البديل نت | العدوان الأميركي: غطرسة فوق القانون والمَنطِق


العدوان الأميركي: غطرسة فوق القانون والمَنطِق

 

اميركا والغرب عموماً ينظرون إلى أنفسهم أنهم والكيان الصهيوني المجتمع الدولي. هم يستثنون أمم الأرض، ويختصرون العالم بأنفسهم، ودائماً يتحدّثون عن مواقفهم على أنها مواقف المجتمع الدولي. إنهم يستثنون روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا وبقية العالم، ولديهم الاستعداد لمشاركة الآخرين في ترتيب الأوضاع الدولية هامشياً فقط. وإذا كان هناك من دول العالم مَن يثبت وجوده على الساحة الدولية فذلك رغم أنف الولايات المتحدة.

اعتدنا على الولايات المتحدة أن تحشر أنفها في كل شقّ تستشعره في هذا العالم، وهي تخترع الشقّ إن لم يكن موجوداً، إذ لا تستطيع صناعة علاقات اعتيادية مع دول العالم إلا إذا سبقت صلافتها مصافحتها. ولم يكن من المنطقي وفق معايير السياسة الخارجية الأميركية أن تبقى أميركا صاحبة دور ثانوي أو انزوائي في الأزمة السورية، ولم يكن من المتوقّع أن تبقى على رصيف المسرح مُقصية نفسها عن التدخّل العسكري المُباشر بخاصة إذا توالت هزائم حلفائها من إرهابيين وصهاينة وأنظمة عربية. أميركا تتبنّى نظرية القوة في السياسة الخارجية والتي تعتبر العصا والجزرة إحدى أدواتها الهامة، ولدى أميركا ما يكفي من الإمكانات المادية ما يمكّنها من الحرص على مصالحها في مختلف أنحاء العالم.

من ناحية أخرى، أميركا والغرب عموماً ينظرون إلى أنفسهم أنهم والكيان الصهيوني المجتمع الدولي. هم يستثنون أمم الأرض، ويختصرون العالم بأنفسهم، ودائماً يتحدّثون عن مواقفهم على أنها مواقف المجتمع الدولي. إنهم يستثنون روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا وبقية العالم، ولديهم الاستعداد لمشاركة الآخرين في ترتيب الأوضاع الدولية هامشياً فقط. وإذا كان هناك من دول العالم مَن يثبت وجوده على الساحة الدولية فذلك رغم أنف الولايات المتحدة. وتاريخياً ليس من السهل على مَن يعتبر نفسه السيّد الأعلى سواء كان على مستوى المجتمع المحلي أو على الساحة الدولية أن يتخلّى عن موقعه كسيّد يأمر وينهى. والولايات المتحدة ومعها أغلب الدول الغربية تعتبر نفسها الأرقى ثقافياً وفكرياً، وأن حضارتها قد ثبت تفوّقها على كل الثقافات، وأن نظاميها السياسي والاقتصادي هما الأفضل على مرّ التاريخ، وأن على كل دول العالم أن تهرول نحو تبنّي الثقافة والفكر الأميركيين إذا كان لها أن تتطوّر وتتقدّم. هذا هو لبّ العولمة الأميركية والتي بدأ بوش بتبنّي سياسات تنفيذها. والغرب يرى الحقيقة المُطلقة مُتجسّدة فيه، وأن الأمم التي لا تحتضن حقيقته تبقى في ضلال مُبين.

التاريخ مليء بقصص حول حق الأثرياء والأقوياء في أموال الفقراء ودماء الضعفاء، وهذا ما تقوم به أميركا على الساحة الدولية وبالتحديد بعد الحرب العالمية الثانية: إنها تأخذ نصيبها من دماء الضعفاء وتعمل دائماً على استنزاف الفقراء. هكذا فعلت في شرق وجنوب شرق آسيا، وفي البلاد العربية الزاخِرة بالثروات النفطية، وفي بلدان عدّة على الساحة الدولية. لقد غزت الدومينيكان في الوقت الذي انتهت فيه الغزوات المُتبادلة بين الشعوب والأمم، وغزت بنما والعراق، ودائماً تعمل على توسيع نطاق أعمالها العسكرية. إنها دولة أشبه ببلطجي أزعر يحمل على ظهره مختلف أنواع الأسلحة الفتّاكة طائفاً العالم مُهدّداً ومُتوعّداً ومُرعباً ومُبتزاً. ووفق نظرية ماركس، الحروب استثمار اقتصادي ومالي مُربح جداً، وفيها يموت أبناء الفقراء دفاعاً عن مصالح الأثرياء. وعلى كل من يظنّ أنه يجد العدالة عند الأقوياء والأثرياء أن يراجع نفسه.

كان من الصعب جداً على أميركا وحلفائها أن يروا روسيا سيّدة الموقف في الأزمة السورية، وأن يبقى إسم الرئيس الروسي مُتداولاً بقوة في وسائل الإعلام العالمية وعلى ألسنة المُهتّمين والأكاديميين والباحثين، وكعادة الذين ينظرون إلى أنفسهم أنهم السادة، كان لا بدّ من عرقلة وتعطيل الحلول التي من شأنها أن تُعيد الاستقرار إلى سوريا. لقد عملت دول عربية عدّة وتركيا وإسرائيل وفرنسا وبريطانيا أدواراً متنوّعة من أجل الحيلولة دون التوصّل إلى حل سياسي في سوريا يوفّر على الشعب السوري المزيد من القتل والدمار والتشريد. لو كانت الحلول حلولهم لاندفعوا بقوة نحو تحقيقها، لكنهم ليسوا على استعداد لقبول إنجازات لا تُعزى لهم. قامت إسرائيل بضرب مواقع سورية، وأعطت دفعات معنوية للمنظمات المُتطرّفة لاكتساب بعض المساحات الجغرافية على حساب الجيش السوري، وعملت دول عربية من خلال منصّة الرياض على إفشال الطروحات السياسية، واعتماد سياسة المُماطلة والتسويف. والآن هو دور أميركا في تأكيد نفسها وجرّ دول أخرى إلى مواجهات عسكرية قد تتّسع على حساب شعوب المنطقة علماً أنها سبق أن قصفت الجيش السوري في دير الزور.

واضح أن العدوان الأميركي على مطار الشعيرات يقصد روسيا بصورة مباشرة وكرامتها وموقعها العالمي. الصواريخ الأميركية انطلقت من دون أن تواجه أيّ رد، حتى أن الصواريخ الروسية المُضادّة للصواريخ لم تنطلق، وربما أميركا كانت تتمنّى أن تنطلق. وإيران أيضاً هي المقصودة عساها تقوم بخطوات تؤدّي إلى مزيد من التوتّر والتأزيم. وآخر ما يمكن أن يفكّر المرء فيه هو غيرة أميركا على مَن ماتوا في الهجوم الكيميائي. أميركا قتلت مئات آلاف العراقيين، وقتلت ملايين الفييتناميين، وهي مُستعدّة دائماً لقتل الأبرياء. وهي استخدمت قنابل أكثر خطراً من الأسلحة الكيميائية، وهي قنابل إشعاعية وذات تفجير مُرعِب. استخدمت قنابل من هذا القبيل في مطار بغداد وضدّ الجيش العراقي عموماً، وهي التي تزوّد الصهاينة بقنابل عنقودية مُدمّرة، الخ. أميركا ليست أم الحنان والوئام والمحبة والسلام، وإنما هي وليّة الحروب والدمار والفساد والإفساد والإرهاب. هي تمتلك الكثير من المال، ويدور حولها الكثير من المنافقين والدجّالين والنصّابين بخاصة من منطقتنا العربية الإسلامية.

الهجوم الأميركي على الشعيرات لن يغيّر من مسرح العمليات الحربية على الجغرافيا السورية، لكنه يضيف بعداً جديداً للصراع سيدفع ثمنه الشعب السوري. وهو يدعو محور المقاومة إلى الإسراع في وضع استراتيجيات العمل المشترك والدفاع المُتبادل، وإلى تأكيد هيبته. أميركا وإسرائيل لا تتنازلان عن تأكيد هيبتهما على الساحتين الدولية والاقليمية، والمفروض أن يؤكّد محور المقاومة نفسه باستمرار ليشكّل ردعاً لأعدائه وقوة معنوية لأصدقائه. وإذا كان هناك من محور المقاومة من يظنّ أن أصحاب نظرية الحق المُطلق مَن يحترم منطقاً أو قانوناً دولياً أو أعرافاً فإن عليه أن يعيد حساباته.

توالت ردود الفعل على العدوان الأميركي من مختلف أرجاء العالم، والغالبية الساحقة منها كان مجرّد بيانات استنكار وتنديد. روسيا فقط هي التي قامت بخطوة عملية وأوقفت التنسيق المُسبَق مع أميركا عبر الخط الساخن الذي كان يُقصد منه تلافي أيّ صِدام جوّي بين سلاحي الجو. لكن ردّ الفعل الأقوى يتمثّل بتسليح الجيش السوري بما يلزم لإسقاط الصواريخ والطائرات المُعادية. الصواريخ موجودة في سوريا، لكنها ليست تحت إمرة الجيش السوري، والمفروض أن تتحلّى روسيا بالشجاعة الكافية لوضع دفاعات جوية فعّالة بيد الجيش السوري، وقد تناقلت وسائل الإعلام عَزم روسيا على القيام بهذه الخطوة، ونحن بالانتظار.

 وإذا كان للمُهتمين أن يحشروا الإدارة الأميركية فإن عليهم جرها دائماً إلى مواقف خاسرة. الإدارة الأميركية قوية أمام شعوب الأرض، وضعيفة أمام شعبها، وليس من الذكاء عدم استغلال هذه النقطة. يزخر بيان تحالف روسيا وإيران والقوات الرديفة يحمل روح التحدي، وهو بيان جريء ويتوعّد بالردّ على أيّ عدوان قادم، ويرفض هيمنة أميركا على القرار الدولي. لكن العبرة تبقى في الخطوات العملية التي سيتّخذها التحالف في مواجهة الوقاحة الأميركية. هناك وسائل وأساليب متعدّدة من الممكن أن يستخدمها التحالف للنيل من الولايات المتحدة مثل تعزيز التحالفات الدولية من خلال ضمّ الصين مثلاً وضمّ بعض دول أميركا اللاتينية، والغمز إلى كوريا الشمالية، وتشكيل محور اقتصادي قوي يتعامل بعملة غير الدولار، وإقامة حظر على مُنتجات أميركية، وتسريب معلومات تقنية لبعض الدول وعلى رأسها إيران لتطوير قدراتها العسكرية ذاتياً. من المهم لروسيا أن تدعم حلفاءها لكي لا يكونوا عالة عليها. وعلى الرغم من انهماك الجيش السوري في حرب ضدّ الإرهاب إلا أنه من الضروري العمل على تطويره ليصبح جيشاً حديثا سريع الحركة وكثيف النيران.

أما ردود الفعل العربية فكانت بحجم العرب. هناك من استنكر وندّد على استحياء، وهناك من أثنى وبارك. وقد عبّر أحد ضيوف قناة الميادين في لقاء حواري عن الموقف الخليجي عندما شكر أميركا وشكر ترامب بالذات على العدوان وطالب بالمزيد من الاعتداءات. ردّ الفعل الخليجي كان حاقداً بشدّة، ولم يراعِ أهل الخليج أن المُعتدي أجنبي والمُعتدى عليه عربي. لم تتوفّر قدرة على التمييز بين الأحقاد المُتبادلة بين الأنظمة والغيرة على سيادة العرب على أرضهم ضدّ الانتهاكات العدوانية.

عن الميادين نت


البديل نت
http://albadeel.info

رابط المقال
http://albadeel.info/articles-12284.html


تمت طباعة المقال بتاريخ 2017-10-24 09:10:08