البديل نت | الحوار.. والنقاش العام


الحوار.. والنقاش العام

في زيارة لي إلى قرطبة، قبل سنوات، وبعد مغادرتي مسجدها، الذي تحول إلى «كاتدرائية« في القرن الثالث عشر الميلادي، وقفت على بوابة من بوابات قرطبة، هذه المدينة المدهشة، التي كانت الأولى في العالم، التي قضت على الأمية، يوم أن كانت لندن مجموعة من الأكواخ على نهر التايمز، وكان ملوك إنجلترا والشمال الاسكندنافي، يبعثون ببناتهم إلى مراكز العلم والصناعة والموسيقى «والإتيكيت» في قرطبة وغرناطة وأشبيلية، وكان رجل الشارع في قرطبة يعرف القراءة والكتابة، ويتردد على المكتبات العامرة بالكتب والمخطوطات، في الوقت الذي كان فيه كثير من ملوك أوروبا أميين.

مررت بشارع قريب، ووقفت أمام تمثال للفيلسوف اليهودي موسى بن ميمون، ابن هذه الحضارة العربية الإسلامية المنفتحة على الحضارات الإنسانية.. وفي شارع مجاور لإحدى بوابات قرطبة، وقفت مطولاً ومتأملاً أمام تمثال لابن رشد، الفقيه والفيلسوف، صاحب الفلسفة الرشدية التي ظلت مهيمنة على الفكر الأوروبي حتى القرن السادس عشر، وعلَّم أوروبا كيف تقرأ أرسطو وأسعفها في بناء هويتها الفلسفية، وكان رمزاً للمعرفة، والحوار والانفتاح، والتعايش مع الآخر، وعلامة فارقة في الفلسفة والعقلانية، وضعت أوروبا في القرون التالية على طريق التنوير والحداثة.

عبرت القنطرة الحجرية، الموصلة إلى ضفة النهر الأخرى، وجلست في ظل شجرة برتقال أو سفرجل، أتطلع إلى أسوار قرطبة، وكأني أرى كما يرى النائم، قصر الخليفة، وعناقيد العنب المتدلية من أعراشها في الطرقات، وحوانيت الورّاقين، وباعة الحرير الدمشقي، وطلبة علم يتجهون صوب المسجد، الذي لم أصلّ فيه، وشعرت بأني أمسك مجموعة من «المسابح» العاجية، وأدخل في غابة ياسمين، أسأل عن أحفاد الموريسكيين، وعن لوحة سجَّلت لحظات الوداع الأخير، وعن لحظات سوداوية أخرى، عاشها صاحب التمثال، ابن رشد، قبل نفيه إلى قرية لا يسكنها سوى يهود.

عدت ثانية، إلى موقع تمثال ابن رشد، وجلست على مقعد حجري، أتأمل في التمثال، وأستحضر ما جرى لصاحب التمثال، حينما كفَّره «فقهاء» الظلام في زمنه (ويبدو أنه لكل زمان مُكفرِّون ظلاميون) وأحرقوا كتبه، وقضوا عليه بالنفي، حتى توفي في مراكش في نهاية القرن الثاني عشر، ونقلت رفاته، في وقت لاحق إلى مسقط رأسه في قرطبة.

سمَّوه في أوروبا «أفيروس Averroes»، لعلهم يريدون تحويله إلى شخصية فلسفية بلا ملامح ثقافية، وتجريده من شخصيته التاريخية العربية الإسلامية.
سألت مرافقي، وأنا أحاوره، عن تاريخ بناء هذا التمثال، فعلمت منه قصة طريفة، مفادها، أن مفكراً مصرياً (عبدالرحمن بدوي) كان يزور قرطبة في أواسط الستينات من القرن الماضي، كتب إلى رئيس بلدية قرطبة، معرباً عن دهشته لعدم وجود تمثال لابن رشد في قرطبة، في حين أن هناك تمثالاً لموسى بن ميمون، وهو أحد تلاميذ ابن رشد، وقد استجاب رئيس البلدية لهذا الطلب، وتم بناء التمثال في العام التالي.

***

حاور ابن رشد، وناقش مختلف الأديان والأعراق والملل والنحل، وكتب في الطب والفلك والفقه والفلسفة، وأعلى من شأن الحوار والعقل والمصلحة العامة والأخلاق.

جميل ومقدر، احتفاؤنا بابن رشد في معارض الكتب، واستحضار سيرته ومؤلفاته وتأثيره في عقول العلماء والفلاسفة والساسة لعدة قرون، لكن الأهم من ذلك تلك القيم والمنهج الذي ينبغي علينا، كمثقفين، تمثله - وبخاصة ثقافة الحوار والنقاش، بدون عنف ولا تعصب ولا غلو.
نحتاج بشكل ملح، إلى إدخال الفلسفة في مناهجنا المدرسية، والتي من خلالها يتعلم جيل المستقبل منهجية التفكر والمحاججة والسؤال والعقلانية، والانفتاح على فكر الآخر، وبخاصة أننا نعيش في عصر معولم، تتدفق فيه الأفكار والسلع والخدمات، وتتواصل الثقافات، مما يتطلب وعياً وملكة للإبداع والتفكير النقدي، لمعرفة الغث من السمين، والنافع من الضار.
ونحتاج أيضاً إلى تعزيز ثقافة الحوار، وإرساء مفهوم النقاش العام في المجتمع، وبخاصة حول القضايا الأساسية التي تحفر عميقاً في الحاضر، ونسافر معها إلى المستقبل.
الحوار، ضرورة من ضروروات الحياة الثقافية والاجتماعية، وضرورة فرضتها طبيعة البشر، حاور الله سبحانه وتعالى إبليس، وحاور الأنبياء والرسل أقوامهم، وبقي نوح عليه السلام في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، يحاورهم.
ولا تُنتج المعرفة، إلا بالحوار والتفاعل، ولا تتوالد الأفكار وتغتني المفاهيم إلا بالحوار والنقاش العام.
النقاش العام في المجتمع، هو إعمال للعقل، وللنهج الموضوعي، واحترام للرأي العام، وارتقاء بوعي الناس، وبخاصة أننا أمام فضاءات معولمة، وشبكة علاقات بين فاعلين كثر.
إن القضايا المركزية في حياة الناس، ينبغي أن تنال نصيبها من نقاشات المفكرين والكتاب، تحت سقف الفكر التحليلي النقدي، والمهنية الجادة، والمنطلقة من تصورات وطنية ثابتة، بعيداً عن الانفعال والشخصنة والتهليل، وضرورة التمسك بالمنهجية العلمية في الحوار والنقاش العام، والالتزام بالموضوعية، وأخلاقيات الحوار.

***

من خلال الحوار والنقاش العام في المجتمع، تُصحح الأفكار، وتطرح خيارات متنوعة، وتتم المراجعات النافعة، ونؤسس لثقافة السؤال، ولبنية ذهنية معرفية، تصل إلى مفاتيح المعرفة، ونجدد الوعي بما حولنا، ونكتشف أخطاءنا، ونمارس النقد الذاتي لتصحيح المسارات.

حينما يغيب الحوار، تغيب أيضاً فضيلة الإنصات، فضلاً عن غياب قيمة الوعي بصورة (الأنا) لدى الآخر.
إن النصوص التي نكتبها في الصحافة اليومية والدوريات، والأحاديث والآراء التي نطلقها من خلال الفضائيات، وأدوات التواصل الاجتماعي، هي بمثابة وعي بالذات (الأنا)، لكن هذا الوعي، لا يكتمل إلا من خلال إدراك المرء لصورته لدى الآخر،وهي صورة تحكمها مشاعر ورغبات ومصالح ورؤى وتجارب وتدريب وثقافة تحترم الاختلاف، وتنبذ الإقصاء واحتكار الحقيقة. وتبرئة الذات، كما لو أنها معصومة.
النقاش العام، يثري ثقافة المجتمع، وتبادل الرؤى النقدية بين أصحاب الفكر والخبرة، يُغذي الحياة، بأمصال واقية من الجفاف والجمود، ويعلي السقف الإنساني، ويعظم القواسم المشتركة بين البشر.
آن الأوان، لإدخال ثقافة الحوار والنقاش في مناهجنا التعليمية وفي علاقاتنا البينية في وسطنا الثقافي.


البديل نت
http://albadeel.info

رابط المقال
http://albadeel.info/articles-12079.html


تمت طباعة المقال بتاريخ 2018-07-22 11:07:05