البديل نت | أرصفة الضياع


أرصفة الضياع

أيش دخلك؟ بصوته الطفولي وبنبرة حادة غاضبة رد على اعتراضي حين سألته ليش تخزن وتدخن عادك صغير؟؟!!ّ! استفزني منظره وأنا اتأمل وجنته الصغيرة الممتلئة بوريقات القات، من هيئته وملابسه  يبدو عليه أنه من أسرةٍ ميسورة الحال كان يرتدي جاكتاً جلدياً فاخراً وبنطلوناً وحذاءً من نفس اللون يمشي وهو يداعب الاغصان الندية  التي بين يديه ويتفنن في تقطيفها وبرغم عدم معرفتي بأنواع القات  جيده من رديئه الا أنه يبدو  من نوعٍ ممتاز وغالي الثمن  كذلك علبة السجائر الغير مألوفة بالنسبة لي  يبدو  أنها من النوع  الفاخر، بالتأكيد أن سؤالي  كان مستفزاً بالنسبة  له وكنت شخصاً متطفلاً من وجهة نظره ، استفزني منظره وهو يحشو أوراق القات  في فمه الصغيرلا أدري لما ردة فعلي تلك ، اجتاحني نحوه  شعورٌ غاضب  بأنه مسئول مني بل منا جميعاً ، كانت براءته مزهوةً به وهو يرمي بعقب السجار الفاخر، تابع سيره متجهاً الى الحرم الجامعي يتبعني بنظرات استهجان تترجم استيائه وغضبه  ..

بضع سنوات مرت منذ آخر زيارة لي الى الجامعة ، فقرر شوقي اليها ومللي من الروتين اليومي أن اقوم   بجولة فيها  عصر ذلك اليوم، كنت أسير متأملةً  بعض التفاصيل التي لفت انتباهي أنها لازالت كما ودعتها منذ سنوات ، انهارت عروش وسقطت حكومات وأزهرت ثورات ثم ذبلت ،وفاجأَنا  ربيع العرب  بزيارة  خاطفة ثم رحل عنا غاضباً  ذابلاً، كل تلك الاعاصير  التي بدلت وحولت  الكثير من مظهر وجوهر العديد من سياسات   وادبيات الحياة ولا زالت  الجامعة كما تركتها الا من  بعض الاصلاحات التي لا تكاد تُلاحظ ، المكتبة العتيقة مظهرا وجوهراً الا من فتاةٍ تقوم بتفتيش حقائبنا - لدواعٍ أمنية كما أخبرتني - الأعمدة الحديدية المهترئة  التي توحي بصدأ الايام المتآكلة الذي  اصبح كظلٍ ملازمٍ ،أغصان الشجيرات الذابلة الغير متناسقة ، أكوام القمامة التي اصادفها في كل زاوية ،ابواب و شبابيك انتهى عمرها ولازالت مصرة على  مقاومة عوامل الفناء من أجل البقاء، حتى ذرات الغبار المتشبثة بالجدران أخالها هي نفس ذرات  الغبار التي كانت ، كان الفتى المخزن  يمشي محاذياً لي ويرمقني بنظراتٍ قلقة ثم أسرع الخطى  متجهاً الى ركنٍ قصيٍ حيث ينتظره صديقه عبد الرحمن الذي يصغره  بعامٍ  واحد ،كان ينتظره عند  شجرةٍ متساقطة الاوراق مودعةً  أيام الربيعٍ المزهر مستقبلةً خريفاً قبل اوانه  متشحاً بالذبول  كطفولتهم التي بدأت بالأفول قبل أن تشرق، اعتاد مازن ذو الاثنى عشر ربيعاً أن يلتقي  صديقه ثلاثة  أيامٍ في الاسبوع  سُمح له فيها بالخروج مع السائق كي يلعب الكرة مع اصدقائه ثم  يعود ويأخذه قبل أن يأزف رحيل النهار بضوئه وصخبه ، كانت الأيام  التي يلتقي فيها الصديقان هي متنفس الروح  وصفاء الذهن ورونق الحياة الذي لم يلامس بعد قلوبهم الغضة   ، ضاقت عليهما الارض بما رحبت  الا  من ذلك الركن البعيد عن المارة ،لم يعد لديهم متسع من المكان أو الزمان ليشعرا بممارسة  الطفولة لحقها غير ذلك الركن النائي عن مرارة الحياة التي يعيشها كل منهما حسب ما فرض عليه من واقعٍ مر ،مرارة الفقر والحرمان والحاجة ومرارة الاهمال والنسيان ، تحولت الساعات القليلة التي يعيشان  فيها في حضرة الوريقات الخضراء الى زمن  جميل وممتع في حياتهم  اضحت وريقات القات  نديمهم وجالبة الحظ السعيد ووهم السعادة الزائف الذي وجدوه في كيفهم معها ولم يجدوه وسط أسرهم التي  افتقدوا فيها معني الوئام والمحبة   وعثروا عليه مع بعضهم حين أحتضنتهم أرصفة الشتات واحتوتهم دهاليز الضياع ، مازن والده رجل أعمال عوده على حياة البذخ منذ ولادته  مصروفه اليومي يكفي لإطعام ثلاث أسر، والده استشعر مسئولية  أن يعطيه المال الكثير  حتى مل مازن من المال  ويجلب  له كل مايرضى طفولته حتى سئم الطفولة ،ويسافر به الى أجمل بلدان الارض حتى عاف السفر ،  وفي خضم هذا الثراء الفاحش نسي أن يعلمه ماذا يعني المال وكيف يُستخدم  ونسي أن يوفر له حياة يكتنفها الامان وتحتويها مشاعر الأبوين الدافئة ،انشغل عن اعطائه جرع حنان الابوة بمشاريعه وصفقاته  التي اعطاها جل وقته واهتمامه  ولم يقتطع منهما جزءاً لفلذة كبده، كما كان الاب منشغلاً بالشطر الاول من زينة الحياة الدنيا عن الشطر الثاني  كانت الأم مسحورة ببريق الرفاهية  والبذخ وجلسات الصديقات المهدرة  للوقت التي لا تنتهي مواسمها، اخذها زخم ثورة المال والجاه  وانساها  أمومتها وواجباتها  ، أنساها  أن تعتني بتلك الأغصان اليافعة وتتعهدها بالحب والرعاية والتقويم تركت كل تلك المسؤوليات للخدم حتى أُزهقت تلك البراءة دون ذنب .

عبد الرحمن الطفل الاوسط لأسرةٍ مكونة من ثمانية افراد  والده موظف في إحدى الوزارات راتبه الذي يتقاضاه لايفي بتوفير   مقومات الحياة الضرورية ، دائم التذمر من التمييز الذي يعانيه في عمله ومن الفساد الذي ينخر مفاصل وزارته وكان سبباً في عدم ترقيته واعطائه الفرصة لتحسين وضعه ، كان دائم الانزعاج من زوجته التي لا تمل الشكوى ، سوء الأوضاع  المعيشية أجج المشكلات بينه وبين  أم عبدالرحمن حتى تحول المنزل الى  جوٍ مشحون  بأعاصير الخلافات التي لا تنقشع والتي افسدت ما قنعوا به من كفاف العيش والحياة المتواضعة ، وبرغم  محدودية الدخل كان والد عبد الرحمن يتعاطى القات بشكلٍ يومي تقريباً مبتدْئاً بطقوس البهجة مروراً بحالة النشوة الكاذبة  والاحلام والمشاريع العملاقة التي يبنيها في الهواء انتهاءً  بطقوس الهم والشكوى والكآبة ...

وقفتُ بعيداً عن مجلس مقيلهم في الهواء الطلق المختلط بجفاف وغبار الخريف والايام، كلاهما يعاني وكلاهما يحلم  ،عبد الرحمن كثير الهروب من واقعه المر كثير احلام اليقظة التي  ترسله الى برزخ  السكينة لتحمله اطياف نورانية وترحل به بعيدا عن وحشة  قبره الذي دُفن فيه وهو لايزال نابض القلب  وفجأة تعيده تلك الاطياف الى مشاهدة مراسم  التراجيديا الدائمة بين والديه لينصت بحزن  حين صرخت والدته في وجه ابيه: قائلةً: إنك لا تشعر بالمسئولية ولا تتحملها ولست رجلاً كبقية الرجال الذين يوفرون كل ما يلزم لأسرهم، ما يتوفر  لديك من  مال يضيع في سوق القات وتستمر الزوجة بالشكوى ويزيد التوتر بين والديّ عبد الرحمن وهو يتابع الجزء الاخير من المشهد وعيونه تذرف  دموعا حرى  لتغسل قلبه الصغير الذي جفت عاطفته  من أجاج ايامه المرة ،   يتفاجأ  بوالده ينهال ضرباً على والدته و  اخوته فيخرج من البيت مسرعاً باحثاً عن طوق نجاة، كم تمنى ألا يعود للبيت لكن لا سبيل لما يتمناه ،اصبحت سعادة مازن وعبد الرحمن محصورة في الساعات القليلة التي يقضيانها مع القات والدخان وساعدهما على استجلاب تلك السعادة وسهولة توفير ذلك المناخ الدافئ  المال الذي يتوفر لدى مازن  الذي كان هو الممول لتلك الطقوس المكلفة ، كنت لازلت ارقبهما من بعيد متظاهرة  بالتحدث عبر الهاتف ، لم يعد مازن يتابعني بنظراته فقد انسته نشوة القات  كل من حوله في محيط الجامعة وخارجها  ، لكني لم انسى رغبتي بالتحدث اليهما، اقتربت بهدوء حتى لا اربكهما ثم استأذنت بالجلوس ودون انتظار الإذن جلست مقابل عبد الرحمن  لكن مازن نهرني قائلاً لو سمحت  لانريدك أن تجلسي معنا رفع صوته مشيراً لي بالانصراف  وتجنبا لاحتداد الموقف انصرفت بهدوء دون تعليق، ذهبت بعيداً متخذةً  لي مكاناً للجلوس دون ان ألفت انتباههما لوجودي، لا أدري ما الذي يدفعني للبقاء بعد أن قوبلت برفض مشاركتي الجلوس والحديث ،مرت عدة دقائق انتابني فيها شعور احباط وألم جسد بداخلي ذلك الواقع المر الذي يعيشه الف مازن والف عبد الرحمن بل ربما مئات الآلاف ، ذهبت بعيداّ عن تلك الاحاسيس المتعبة  لأريح ذهني المثقل بما شاهدته يومي هذا  بمكالمة لإحدى الصديقات ثم أعادني صراخٌ قوي انتبهت واذا به عبد الرحمن ..

 ودعت صديقتي معتذرة لها عن قطع المكالمة المفاجئ  واسرعت الخطى متجهة ناحية الشجرة التي يستظلون ببقايا اوراقها الراحلة كان هناك من يمسك بيد عبد الرحمن بقوة ويحاول سحبه   كان يرتدي زياً عسكرياً معلقاً على كتفه سلاحاً يبدو  اطول منه كان العسكري يبدو  كطفل يقوم بتمثيل دور العسكر كان المشهد مضحكاً لدرجة الثمالة مبكيأً لدرجة انفطار القلب، في لوحةٍ قاتمة تحاول الطفولة جاهدة إنتهاك  الطفولة اقتربت متسائلة :لماذا تريد أخذه ؟ رد مزمجراً كعادة أغلب العسكر ليس لك علاقة يا الهي ما هذا اليوم القاتم  للمرة الثانية خلال اقل من ساعتين اسمع  عبارة  ليس لك علاقة !!! حاولت تهدئة الموقف كي لا استثير حفيظة الطفل العسكري اقتربت هادئة  وسألته مرة اخرى ماذا فعل هذا الولد؟ رد غاضباً لقد قام بسرقة هاتف صاحب البقالة في حارتهم الكائنة في  حي الجامعة ، خلال  هذه اللحظات كان السائق قد عاد لأخذ مازن الذي رفض في البداية أن يترك صديقه لكن السائق اجبره  على السير واخبره انه لاعلاقة له بالموضوع و أخذه  من يده الى السيارة التي انطلقت بهما مسرعة كانت نظرات عبدالرحمن تحاول اللحاق بصديقه دون جدوى اختفت السيارة وظلت تلك النظرات التائهة  متعلقة بغبار الامل الذي خلفته سرعة السيارة  لعله يعيد اليه صديقه لم يبقى امام عبدالرحمن غيري ليلجأ اليه فقد الأمل بمساعدة مازن  التفت الي والارتباك والخوف  يملأ تعابير  قسماته   نظر الي   مرسلاً بريق عينيه  الذي  يحمل كل معاني الانكسار والضعف والخوف   ،تسمرتُ في مكاني وأنا انظر الى تلك العيون التائهة الخائفة التي تملؤها دموع الحزن والضياع  استقر  بصره ناحيتي  دون حراك تحدثت عيناه طويلاً اخبرتني كل شيء عن حياته  التي اجتاحها الحرمان، عن الحزن   والقسوة التي امتلأت  بهما ايامه عن الامل  الذي وئد في المهد ، عن الحرمان  مما تتطلبه  حياة  كريمة ، دون أن أسأل كانت الدموع المنهمرة هي الرد  على كل   تساؤلاتي انكسار الطفولة البريئة هي ثمن الواقع المرالذي يتجرعه الكثير من امثال عبدالرحمن، كانت تلك  النظرات تصرخ دون صوت او صدى قالت  لي نعم أنا الطفولة التي استبيحت  واهدرت وملأها  الظلم والقسوة  والاهمال انا البراءة التي ذبحت بسكين الفقر والحرمان  وأُريق  دمها الطاهر لترتوي منه امنياتي واحلامي التي دفنت قبل أن تولد ...

 

 

 

 

 

 


البديل نت
http://albadeel.info

رابط المقال
http://albadeel.info/articles-10957.html


تمت طباعة المقال بتاريخ 2018-01-17 04:01:40