البديل نت | "ناتو" اسلامي لمحاربة الارهاب


"ناتو" اسلامي لمحاربة الارهاب

لم يتصور احد ان الرئيس الاميركي المثقل بالفضائح والنزاعات الداخلية، والمتجه بطائرته الى الرياض، سيغيّر المشهد في الشرق. الا ان المشهد في الشرق قد تغير جذرياً. لأيام خلت، وقبل ان تحطّ الطائرة في مطار الرياض كان "البطل" الواقف على المسرح رجلا روسياً اسمه فلاديمير بوتن. فجأة تراجع بوتن الى ما وراء الستار، وجاء "بطل" آخر، رجل اميركي، اسمه دونالد ترامب.  فصل من فصول مسرحية مأساة هذا الشرق. ولكن لم تكن زيارة ترامب انقلاباً على الرئيس الروسي بقدر ما كانت انقلابا على عدوه اللدود اوباما، الرئيس الاميركي السابق.

كان الرؤساء الاميركيون ، اذا ارادوا ان يتكلموا الى العالم العربي والاسلامي يأتون الى القاهرة. ولكن الرئيس ترامب اتى الى الرياض. لقد اختار محطته الاولى في أول زيارة يقوم بها خارج الولايات المتحدة، بدقة. لقد اختار السعودية لأسباب ثلاثة: انها مهد الاسلام، والمؤتمنة على الحرمين الشريفين. انها قائدة الحرب في العالم العربي والاسلامي ضد التمدد الايراني في المنطقة؛ وانها بلاد النفط والثروة. لقد جاء الرجل برؤية جديدة لم يجرؤ عليها من قبل رئيس من الغرب. ترتكز هذه الرؤية على مبادرات ثلاث:  الأولى هي ارساء "ناتو"  اسلامي- عربي ضد الارهاب والتطرف. والثانية بناء نواة من "ناتو" اسلامي- عربي-اسرائيلي ضد ايران. والثالثة هي "الصفقة الكبرى"، التوصل الى اتفاق سلام بين اسرائيل والفلسطينيين.

في المبادرة الاولى، قال ترامب للمسلمين: ليس بالإمكان الانتصار في هذه الحرب ضد الارهاب بدونكم. وانتم يجب ان تكونوا في الصفوف الامامية لأن الإرهاب هو مسؤوليتكم، ولأنه عدوكم اكثر مما هو عدونا. ان اميركا لن تخوض هذه الحرب من أجلكم وانتم جالسون على حافة الطريق تتفرجون. ان اميركا ستحارب بكل قوتها ولكن معكم، بشراكة تاريخية مع شعوبكم. لقد انتهى الزمن الذي كنتم تطلبون فيه من اميركا ان تخوض حروبكم. هذه رؤية ترامب للسلام بين الولايات المتحدة الاميركية والاسلام. بناء جسر من الشراكة والتعاون بين اميركا والاسلام الحقيقي لمحاربة الاسلام غير الحقيقي. الاسلام المعتدل ضد الاسلام المتطرف. اسلام السلام ضد اسلام العنف. ويقول الرئيس الاميركي بما ان هذه الحرب هي حربكم، عليكم انتم ان تدفعوا ثمنها. النظرية الجديدة هي الامن مقابل ثمن. قال ذلك في الرياض وأعاد القول ذاته أمام أعضاء حلف "الناتو" في بروكسل.

وتلحظ هذه المبادرة الاعتراف بان محاربة الارهاب تتطلب تجفيف ليس فقط مصادر الدعم المالي بل ما هو أهم، منابع الفكر الارهابي . كل شيء يبدأ وينتهي في العقل. فمن أهم الاسلحة في هذه الحرب سلاح تدريب العقل لصنع عقل جديد وبالتالي خلق انسان جديد. لذلك وجب تأسيس مركز خاص لمحاربة الفكر الارهابي، ويكون مقره الرياض. من هنا أود ان أقول ان التربية هي الثورة الحقيقية، المعركة الحقيقية. ولكي تكون التربية الثورة الحقيقية يجب ان نفصل التربية عن الدين.

والمبادرة الثانية هي منحى جديد للسياسة الخارجية في الشرق الاوسط، وهي بمثابة ايجاد مساحة يعمل فيها العرب والإسرائيليون معاً. فالمبادرة تقول بانشاء "ناتو" آخر عربي - اسرائيلي مهمته التصدي لإيران وتمدّدها في الشرق. فقمة الرياض لم تكن ضد الارهاب فقط بل كانت ضد ايران ايضا. ان ترامب يريد استعمال ايران الثورة الاسلامية، "الدولة التي ترعى الارهاب، وتهدد وجود اسرائيل، كما تهدد نفوذ بعض الدول العربية"، أداة لجمع العرب والاسرائيليين وحثّهم على ان يعملوا معا لتدارك هذا الخطر المحدق بهم. هذه هي النافذة، في رأي ترامب، لإحلال السلام ليس فقط بين العرب واسرائيل بل ايضا بين اسرائيل والفلسطينيين.

إنّ هذا الرئيس مثل كثيرين من الرؤساء قبله، ضحيّة لإغتصاب إسرائيل العقل في الغرب قبل أن تغتصب الأرض في الشرق. إنّه يتناسى أنّ دولة إسرائيل هي أيضا دولة ترعى الإرهاب. دولة تحتل أرضا ليست لها، وأنّها الدولة الوحيدة في الشرق التي لا تنصاع لقرارات الشرعيّة الدوليّة.

وفي نفس الوقت الذي وصل فيه ترامب الى السعودية كانت ايران قد انتخبت روحاني رئيساً للمرة الثانية بغالبية ساحقة. لقد قال الشعب الايراني كلمته : لا للتطرف. وقال الرئيس روحاني نعم للانفتاح على العالم؛ ونعم  للحوار مع الجميع .  هل سمع ترامب هذا الكلام؟ وهل سيبني عليه رؤية جديدة؟

والمبادرة الثالثة هي حلم كل رئيس اميركي بتحقيق اتفاق سلام بين اسرائيل والفلسطينيين. الوقت لن يكون افضل مما هو اليوم. رئيس اميركي يهوى ادوار البطولة في الافلام السينمائية. يريد ان يكون بطلاً. يصرّ على ان يقوم بعمل لم يتمكن غيره من القيام به. وعرب يخافون من ايران اكثر مما يخافون من اسرائيل. وهناك جيل جديد عند العرب يعترف بتفوق اسرائيل في العلم والابحاث والقدرة العسكرية والقدرة على جمع المعلومات والاستخبارات ويريد الاستفادة من كل ذلك. كما ان هناك اقتناعًا راسخًا في العالم العربي بان المشكلة الفلسطينية هي من أهم الاسباب التي ادت الى نمو الارهاب وان حلّ هذه المشكلة يساعد في الحرب ضد الارهاب؛ وقد يساعد ايضا في الحدّ من تمدد النفوذ الايراني في المنطقة.

لقد عاد الرجل الى بلاده فماذا يبقى من الكلام الذي قيل؟ وهل يتراجع عن مواقفه كما تراجع عن مواقف اخرى؟ من الصعب التراجع عن المبادرة الاولى لان الثمن قد دُفع. في المبادرة الثانية، نتمنى ان تكون الدبلوماسية هي الطريق الى طهران حتى لو كانت هذه الدبلوماسية مدعومة بالعقوبات الاقتصادية. أما في المبادرة الثالثة، فعبثًا الوصول الى السلام دون غطاء دولي. فأميركا وحدها لا يمكنها إحلال السلام بين اسرائيل والفلسطينيين. هذا السلام يحتاج الى آلية دولية كالتي استعملت للوصول الى الاتفاق النووي مع ايران. الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الامن، زائد واحد وهو المانيا.

وما يهمنا من كل هذا هو لبنان. على الدبلوماسية اللبنانية ان تتحرك بسرعة تحت غطاء الحرب ضد الارهاب. على لبنان ان يطلب من الادارة الاميركية الجديدة ان ترفع سقف دعمها للجيش اللبناني من الدعم الفولكلوري، كما هو الحال اليوم ، الى الدعم الحقيقي. ان حدود لبنان الشرقية هي حدوده مع الارهاب.  يجب الطلب ايضا ان تدعم الولايات المتحدة فكرة ايجاد "مناطق آمنة" داخل سوريا لعودة اللاجئين السوريين اليها. على ان يعود الى هذه المناطق أولاً وقبل غيرهم اللاجئون السوريون الموجودون في لبنان. فلبنان ليس تركيا وهو ليس الاردن . انه بلد صغير منهك بالحروب ومنهك بالصراعات الداخلية.

لقد تكلم ترامب عن الجيش اللبناني وبسالته في حربه ضد الارهاب. يبقى على اللبنانيين، كلّ اللبنانيين ان يدعموا جيشهم ويتحدوا وراءه. وعلى الجيش ان يبتعد عن السياسة، ويبتعد أكثر عن السياسيين. يجب ان يرتفع هذا الجيش فوق كل شيء حتى يبقى لبنان. ان كنت ماشيًا على الطريق ورأيت سياسياً فاسداً فاحجب وجهك عنه، اما اذا رأيت جنديا من جيش لبنان فانحن امامه.

ليكن الله معك يا جيش لبنان.  وتذكّر دائما أنّ لبنان هو "الكرمة التي غرستها يد الله"، فاحرسها.


البديل نت
http://albadeel.info

رابط المقال
http://albadeel.info/articles-12319.html


تمت طباعة المقال بتاريخ 2017-10-24 09:10:00