البديل نت | في دوما


في دوما

بعد حدوث تلك الضربة بقليل، كنت أجاهد للوصول إلى باب الإسعاف.ومن بين تلك الجموع وقف أمامي رجلان منعاني من الدخول، والحجة أن الجموع في الداخل لاتحتمل أن يدخل سوى الأطباء...حتى يقاطعهم أحدهم ليخبرهم أن يسمحوا لي بالدخول بقوله: إنها طبيبة ..

كنت أقف واجمة أمام ذاك المشهد، هالة لاتوصف من الرعب والدمار حولي اختلطت فيها أجساد المصابين والمحتشدين بركام الحرب الذي خلقته أيدي العبث.مشهد تعجز البشر عن وصفه أمام جلل المصاب.هممت بالدخول بخطى ثقيلة جدا .متسارعة حينا متباطئة أحيانا. خوفا من أن أرى مالا أستطيع تحمله في الداخل . فضربات القلب تعلو وتتصاعد . وخاصة أني كنت قد غادرت منذ الفجر منزلي كي أشرف على عملية ولادة مستعجلة لمريضة كنت أتابع حالاتها سابقا ، ولا أدري ماذا حل بأبي وأمي  وأخي الين تركتهم في المنزل ، ولم أستطع العودة إليهم فالركام غطى المكان،وأكثر ما كان يقلقني أن أبي رجل كبير لاتعينه قدماه على المشي سريعا أو الجري . وأمي امرأة قد أكلت السنون الطوال من عمرها الكثير. وأخي الذي مازلت أراه صغيرا في نظري لم يبلغ من المسؤولية ما جهدت أن أحمله عنه طوال عمري من أجل أن يتفرغ لدراسته الجامعية. فاختصاص الهندسة كان حلما يبتغيه وفرحتي بتحقيقه كادت أن تتحقق بعد أن ينهي العام القادم سنته الأخيرة

 بصراحة كنت جاهدة أبحث عن عائلتي لولا  أن شدهت لهول المنظر الذي استدعى وجودي هناك. كم تمنيت لو أنني لم أدخل. فقد وجدت نفسي أعوم في بحر من الدماء , عاصف الأجواء، يسبح فيه كم من الشهداء . دمار وموتى.كما لو أن نيرون عاد من موته وأحرق مدينه بكاملها بأهلها وشعبها. إلا أن الفرق هنا أن الشعب برئ من تهمة نسبت له. ماكان ذنبه إلا أنه قد طلب بعضا من الحياة.

فأحال المدينة إلى محيط مدمى وجعل اللون الأحمر فيه عنوانا لمجزرة يعيشها من بقي حيا ليدفن أولئك الذين سيودعونهم في صمت دولي رهيب .

المكان مغطى بأجساد المصابين والجرحى والجثث المترامية ،وأنا أمر من خلالهم أنظر إلى هول تلك الإصابات، أي مجرم ذاك الذي فعل ذلك بهم؟

وكل جريح يستصرخ  بألمه مناجيا طبيبه أن يمنحه مايحتاج من علاج ويخفف عنه بعض الذي أذاقته إياه ويلات الحرب.

كما لو أنه رحمة مهداة أرسله إله الكون لإنقاذه من موت يحيط به .

أنظر لأصدقائي بالداخل . لم أتعرف للجميع , ربما لطخات دماء الجرحى قد غيرت وجوههم. أم أن صفة الوجوم الذي ارتداهم أمام ما يجري قد غير ملامحهم؟ وكل منهم ينظر للآخر بعينيه .وآخر ينظر لي وهو ينتظر يد المساعدة لأخفف عنه بعض الثقل الذي لا يطيقه عقل ولا منطق. وجميعنا يعلم هول المصيبة . وجميعنا على يقين بأننا أصغر بكثير مما نعيشه. فأهل الغوطة اليوم في بلاء كبير.ونيرون لم يترك مجالا للرحمة.

وأعداد الجرحى على الأرض  تفوق من كانوا مرصوفين على الأسرة. .أتأمل من حولي وقد شرعت بالمساعده .( جرح . خياطة. تحويل للعمليات. عناية مشددة..)تشتت لاحدود له. الجميع هنا بحاجة ماسة للعلاج لا حالة تعلو الأخرى في أهميتها. وأصوات الأنين والعويل والصراخ. علت أصوات القصف في الخارج والموت يحيط المكان . وحالة الذعر. قد تخطت حدود الفزع والوجوم.

أمسك بيد أحد المرضى وأشده للأعلى فقد ابتلع نصيبا من دماءه في حالة من الاختناق وقلبي يكاد يهوي من الألم . كنت أظن أن دراسة الطب ستجعلني أكثر شجاعة وجرأة على تحمل الصعاب. لكن أن تجد نفسك وسط النار وتظن بأنك لن تحترق.فهذا هراء لايحتمله عقل. أقوم بمساعدة الشاب وأنا أراه يشير بإصبعه إلى شماله . قاصدا أن أرى أمه أولا ..أواه ياطفلي: أي هم نحن فيه . أتساءل وأنا أنظر لأمه وأتفحص مابها. هل ياترى هذا الطفل كان يجد فيي الملاذ لخلاصها من ألم لن يزول الا بانتهاء أنفاسها .؟ أم أنه أبى ورفض أن أعالجه لأنه يعلم في نفسه أنها ستفارق وأراد فراق هذي الحياة بصحبتها,فقد كانت امرأة طاعنه في السن  تقطعت أحشاؤها اثر سقوط أحد الجدران على مايبدو. لم أستطع فعل شي . فقد سبق السيف العذل وملك الموت هنا قد سبق يد الجراح. والطفل ياللأسف ينظر لي  كما لوكان يمنحني رسالة مفادها أنت هدية أرسلها الله لنجاته وأمه.

للأسف فقدت الأم روحها والطفل يحتاج الكثير للشفاء إن كتب له ذلك.

يستمر العمل لساعات وجميعنا ينظر للاخر نظرة يأس ونحن ندرك أننا وصلنا لمرحلة من العجز أمام هول المصاب. فتتجمد الدماء في العروق وتصفر الوجوه وتبلغ القلوب الحناجر....معلنة كارثة لانفاذ منها إلا بمعجزة

وفجأة !!!يباغتنا صوت من بعيد ينادي . أفرغوا الاسعاف .فقد ضرب الطيران قذيفة رابعة وسابعه وعاشرة.....ياللهول!!!

تنفذ الأدوات الجراحية . وأكياس السيروم والدم وأدوات التعقيم.

وأنت ...تنظر بعيني الجرحى  فاقدا الأمل ميت الروح. لكنهم لم يفقدوه فيك .. ويبدأ مسلسل قدوم الجرحى  والمصابين بالتوافد .. وكأن المصيبة قد بدأت لتوها..

أصوات العويل والبكاء وصراخ المنقذين والمسعفين عادت للعلو والإرتفاع

جثث الشهداء تسطر من جديد . لم تهدأ ثورة نيرون بعد....

 أسمع أنينا طرق قلبي .. وداعب حنايا روحي بألم ..ألتفت خلفي أنظر إليه

يااا الله ....ذاك أخي. ممدد  خلفي على جانب الجدار.. وقلبي من فرط الألم يكاد يفارق ضلوعي..

صدمة اجتاحتني وقد خارت قواي ..كيف لي أن اتحمل ذلك..كيف لي أن أصل إليه وأنا مسؤولة عن شخص آخر... يستلمه أحد الأطباء.وأنا عاجزة عن الذهاب إليه خشية أن يقفد مريضي حياته بسببي..أي إنسانية قد أحملها إن استطعت فعل ذلك

 لم يكن لي سوى أن أمنحه  بعض الدعاء وأستمر بالعمل والتركيز فيمن أنا مسؤولة عنهم.

لكن قلبي معلق هناك. بين يدي صديقي. لا أكذب أنني كنت أثق بقدرته وخبرته. لكن قلقي وخوفي كان أكبر بكثير من حجم تلك الثقة, فالجنون الذي نواجهه لايحتمله عقل .

فجأة يطرق بعض الأمل باب المشفى . يدخل أطباء متطوعون جاؤوا من الأحياء الأخرى لمد يد العون مدعمين بما يلزم من عدة وعتاد من أمور الطب

فريق كامل منحنا شحنة من القوة أخرى. طبيب عصبية . قلبيه. جراحة .والأهم طبيب أطفال بينهم ... ومسعفين آخرين لايقلون أهمية عمن ذكروا

وفرق الهلال الأحمر اولئك الشباب ذوي الهمة التي لايعلوها قوة ولا يكترثون لخطر..مهما  كان.. لها الفضل في المساعده إضافه إلى فريق الدفاع المدني.

نكثف العمل بجهد إضافي و خطى متسارعة الأنفاس يعلوها قلق النتائج.تمر الساعات بطيئة . وينتهي النهار لتفرغ أرض الإسعاف من الجرحى دون أن تفرغ الأسرة من المصابين

وتشعر للحظة  بأن الوضع قد استقر. لكن هناك تبدأ كارثة أخرى .

فتلك الأوراق التي تنسق ماهي إلا توثيق لمئات الأسماء ممن ارتقوا بالشهادة

وحالات الجرحى والإصابات قد فاقت العدد بأضعاف.

وبعد أيام سنشهد ربما حالات مفاجئة لم يسقها القدر اليوم إليك...تلك التي تسمى بالأزمات والشدة النفسية. التي يشهدها المرضى جراء مشاهد الموت والدمار

لكل خطأ ضريبة.. وضريبة الحرب هي ضياع الأجيال. ووقوعها في متاهات لاخلاص منها . أولها المرض وأوسطها التشوه وآخرها الجنون .. ونهايتها الموت

أستجمع ملامحي التائهة وأنهض أبحث بين الأسرة عن أخي الذي تركته بين يدي صديقي قبل ساعات. لم أجد شيئا لكني وجدت صديقي ملق برأسه على الكرسي محاولا الخروج عن الواقع وسرقة بعض من الوقت لغفوة تنسيه ما رآه .وقد وضع رأسه بين يديه ..كما طفل يخاف النظر حوله ..أجلس وأسأله وقد اعتلت الدموع وجنتي والغصة سكنت حلقي ما الذي حل بأخي.؟

يرفع رأسه قليلا .

يرميني صديقي بنظرة أسف . لأسقط أمامه مرة أخرى على الأرض وصوت أنين ضلوعي يخترق المكان ... وعيناي لفرط مصيبتي لم تسعفني بالبكاء...

ياللأسى .. حتى الحزن خانني .. لقد توقفت عن البكاء في الموقف الذي وجب به أن أصرخ أمام العالم أجمعه وأبكي  بحرقة تستوجب محبة ذاك الأخ الذي لم أستطع الوصول إليه ولملمة جراحه .. ولا حتى  حظيت بشرف عناقه الأخير ومنحه نظره وداع مني... لم أستطع ... أشعر بالضياع يلفني .. والآه في الصدر لايسعها المكان

ولاتطيق الحنجرة مرارة ذاك الطعم...طعم الموت حين يعانق الشخص الأقرب لجوارحك. أخي الذي لم يكمل الأربع والعشرين ربيعا. ذاك الطفل الذي لم أستطع أن أراه شابا يوما . ذاك الطفل الذي ما ولدته ..أجمع كفي ببعضهما حسرة الفقدان. وأنهار بدعوات الرجا لخالقي أن يعيده لي..فبعض المصائب لعظمها علينا لانحتمل تصديقها...

تلتحفني صديقتي بضمة يديها  من خلفي باكية بهدوء.. تواسيني  قائلة:

ذاك مصابنا في جميع من فقدناهم اليوم ..كلهم أهلنا جيراننا إخوتنا .أمهاتنا وآباؤنا, تبكي وتهدئ من ثورتي ..ولا أظن أحدا قبلي  قد واسى ثورتها في فقدان والدها اليوم في قصف الطيران على الغوطة .. لم تمتلك وقتا سوى لرميه بنظره الوداع والتحاقها بالعمل دون أن تمنحه وجودها بحقها في حضور جنازة مهيبة بحقه كأب.

كيف لنا أن نتحول لصخور تقف بصلابة في ذلك المشهد؟

أجلس بقواي المتلاشية على الأرض. وتجلس صديقتي بجانبي . أحاول لملمة بعض جراحي. .لأنني كنت أعرف تماما .. أن أمامنا عمل لم ينتهي بعد. فهؤلاء الجرحى .إن أمضو ساعات في الإسعاف والعمليات والعناية .. فإن إقامتهم في المشفى ستدوم أياما عديدة.وربما أسابيع وأكثر....

وربما سيستمر مسلسل الفقدان للبعض لاقدر الله ....

 


البديل نت
http://albadeel.info

رابط المقال
http://albadeel.info/articles-11733.html


تمت طباعة المقال بتاريخ 2018-04-25 10:04:26