثم اقترب وجدانيا ومرجعيا من عبد الناصر الى حدود الالتحام المرجعي احيانا ليستمر بعده بعناوين وتجليات ومرجعيات مختلفة داخل المشهد السياسي العربي.

هذا التيار هو ما نسميه بــــ "التيار العروبي".

 

ننبه لذلك لأننا سندرك أن من أسباب نجاح وتقدم مسار ثورة يوليو "الناصرية" هو هذا التقارب الى حدود الالتحام بينها وبين هذا التيار العريق. الذي تحول أثناء فترة عبد الناصر الى شرايين تنقل مضامين وحيوية القلب النابض في القاهرة الى مختلف أرجاء الوطن العربي. وهي ملاحظة لو اعتمدها الناصريون فاستخلصوا منها الدروس لإعادة ترتيب أسلوب العمل فإنني على يقين بأنهم سيحققون نقلة نوعية وكمية في نضالهم...

ومن أجل تحديد أكثر دقة للتيار العروبي. فإننا نعرفه كجزء متجدد من الشعب العربي يشترك المنتسبون اليه في الايمان :

أ- بأننا أمة مكتملة التكوين تمتد جغرافيا على الارض المعروفة باسم الوطن العربي. وهو ما يستثني الذين يعتبرون الانتماء العربي انتماءا عرقيا او قبليا او شعوبيا من دائرة العروبيين.

ب-  بضرورة العمل على التحرر الوطني واستقلال القرار الوطني.

ت- بالدفاع عن الهوية الحضارية للامة العربية وتجديد مضامينها. مع اعتبار الخصوصيات الثقافية المحلية وغيرها جزء الحضارة العربية.

ث- بالعدالة الاجتماعية بكل ابعادها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها كنظام يعكس اشتراك أبناء الامة الواحدة في الانتماء لنفس الاطار الاجتماعي.

ان هذه الثوابت هي المضامين الاساسية التي استقر عليها التيار العروبي بعد عقود من التجربة والممارسة لتشكل ملامحه التي تميزه عن بقية التيارات السياسية الاخرى.

 ان المحطات الرئيسية في التاريخ العربي الحديث بداية من التطلع الى التخلص من الاستعمار العثماني مرورا بثورة يوليو ومراحل الصراع العربي الصهيوني بكل تجلياته. قد شكلت الثوابت الرئيسية التي ذكرناها والتي تطبع خطاب وممارسة الكتل النشيطة في التيار العروبي حتى مع اختلافها الى حد التناقض احيانا حول اشكاليات مهمة في المشهد العربي. ولكنها تظل المشترك الجامع بدليل انه عند الاختلاف داخل التيار العروبي يقع الاحتجاج بإحدى او كل هذه الثوابت للاستدلال على سلامة الموقف.

نضيف الى ذلك ملاحظة في غاية الاهمية لا ينتبه اليها العديد من الناصريين في الوطن العربي.

ان التيار العروبي لا يشمل فقط الذين يعلنون أنهم عروبيون. فهناك العديد من القوى السياسية تلتزم بهذه الثوابت مع أنها تستند - ولو شكليا - الى مرجعيات مثل الماركسية او "الاسلامية" او غيرها.

ونحن نعتقد أنها قوى حبيسة لحظة انتقال مزمنة من الخلفية الايديولوجية القديمة الى مرحلة العقيدة القومية العربية. والدليل على ذلك هو ما نلاحظه من تناقض واضح بين مضامينها الجديدة وخطابها الذي استقرت عليها من ناحية وبين بديهيات واستتباعات الخلفية الايديولوجية المعلنة من جهة أخرى .وهو أمر لابد أن ننتبه اليه من أجل التعاطي السليم مع هذه القوى لتخليصها نهائيا من هذا الوضع لتتحول الى قوى قومية عربية خالصة و فاعلة.

- 3 -

هل أن التيار العروبي هو التيار القومي العربي؟

لقد تعمدنا استعمال اسم التيار العروبي لان هناك فرق لابد أن نذكره بين العروبي والقومي. ونحن نعتقد أن الغاية من ضرورة التمييز بينهما ليست استعلاءا من القوميين او حتى امتيازا نضاليا. وانما ضرورة من اجل معرفة مساحة البداية المشتركة وتحديد موضوعي لسقف التوقعات والتطلعات أُثناء العمل المشترك بين العروبيين وبين القوميين.

فالقومي العربي يشترك مع العروبي في كل الثوابت العروبية التي ذكرناها سابقا أثناء التعريف بالتيار العروبي. ولكنه يضيف اليها البعد القومي العربي لتكتمل هدفا استراتيجيا واحد يتلخص في دولة العرب الواحدة العادلة التي تمتد سيادتها على كل شبر من الوطن العربي.

أهم من ذلك - فرزا وتميزا - أن القومي العربي يدرك أن المشاكل القومية لا يمكن حلها كما يجب أن يكون الا بأدوات قومية فلا يدخر جهدا في سبيل بناء التنظيم القومي لأنه الاداة المناسبة لتغيير الواقع العربي باتجاه دولة العرب الواحدة.

مثال على ذلك أن العروبي يكتفي بالنضال من أجل عدالة توزيع الثروة في الدولة الاقليمية ومن أجل تكامل اقتصادي عربي بين الانظمة الاقليمية من أجل استفادة الشعب العربي من الثروات المتاحة في الوطن المجزأ في اطار الممكن الذي يسمح به النظام الاقليمي العربي.

فيكتفي بالعمل على تكامل جهود الانظمة والتنظيمات الاقليمية من اجل تحقيق هذه الغايات.

بينما يعتبر القومي العربي ان ذلك وان تحقق فهو لا يحقق العدالة الاجتماعية في الوطن العربي فهو في أقصى تقدير حلول مرحلية بالممكن الاقليمي لا يستنكرها من باب تخفيف وطأة الاقليمية على المواطن العربي ولكنه لا يعتبرها بديلا عن تحقيق العدالة بتصفية الاقليمية. فيضيف الى نشاطه الداعم لمعركة العدالة الاجتماعية  - بالممكن - نشاطا آخر تستدعيه قوميته فكرا وأسلوبا وهو العمل على بناء التنظيم القومي باستثمار خبرة النضال بالممكن التي يكتسبها من الادوات الاقليمية والعروبية الممكنة (وهي مهمة جدا على هذا المستوى).

من خلال هذا التمييز لن نجد صعوبة في الاقرار بأن التيار القومي العربي هو جزء من التيار العروبي أكثر تقدما ونضجا بما اكتسبه من قناعات وثوابت مضافة كتجليات للبعد القومي فكرا وأسلوبا.

فاذا أردنا أن نحدد الثوابت الجامعة للتيار القومي العربي فيمكننا تلخيصها كالتالي :

 

أ- في المنطلقات

نحن أمة عربية واحدة.  تعاني  مشكلة التخلف بمعنى عجز الشعب العربي عن توظيف امكانياته القومية المتاحة كما يجب ان يكون بسبب التجزئة والاستغلال والاستعمار.

ب-  في الغايات

ان الحل العلمي لمشكلات الامة العربية هو بناء دولة الوحدة والعدالة الاجتماعية.

ت-  في الاسلوب

الاسلوب العلمي لبناء دولة الوحدة  والعدالة الاجتماعية هو الثورة العربية التي تعني تصفية الاستعمار والاقليمية والاستغلال.

الاداة التنظيمية الجماهيرية لإنجاز الثورة العربية هي  التنظيم القومي العربي الذي يؤسسه المناضلون القوميون العرب.

ث-  من الممكن الى ما يجب أن يكون

 في غياب التنظيم القومي يتصدى القوميون العرب لمشكلات الشعب العربي بما هو متاح من امكانيات وأدوات تنظيمية ومؤسساتية يستثمرونها كمواقع نضالية للتصدي للمشكلات التي لا يتوقف تأثيرها السلبي على حياة الشعب العربي وكمواقع لتدريب وانتاج الكادر القومي الطليعي ليكون مؤهلا لتأسيس التنظيم القومي والنضال في صفوفه.

ان هذا التعريف هو تحديد للأرضية المشتركة التي يقف عليها القوميون العرب في مواجهة مشكلات الأمة العربية. ونعتبر النقطة الرابعة (من الممكن الى ما يجب أن يكون) هي رابطة الانتساب الرئيسية التي تجعل التيار القومي العربي جزءا من التيار العروبي مؤهلا لتخطي حدود تطلعات العروبيين التي تتوقف غالبا على حدود معارك الممكن لا تتجاوزها الى ما يجب ان يكون بداية من تأسيس التنظيم القومي العربي.

 

ان هذا التعريف المحدد للتيار القومي لا يعني الاتفاق التام بين مكوناته ومنتسبيه على نظرية قومية عربية مكتملة المعالم. على الأقل الى حدود الساعة. ولكنه يشير الى مستوى أكثر تقدما من الاتفاق والاشتراك في المنطلقات والغايات والاسلوب مع الاحتفاظ بالاختلاف في المنهج و في التفاصيل.

- 4 -

ما هو موقع الناصريين من التيار العروبي عموما ومن التيار القومي العربي خصوصا؟

اذا كان مقياس الناصرية هو اعلان الشخص أنه ناصري بصرف النظر عن مفهومه للناصرية فإننا لاشك سنتعقب وجود الناصريين في مختلف مستويات التيار العروبي سواءا القومي العربي أو غير ذلك بل انه بامكاننا تعقبهم حتى خارج هذا التيار حتى أننا نجد "ناصريين" اقليميين" وآخرين مطبعين مع العدو الصهيوني وآخرين "ساداتيين"....

ولكننا سنعتمد على مقياس نعتقد انه يمثل الحد الادنى الذي يمكن ان يتفق معنا عليه كل من يعتقد أنه ناصري.

فنعرف الناصرية كمجموع الثوابت العامة التي انتهى اليها مسار ثورة يوليو. وهو ما سيجعلنا نبحث في آخر ما انتهى اليه المسار من مواقف فيما يتعلق بالمشروع القومي العربي.

 وعندما نتحدث عن المشروع القومي العربي فإننا نعني منطلقات وغايات واسلوب المشروع.

ولا شك أن خلاصة ما انتهى اليه مسار ثورة يوليو على هذا المستوى هو :

أ- أننا أمة عربية واحدة تعاني من الاستعمار والتجزئة والاستغلال.

ب- أنه من حق الأمة العربية بناء دولتها الواحدة الاشتراكية الديمقراطية.

ت- أن الثورة العربية هي الطريق الوحيد لتحقيق هذه الغاية.

ث- أن "الحركة العربية الواحدة" أصبحت ضرورة تاريخية لا بديل عنها من أجل الثورة العربية.

ج - أن الايمان بضرورة التنظيم الطليعي لم تثني عبد الناصر عن استعمال ودعم كل الامكانيات المتاحة اقليميا وعربيا من أجل التصدي لمشاكل الامة بما هو متاح.

ان هذه الثوابت هي خلاصة الخلاصة لما انتهى اليها مسار ثورة يوليو الى حدود رحيل جمال عبد الناصر. ولا يمكن لأحد ينسب نفسه مرجعيا لثورة يوليو أن ينكر واحدا أو أكثر من هذه الثوابت ثم يدعي أنه ناصري.

وعلى أساس ما تقدم لا يمكن أن يتموقع الناصري الا داخل التيار القومي العربي. لأننا نلاحظ بما لا يسمح بأي مجال للشك أن المشترك بين الناصريين حسب المقياس المذكور يمثل مساحة أكثر خصوصية داخل التيار القومي العربي وليس خارجه.

- 5 -

كان لابد من هذه المحاولة لتفكيك مكونات التيار العروبي. ثم تحديد موقع الناصريين منه. حتى نستطيع اعادة تصور ثم صياغة ما يجب أن تكون عليه العلاقة الايجابية بين الناصريين وبقية مستويات التيار العروبي بالاتجاه الذي يدفع الى نقلة نوعية ليس في مسار النضال الناصري فقط بل وأيضا في مسار النضال العروبي عموما.

ان حالة التمترس وراء حواجز العناوين التاريخية أو الخصوصية المرجعية لم يعد لها أي مبرر في اللحظة التاريخية الراهنة لعدة أسباب لعل من أهمها :

1- أن الصراع ضد القوى المعادية تراجع بنا من الخاص الى العام. ونضرب لذلك مثلا أننا في الوقت الحالي أصبحنا نقاوم تفتيت المفتت ونعمل على حماية الدولة الاقليمية بعدما كنا نتطلع الى تصفية الانظمة الاقليمية من اجل دولة العرب الواحدة.

ونضرب مثلا آخر لنقول أننا أصبحنا نقاوم تغول المنوال الرأسمالي ونطالب بالحد من اجحافه في حق المواطن العربي بعدما كنا في مرحلة تاريخية سابقة نستثمر انتشار الوعي الاشتراكي لنناضل بكل تفاؤل من أجل اقامة نظام اشتراكي.

اننا نلاحظ بكل وضوح أن أسلوب رد الفعل الذي تفرضه علينا المعارك العربية مضاف اليها غياب قدرتنا على التحكم في مجرى الاحداث ولو جزئيا كان ولا يزال السبب في تقهقر تطلعاتنا الحالية ونحن نحاول التصدي لتردي الواقع العربي. وهو بالضبط المعنى الحقيقي للتراجع بنا من الخاص الى العام.

2- ان هذا التراجع يضعنا بالضبط في مستوى التطلعات العامة المشتركة بين مناضلي التيار العروبي فيفرض علينا انتاج علاقة سوية ايجابية مع هذا التيار قادرة أن تمنحنا قدرات جماعية اضافية للنجاح في الاشتباك.

3- أن التيار العروبي هو الأكثر تأهيلا للتفاعل التراكمي مع القوميين والناصريين من أجل انتاج مشروع للثورة العربية أكثر حداثة واستفادة من خبرات العقود الماضية.

ونحن لابد أن نقر بحاجة المشروع القومي عموما الى صهر كل روافده الفكرية لإنتاج مشروع جديد قادر على استقطاب وجمع وتحشيد كل الطاقات العروبية في الوطن العربي لاستعادة القدرة على تغيير الواقع بما ينسجم مع الاهداف الاستراتيجية.

فيعفينا هذا التفاعل عناء الانطلاق من مستوى قريب من العدم. بما أن الكم العددي للتيار العروبي لا يمكن الاستهانة به.

4- ان العناوين المتقدمة في الخصوصية مثل "الناصرية" لم يعد لديها نفس قوة الاستقطاب والجاذبية مثلما كان في مراحل سابقة. بينما يحافظ العنوان "العروبي " على نسبة أكبر من الاستقرار في أغلب الساحات العربية. وهو ما يؤهله ليكون المجال الحيوي الحاضن للناصريين والقوميين ليمدهما بإمكانيات التواجد والتفاعل مع الجماهير العربية من ناحية ومع مكونات التيار العروبي من ناحية أخرى.

ان الدعوة الى تجاوز حالة التمترس وراء خصوصية العناوين لا يعني بأي حال من الاحوال الدعوة الى الغاء العناوين نفسها. بل انه يعني الانفتاح الايجابي والتفاعلي مع باقي العناوين داخل التيار العروبي. ليس فقط على المستوى النضالي حتى لا تتحول العلاقة الى علاقة نفعية (براغماتية) وانما ايضا وبنفس المستوى من الاهمية الانفتاح الفكري لتحقيق حالة حوار تصاعدي مستمر ينطلق من مساحة الالتقاء المشترك ليغذيها فينميها تدريجيا باتجاه المنهج والنظرية المشتركة في مناخ نضالي مشترك يخفض من منسوب التباعد والتمترس دون اللجوء الى التعسف في الغاء العناوين الخاصة.

ان الناصريين والقوميين عموما لابد أن يعيدوا ترتيب علاقتهم مع بقية مكونات التيار العروبي على اساس اعتبار هذا التيار هو المجال الحيوي لاستمرار وجودهم ولامكانية نموهم الفكري والنضالي. وأن عدم الانتباه لهذه القاعدة سيسمح بمزيد اغتراب القوميين عموما والناصريين خاصة عن الحاضنة الجماهيرية.

لاشك أن هذه الصياغة الجديدة للعلاقة بين الناصريين وبقية مكونات التيار العروبي ستحتاج الى فترة من التدريب المشترك على المناخ الجديد في مختلف مستوياته. ولعلها بدأت منذ فترة بخطوات بطيئة وموسمية فرضتها محطات مهمة ومزعزعة من التاريخ القريب مثل العدوان على العراق ولبنان وسوريا وخاصة محطات العدوان على شعبنا العربي في فلسطين.

لكننا بحاجة الى نشاط تفاعلي بين مكونات التيار العروبي - بما فيهم الناصريين - أكثر ديمومة في الزمن والاهم من ذلك أن يكون أكثر تراكمية حتى يستطيع التبشير بالولادة الجديدة.

لا يمكننا أن نتخيل ما يمكن أن يتيحه هذا الترتيب الجديد من رحاب الحركة والاستقطاب والفعل في الواقع لأننا ببساطة سننفتح على روافد لا يمكن حصرها من الامكانيات الفكرية والنضالية القادرة على اعادة ضخ الامل والعزيمة والنشاط في مختلف مفاصل الجسم الناصري والقومي العربي.

 بدرالدين عياري (جمال بدرالدولة)

عضو المجلس الوطني لحركة الشعب في تونس

 


البديل نت
http://albadeel.info

رابط المقال
http://albadeel.info/articles-12415.html


تمت طباعة المقال بتاريخ 2017-12-14 11:12:24