البديل نت | الظاهرة الروحية الاغرب في تاريخ البشرية


الظاهرة الروحية الاغرب في تاريخ البشرية

 

خلال 120 عاماً وبالتحديد بين عامي 600 – 480 قبل الميلاد ظهر خمسة من اعظم الموجهين الروحيين الذين عرفتهم البشرية وتركوا تأثيراً عظيماً فيها، واستمر تأثيرهم في الانسانية حتى يومنا هذا، إما مباشرة او بطريق غير مباشر اكثر من تأثير أي كائن بشري حي.

ويعتقد المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي ان هؤلاء العظماء الخمسة كانوا جميعاً موجودين خلال بعض سنوات القرن السادس قبل الميلاد ولكنهم لم يكونوا على اتصال ببعضهم البعض بأي طريقة من الطرق، بل ان أياً منهم لم يكن يعرف بوجود أي واحد من الأربعة الاخرين، ولا كان باستطاعته ان يتصل به عبر المسافة الجغرافية الطويلة التي كانت تفصلهم عن بعض، وخاصة اولئك الذين كانت تعاليمهم تحتوي مبادىء متشابهة.

وقد اطلق كارل جاسبرز على الفترة التي وجدوا فيها اسم "العصر المحوري" أي العصرالأهم في تاريخ البشرية. وأن ظهور هؤلاء الخمسة كان في حقيقة الأمر منعطفاً هاماً في الانسانية، من حيث انهم استمروا في التأثير على البشرية الى يوم الناس هذا، ومن حيث انهم سيستمرون في التأثير على احفادنا بالمثل التي قدموها، وهي نظرة تنطلق من رؤية علمانية ترى ان التوحيد الذي جاء به اثنان منهما أثر في الديانات التوحيدية بطريقة غير مباشرة.

من هم الخمسة؟

أحدهم كان زرادشت الذي رأى أن العالم هو أرض المعركة بين الخير والشر، وأن الخير سينتصر في نهاية المطاف، وأن واجب الانسان ان يكون مقاتلاً فعالاً الى جانب الاله الصالح ضد الخصم الشرير، وهذه تكاد تكون نفس الفكرة التي جاءت بها الديانات السماوية المعروفة حول الاله والشيطان. وقد عاش زرادشت في المنطقة الحدودية بين البدو الرعاة والاوراسيين وجيرانهم المستقرين، وفي هذه الحروب التاريخية كان زرادشت خصماً عنيفاً للبدو.

الثاني كان أشعياء "المتأخر" تمييزاً له عن النبي اليهودي أشعياء "الأول"، الذي سبقه بخمسة قرون. وقد كان أشعياء المتأخر أول موحد يهودي يعتقد أن "يهوه" كان الاله الشرعي الوحيد المستحق للعبادة بالنسبة لليهود وأنه الاله الوحيد، وأن الالهه الأخرى لا وجود لها. وبدل كتابات أشيعاء المتأخر أنه كان أقدم الموحدين "المعروفين" على الاطلاق منذ المحاولة التوحيدية الفاشلة التي قام بها الفرون "أخناتون" قبله بثمانية قرون.

وقد قال أشعياء بالتوحيد كما قاله زرادشت الذي وجد في زمنه ولكن لم يكن هناك اتصال بينهما، ولا معرفة لأي منهما بتعاليم الآخر. وقد دون زرادشت وأشعياء المتأخر رسائلهما كتابة، وقد كانت الرسائل حسب معتقدهما رسائل من الله أرسلت الى البشر على النبي، على اساس انه رسول الله. وتُسمى رسائل زرادشت بترانيم "زرواستر – غاتا" بينما اضيفت رسائل اشعياء المتأخر الى كتابات أشعياء الأول.

وتشبه أفكار "زرادشت" أو زرواستر الروحية القوية عن الخلود ويوم القيامة وفعل الله بواسطة الروح القدس، ما جاءت به الديانات الثلاث بعده في اليهودية والمسيحية والاسلام.

ثالث الحكماء الخمسة كان بدهارتا غوتاما المعروف باسم بوذا الذي ولد في كابيلا فاستو، وهي مدينة - دولة صغيره تقع في حدود مملكة نيبال المعروفة الآن، وكان مجال نشاطه ولاية بيهار الحالية.

تخلى بوذا عن الحياة السياسية والاجتماعية، فتنازل عن وراثة عرش ابيه، وانفصل عن زوجته وابنه، كي يتفرغ للبحث عن السبيل المؤدي الى الانعتاق من آلام الحياة. وقد انتهج بوذا اسلوباً هدفه القضاء على النزعة الفردية والطمع الموجودان قطرياً في كل انسان، فهو بعد وصوله الى النور عرف ان هاتين النزعتين هما سبب آلام الانسان وان التخلص منهما هو ما يوصل الانسان الى النور "النرفانا"، ومن ثم التخلص من الولادة المتكررة "التناسخ" في سلسلة الوجود المتكرر.

اما رابع الحكماء فهو العالم الرياضي اليوناني المعروف فيثاغورس الذي يشترك في عقيدته مع بوذا من جهه الايمان بالتناسخ، وهو ايمان يرى صاحبه ان الموت ليس نهاية الحياة، بل انه يتبعه عادة ولادة ثانية. وان هذه السلسلة من الوفاة والولادة المتكررة ستستمر الى ما لانهاية مالم يتم اتخاذ إجراء صارم لكسر هذا التكرار المؤلم والمحزن، وكان كسر هذا الطوق الهدف المشترك الذي سعى اليه كل من هذين الحكيمين.

وطبقاً لمجريات الامور في العصر الهليني كان لابد لاي جماعة فلسفية من السيطرة على احدى الدول لتجنب الوقوع ضحية للمعارضة القوية التي تستثيرها الفلسفة لدى الجماعات المختلفة وقد سعى الفيثاغوريون لمثل هذه السيطرة ولكنهم فشلوا ما ادى الى محدودية انتشار فلسفتهم في عصر فيثاغورس.

ولكن الاعتقاد الخاص بالولادة الثانية كأمر مختلف عن الاعتقاد بالتكرر بدأ في العصر الهليني من تعاليم فيثاغورس وتلاميذه ثم انتشر انتشاراً واسعا فيما بعد.

ولكن فكرة التناسخ تعاني من صعوبة خطيرة، بالنظر الى أن البشر يتكاثرون بنسبه تفوق الوفيات، فمن اين تأتي ارواح كافية للتناسخ في كل ولادة جديدة بينهم، الا إذا كان التناسخ عاماً تشارك فيه الكائنات الادنى من الانسان، وهو ما كان يعتقد لدى الثائلية بالتناسخ ولكن في اتجاه واحد، أي من الانسان الى الحيوان بل والحشرات. وهذا بدوره يخلق الشعور بضرورة وجود طبقة متميزة بين البشر ارواحها انسانية، على مافي ذلك من مشاكل حسابية كبيرة.

الحكيم الخامس كان الصيني كونفوشيوس الذي كان مصلحاً أخلاقياً، اتجهت نيته نحو إحياء  مؤسسات الآباء الثمينة التي عانت من خطر الاهمال ولكن العلاج الذي قدمه كان تجديداً، إذ ركز على السلوك بدلاً عن المولد لتحديد ماهية الرجل الشريف، فأخذ كلمة "تشن تسو" التي تعني الرجل الشريف الاصل والمولد على أنها تعني فقط الرجل الشريف الذي يعيش في مستوى أخلاقي رفيع وهو ما منح المجتمع الصيني مثالية جديدة.

ان هؤلاء الحكماء الخمسة يعبرون عن مستوى جديد في علاقة الكائن الانساني الفرد مع الحقيقة الروحية النهائية. فالأصل في هذه العلاقة لم تكن عبر التاريخ فردية بل  كانت جماعية وعلى مستوى مؤسسي. فالجماعات السابقة كانت ترى الحقيقة المطلقة باعتبارها قوى طبيعية تضع الانسان تحت رحمتها. ولكن بعد انجازات المدينة انتقل الانسان من تأليه الطبيعة غير البشرية الى تأليه القوة الجماعية لجموع البشر، حيث ادى تنظيم القوة البشرية في دول الى إمالة الميزان لمصلحة الانسان في صراعه مع الطبيعة. وهكذا ظهر الانسان أنه كان دوماً يعبد القوة التي تظهر أكثر عنفاً واشد بطشاً. ولكن ذلك كان ردة على المستوى الروحي. غير ان كل واحد من الحكماء الخمسة رفض كلا العبادتين – عبادة الطبيعة وعبادة الانسان، وتمرد على الحجج المعيقة والمعتمة في سعيه لرؤيا مباشرة للحقيقة الروحية، وتلك مسأله ظاهرة في الأنبياء.


البديل نت
http://albadeel.info

رابط المقال
http://albadeel.info/articles-11410.html


تمت طباعة المقال بتاريخ 2018-01-24 02:01:39