البديل نت | تهميش دور مجلس التعاون الخليجي


تهميش دور مجلس التعاون الخليجي

 

 

ما كنا نخشى حدوثه، بسبب الخلافات والمشاحنات الخليجية عبر الشهرين الماضيين، قد حدث فى ساحتين من ساحات عمل مجلس التعاون الخليجى. دعنا نكُنْ صادقين مع النفس ومع إملاءات الالتزامات القومية، من خلال مقارنة موضوعية بين ما حدث وما كان يجب أن يحدث، لنرى ما تقود إليه بعض الممارسات السياسية التى تؤدُى إلى أن تصبح الأهداف الوطنية والقومية التحررية العليا ضحية لتغليب الأهداف الطارئة المؤقتة.

الحدث الأول تمثل فى إقحام الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، وهى الدولة التى لها مطامع وأجندات وحسابات انتهازية نفعية، فى الشأن الخلافى الخليجى، وتنصيب وزير الخارجية الأمريكية نفسه حكما ومقيما فى شأن خليجى بحت. وبالطبع فان الحكم النهائى، مع هذه الجهة أو ضدُ تلك الجهة، مع تصويب هذه الدولة أو تخطئة تلك الدولة، سيعود فى النهاية للرئيس الأمريكى. وهنا مربط الفرس.

إذ هل حقا أن شخصية هذا الرئيس يمكن الوثوق بقدرتها على التصرف بحنكة وموضوعية وتجرُد فى الشأن الخلافى الخليجى؟

دعنا نشير إلى شهادة شاهد من أهلها، كمثال واحد من ألوف الشهادات التى كتبت وقيلت عن شخصية الرئيس، لنرى إن كان يجوز الاستعانة بالوساطة الأمريكية، وبالتالى بوساطة الرئيس.

لقد صدر أخيرا كتاب بعنوان «قضية دونالد ترمب الخطرة» بأقلام سبعة وعشرين إخصائيا نفسيا أمريكيا. وأشرف على تأليف وإصدار الكتاب الأستاذ الدكتور براندى لى، أستاذ القانون وعلم النفس فى جامعة ييل الأمريكية الشهيرة.

لقد أظهر الكتاب، فصلا بعد فصل، وجود نواقص بالغة الخطورة فى تركيبة الرئيس النفسية والذهنية والاجتماعية. فهو، باختصار؛ شديد النرجسية، الأمر الذى يجعله يعتقد بأنه أفضل من الآخرين، وأن لديه قدرات خارقة تجعله ناجحا فى كل أمر يحمل مسئوليته، وأن ينظر إلى الآخرين بازدراء وبالتالى لايأخذ بعين الاعتبار مشاعرهم وحاجاتهم، بل ينتظر منهم قبول أفكاره ومقترحاته دون أى مناقشة، وأن لديه قابلية انتهازية لاستغلال الآخرين وخداعهم وبالتالى لا يمكن الوثوق فى علاقاته مع الآخرين، وبالرغم من كل ذلك فإنه داخليا لديه مشاعر ضعف وخوف من الفشل، وهو ما يجعله قابلا للدخول فى مغامرات عبثيه لإثبات أنه قوى ولتكذيب مشاعر الضعف فى داخله.

لا يقف الأمر بالنسبة للرئيس الأمريكى عند حدود النرجسية، إذ إن مؤلفى الكتاب يشخصون شخصية الرئيس بأنها الشخصية «الهدونستية» التى تعيش الحاضر فقط، وبالتالى لا تحسب حسابا للمستقبل. إنها الشخصية التى تعكف على الملذات والسعادة المؤقتة. ولأنها معنية فقط بالحاضر فإنها لا تحسب حسابا للنتائج المستقبلية التى تتولد عن أقوال أو أخطاء وخطايا الحاضر. ولذلك فأنها لا تتورع عن التلفظ بأشنع وأقذع الأقوال بحق الآخرين، وذلك من أجل تحقيق انتصارات شخصية فى الحاضر.

ما كنا لنهتم بصفات شخصية الرئيس الأمريكى لولا أنها قد تصبح فى أى لحظة مصدر قرارات خاطئة تتخذ بشأن أوضاعنا العربية والخليجية.

فى مقابل ما حدث، من استعانة بمصدر لا يوثق فيه للمساعدة على حل الخلافات الخليجية، تراجع إلى حدود العدم ما كان يجب أن يحدث، وهو الاستمرار فى المسعى الكويتى لرأب التصدع فى بنية مجلس التعاون. كان ضروريا الاستمرار فى المسعى الكويتى، وتطويره، والإصرار على إنجاحه، لإثبات قدرات مجلس التعاون الذاتية فى حل مشاكله، بل ومشاكل الأمة العربية. بهذا ضاعت فرصة تاريخية لإثبات أن العرب قادرون على حل مشكلاتهم بأنفسهم ودون وصاية من الخارج، وعلى الأخص الخارج الاستعمارى الذى تقوده شخصية غير متوازنة.

الحدث الثانى هو التصريح الرسمى الكويتى بأنها تفضل تأجيل اجتماع القمة الخليجى لمدة ستة شهور، إلى أن تتحسن الظروف المأزومة وتهدأ المشاعر الهائجة.

ويسأل الإنسان نفسه: ما فائدة وجود مؤسسة القمة الخليجية، وهى أعلى سلطة فى مجلس التعاون الخليجى، إذا كانت لا تواجه العواصف السياسية ونيران الخلافات الخطرة حال هبوبها واشتعالها؟ فالمؤسسات الإقليمية والقومية خلقت فى الأصل لمواجهة القضايا الكبيرة وليس للتسلى بالأمور الصغيرة.

أكثر من ذلك. تأجيل اجتماع دورى لأعلى سلطة سيعنى تأجيل كل الاجتماعات الأخرى وتجميد أنشطة المجلس وانتظار الفرج من خارج المجلس. هذه كارثة فى العمل السياسى الإقليمى العربى ستكون لها انعكاساتها السلبية على العمل المشترك فى المستقبل.

وفى هذه الحالة ألسنا نتعامل بخفة وقلة مسئولية مع موضوع بالغ الأهمية بالنسبة لكل مواطنى دول مجلس التعاون؟ ألا يمثل هذا المجلس أحلاما كبرى وتطلعات عروبية وحدوية لشعوب هذا الجزء من الوطن العربى؟ وبالتالى، أليس هذا المجلس هو أيضا ملك للشعوب مثلما هو ملك لسلطات الدول؟

لقد كنا نأمل أن تؤدى الخلافات فيما بين دول المجلس الحالية إلى مراجعة عميقة لمرئيات المجلس وسياساته، وذلك لتجنُب الأخطاء التى حدثت فى الماضى ولجعل المجلس مصدر عون ودعم لمحاولات العرب الخروج من الجحيم الذى يعيشونه حاليا. فالوقت قد حان للقيام بتلك المراجعة الصادقة.

عند ذاك ستشعر شعوبنا، فى الخليج وعبر الوطن العربى كله، بأن أحلامها القومية الكبرى، فى وحدة أمتها وتحررها ونهضتها، ستعامل بحكمة وجديُة ومواجهة شجاعة للأعاصير.

د. علي محمد فخرو

كاتب وطبيب وتربوي قومي من البحرين

أحد مؤسسي نادي العروبة الثقافي في البحرين.

عن موقع التجديد العربي


البديل نت
http://albadeel.info

رابط المقال
http://albadeel.info/articles-12402.html


تمت طباعة المقال بتاريخ 2018-09-25 02:09:19