البديل نت | مسلسل صديق العمر: عدوان على عبدالناصر وخيار مصر الناصري


مسلسل صديق العمر: عدوان على عبدالناصر وخيار مصر الناصري

يختزل مسلسل 'صديق العمر' زمن عبدالناصر بالقشور من دون النظر إلى حجم الانجاز الذي حققته مصر في تلك المرحلة.

 الناصرية في مصر والعالم العربي شانها شان الديغولية في فرنسا والبوليفارية والجيفارية في اميركا اللاتينية والبيرونية في الارجنتين والغاندية في الهند. ولانها ارتقت الى هذه المرتبة فقد صنف الغربيون جمال عبدالناصر بين 20 شخصية عالمية صنعت القرن العشرين. ولعل هذا التصنيف من طرف اعدائه الحقيقيين في الغرب لا يروق لأعدائه المصريين والعرب الذين ما فتئوا يعرضون سيرته ويستأنفون عرضها من زاوية علاقته بالمشير عامر او ملاسنات القيادات المصرية والسورية اثناء الوحدة او كلفة الدور المصري في اليمن او هزيمة حزيران ـ يونيو 67 ناهيك عن سجناء الرأي وحالة الطوارئ.. الخ. ويتدنى اعداء الناصرية في مصر الى الديماغوجيا في الطعن بها وبالتالي الزعم انه لولا المشير عامر لانقلب ميزان القوى في حرب 67 ولانتصرت مصر في الحرب وانه لولا المشير عامر لامتنع الغرب واجهزته عن تجهيز ودعم الانفصال السوري عن الجمهورية العربية المتحدة وانه لولا انور السادات لما انتهى الدور المصري في اليمن الى ما انتهى اليه ولتغير موقف الغرب والسعودية والخليج عموما من الحرب اليمنية دفاعا عن الجمهورية. ويزعم الديماغوجيون ان ناصر كان مستبدا بدليل اعلامه الموسوم باحمد سعيد وانتهاك حقوق الانسان طيلة عهده.

تجتمع هذه العناصر في مسلسل صديق العمر الذي تبثه قناة "اون تي في" المصرية الخاصة اقله في الحلقات التي عرضت حتى الان وتلك التي لم تعرض بعد والتي اتوقع ان تنطوي على المنهج عينه اذا ما اعتمدنا القاعدة المنطقية التي تقول ان المقدمات تفصح دائما عن نتائج من الطبيعة نفسها. لا تكتفي القناة بالبث وانما تستدعي ضيوفا يناقشون المسلسل وتطرح عليهم اسئلة من نوع: هل كنا بحاجة الى للذهاب الى اليمن وهل استفاد جيشنا من الحرب فيها؟ الم تؤثر على دورنا في حرب 67؟

والمدهش في عرض هذا المسلسل يتجاوز العرض الى القناة العارضة "اون تي في" التي يغالي البعض في الحديث عنها بوصفها الناطق المضمر باسم الرئيس عبدالفتاح السيسي الذي قدم نفسه في القناة وفي غيرها بوصفه ناصريا وانه يتمنى لو يتمكن من الوصول الى مرتبة الزعيم المصري الراحل. وهذا يعني ان السيسي بنى شرعيته على الناصرية بوصفها وجهة وطنية وقومية صالحة لبناء مستقبل مصري وعربي عظيم في حين تعتبر القناة التي دعمت ترشيحه ان الناصرية فاشلة بحسب مسلسل "صديق العمر" وبالتالي غير صالحة كمشروع حيوي لحياة مصرية وعربية افضل.

لكن ماذا لو عدنا الى الحجج نفسها لاختبار صلاحيتها في ظروفها وليس في ظروف راهنة؟

اغلب الظن ان التخلص من المشير عامر لم يكن ليغير الشيء الكثير في مسار الناصرية وفي المحطات الصعبة التي اجتازتها ذلك ان البناء الناصري نفسه كان حديث العهد: لنتذكر ان هزيمة 56 وقعت بعد 4 سنوات من الاطاحة بالملك فاروق وبعد سنتين فقط من تولي عبدالناصر زمام الحكم مباشرة في مصر. اذن ما كان بوسع ناصر ان يجترح المعجزات في مواجهة فرنسا وبريطانيا واسرائيل وفي الوحدة المصرية ـ السورية كان قد مضى على الناصرية 4 سنوات في حكم مصر وفي 67 لم يكن عبدالناصر قد تجاوز 13 عاما في الحكم كان عليه خلالها ان يصنع ثورة ويبني جيشا قويا واقتصادا منيعا ويساعد اليمنيين في تثبيت اركان جمهوريتهم شمالا والتحرر من الاستعمار البريطاني جنوبا لان مصلحة مصر تقتضي بناء نظام يمني متحالف معها بسبب تحكمها بباب المندب لضمان المصالح المصرية في قناة السويس ويبني السد العالي ويحرر القناة ويطرد البريطانيين من بلاده مرتين ويساعد ثورة الجزائر والثورات المناهضة للاستعمار في افريقيا ويخوض حربا اهلية في لبنان ويحرر الفلاح المصري من العبودية ويبني منظمة التحرير الفلسطينية ويضع الجامعة العربية على المسرح الدولي ويعد جيشه لمحاربة اسرائيل واسترجاع فلسطين... الخ.

باختصار كان جمال عبدالناصر يحتل قلب الشرق الاوسط بوسائل متواضعة عرف كيف يوظفها في انهاض امة كان قد مضى على سباتها 400 سنة تحت جبة السلطنة العثمانية. في هذه السيرورة ارى ان تضخيم دور عامر او السادات او تقزيمه يتدنى في النظر الى الناصرية بوصفها نظام حكم وليس ثورة حقيقية تفوق الوصف.

لا ليست الناصرية نظام حكم اختلف طرفان منه ففشل وذهبت ريحه بدليل حيويتها الدائمة بعد مضي اكثر من اربعة عقود على رحيل مؤسسها. وليست الناصرية حركة مستبدة سجنت مخالفيها في الرأي فعصرها هو عصر الماكارثية في الولايات المتحدة التي شهدت محاكم تفتيش تعاقب وتقاضي كل تفكير مختلف في "اكبر دولة ديمقراطية في العالم" بحسب الاوصاف الغربية. والناصرية ليست تيارا يعتمد الاعلام الغوبلزي. ففي عصر احمد سعيد كان وزير الاعلام الفرنسي يتصل بمعدي نشرة الاخبار في التلفزيون الفرنسي ويقول انشروا هذا الخبر ولا تنشروا ذاك وخصصوا هذا الوقت لهذا الضيف وامنعوا التلفزيون عن ذاك.

اما هزيمة 67 فهي ليست الاولى والاخيرة في تاريخ الامم وليست اصعبها فقد اسر في الحروب قادة دول وعشرات الالوف من الجنود فضلا عن ان بعض الهزائم قد اطاحت دولا قائمة ناهيك عن ان مصر انتصرت في اكتوبر ـ تشرين الاول عام 73 بالجيش الذي بناه عبدالناصر وبالعقيدة الناصرية.

خلاصة القول ان الناصرية في مصر وفي العالم العربي كانت تنتصر دائما على خصومها واعدائها في كل مرة كان هؤلاء ينزلون بها الى منازلهم الضئيلة والمنافقة والديماغوجية لانها تستمد قوتها من موقعها التاريخي ومن قوتها الاخلاقية التي ارادها السيسي سندا شرعيا والتي اخفق "صديق العمر" في النفاذ الى ما تحت قشرتها.

 

 

ميدل ايست أونلاين


البديل نت
http://albadeel.info

رابط المقال
http://albadeel.info/articles-10980.html


تمت طباعة المقال بتاريخ 2018-01-20 04:01:13