البديل نت | كاتارزيس .. قراءة في قصيدة \" أفلتُ من يقظتي كي تمر الكآبة \" للشاعر إبراهيم الفلاحي


كاتارزيس .. قراءة في قصيدة \" أفلتُ من يقظتي كي تمر الكآبة \" للشاعر إبراهيم الفلاحي

أولاً / النص

"أفلتُ من يقظتي كي تمر الكآبة " – إبراهيم الفلاحي

( أن تظلي نافذةً للألم

أن تنامي خارج المنزل

أن تتركي الضياع يمرر شهوته من خلالك

حتى يحط الفراغ مواخيره ويمارس تخديره

أن تكوني حمالة الوضع

أن تتركي الصباح وتنشغلي بتمشيط باروكة البارحة

أن تنامي فارغة من حنين لما سوف يحدث

لو كنتِ كيفية الوقت، عرابة المستحيل ، وفاجأتني بالحدوث

على شكل أغنية أو قمر

ولو كنتِ سيئة لانتظرتك حد البلوغ، لكنني فارق الاشتعال، وعينيك آلةُ تحديد حزني وحلمي مذ تولى الضجيج المدينة، هل أترك البحر للبحر؟ هل أختفي عندما يبدأ الفجر ؟ هل أتوارى عن الخطأ المستمر، وهل أكتفي بالإشارة للحلم أم أبدأ الاحتفال الموارب ؟!

لدى شارعٍ يركض الليل من بين قمصانه مثل رائحة ما على شاربٍ خلفتها الإطارات، الإطار فضيع بلا امرأة تترنح من بعضها المتأخر في متنه وأنا هامشي المدار، كذلك كي أتنفس صحوي عليّ التنبؤ بالارتطام المقابل للبهو، ولكي أتعاطاك حتى الثمالة عليّ التحلل من خيفتي في الحدوث، لا أن أقاوم هذا التطفل سراً، وأحدثُ بعض التشوه والاحتلال على لوحتي الانشطارية اللون، حاولت تشكيل رائحتي كي أثبتها في الجدار، وأفلت من يقظتي كي تمر الكآبة، ثم أقوم بتزيين هذا الخطأ.

كيف لي أن أشكل طيفي، وأبعث طائرة من جديد على لوحةٍ من ضجيج المخاوف والقار دونت عجزي، وأصبحت أشبهني بالخطأ .

كيف ضيعت في ضجة الناقلات الممر المؤدي إلى الرقص، من تعبي لم أعد صالحاً للبكاء أو النص لكنني صالحٌ للملل، وحده يتسلل عارٍ يدخن سيجارة إثر أخرى ويخلع أعقابه عاتباً.

27/5/0011 )

 

ثانياً / القراءة

يقول أحد الحكماء : (( الواقع أن الطبيعة البشرية غير طيبة )) ، وأكد هذا القول الأديب والمفكر ( برونتيير ) حيث قال : ( إن الطبيعة البشرية طبيعة لا أخلاقية ) .‏

إذا اتفقنا على أن الطبيعة البشرية طبيعة لا أخلاقية غير سوية ويكون ذلك نتيجة طبيعية لما يملكه الإنسان من غرائز تحرضه وتدفعه دوماً إلى اللا أخلاقيات فإن الفنون جميعا من شأنها تطهير هذه الطبيعة المتوحشة واللا أخلاقية بطريقة الفن..

كيف ..!؟

لنصغي إلى كلام الشاعر ونبدأه بعنوان قصيدته " أفلت من يقظتي كي تمر الكآبة " يقول : " ( أن تظلي نافذةً للألم / أن تنامي خارج المنزل/ أن تتركي الضياع يمرر شهوته من خلالك / حتى يحط الفراغ مواخيره ويمارس تخديره /أن تكوني حمالة الوضع / أن تتركي الصباح وتنشغلي بتمشيط باروكة البارحة / أن تنامي فارغة من حنين لما سوف يحدث / لو كنتِ كيفية الوقت، عرابة المستحيل ، وفاجأتني بالحدوث / على شكل أغنية أو قمر/ ولو كنتِ سيئة لانتظرتك حد البلوغ، لكنني فارق الاشتعال، وعينيك آلةُ تحديد حزني وحلمي مذ تولى الضجيج المدينة، هل أترك البحر للبحر؟ هل أختفي عندما يبدأ الفجر ؟ هل أتوارى عن الخطأ المستمر، وهل أكتفي بالإشارة للحلم أم أبدأ الاحتفال الموارب ؟!"

يؤكد الأطباء النفسـيون ( إن الغرائز العدوانية والغرائز الجنسية تطالب بحقها ، لأنها لا تستطيع أن تمنح نفسها الحياة في الحقيقة الواقعة ، لذا فهي قد تحصل في مجال الفن على ترضية بريئة ومثالية ، وبهذا يصبح الفن بمثابة الاشتقاق أو صمام الأمان بالنسبة للإنسان .) هكذا يطالعنا عنوان قصيدة إبراهيم ‏"أفلتُ من يقظتي كي تمر الكآبة" ثم تستفتح فقراتها الأولى بأداة أن التي تتكرر ست مرات ثم " لو"مرتين يصف الشاعر فيها الذي لايخشاه ولنقل فنياً حتى يصبح الأمر معقولاً ومقبولاً.. ؟!

لقد سمى ذلك الفيلسوف اليوناني أرسطو " كاتارزيس " أي التطهير لكنه لم يسهب في الحديث عنه أو في تفاصيله ولكنه عبر عنه في كتاب الشعر بالتطهر الفني الذي يحصل عندما يقرأ الإنسان أو يشاهد أو يصغي إلى ما يخافه ويخشاه ليتطهر منه على الواقع، وبالعودة إلى قصيدة إبراهيم سنجد أن الشاعر يتطهر من مخاوفه الحقيقية على الواقع بطريقة مقبولة فنياً، وجميعها صور ومشاهد غير مقبولة البتة واقعياً، لكن الشاعر يعالجها فنياً ويتطهر ويُطهر المتلقي أيضا منها فنياً ..

نستنتج من ذلك أنه كلما كان العمل الفني مطابقا لحقيقة الطبيعة البشرية تأكدتْ طبيعته‏، اللاأخلاقية .

يقول الشاعر تأكيداً لذلك : "لدى شارعٍ يركض الليل من بين قمصانه مثل رائحة ما على شاربٍ خلفتها الإطارات، الإطار فضيع بلا امرأة تترنح من بعضها المتأخر في متنه وأنا هامشي المدار، كذلك كي أتنفس صحوي عليّ التنبؤ بالارتطام المقابل للبهو، ولكي أتعاطاك حتى الثمالة عليّ التحلل من خيفتي في الحدوث، لا أن أقاوم هذا التطفل سراً، وأحدثُ بعض التشوه والاحتلال على لوحتي الانشطارية اللون، حاولت تشكيل رائحتي كي أثبتها في الجدار، وأفلت من يقظتي كي تمر الكآبة، ثم أقوم بتزيين هذا الخطأ.

كيف لي أن أشكل طيفي، وأبعث طائرة من جديد على لوحةٍ من ضجيج المخاوف والقار دونت عجزي، وأصبحت أشبهني بالخطأ .

كيف ضيعت في ضجة الناقلات الممر المؤدي إلى الرقص، من تعبي لم أعد صالحاً للبكاء أو النص لكنني صالحٌ للملل، وحده يتسلل عارٍ يدخن سيجارة إثر أخرى ويخلع أعقابه عاتباً. "

إذا كانت طبيعتنا البشرية طبيعة لا أخلاقية أساساً، وكل ماقدم لنا عبارة عن نصائح سيئة ولاسبيل لمقاومة هذه اللا أخلاقيات، فماذا نفعل؟ ، وهل يمكن أن يكون لهذه اللا أخلاقيات سبباً خارج عن إرادتنا أو إنها قد تكون كشفا إلهياً كان قد فرض علينا، أو أنه مجموعة تمثيلات جماعية كان قد تشرّب بها مجتمعنا الإنساني، وكيف تستطيع هذه اللا أخلاقيات أن تصدر لنا كل هذه الأوامر فنطيعها ، وكيف توقظ هذه الأوامر في نفوسنا هذا الصدى وكيف تمارس علينا كل هذه الجاذبية وهذه الضغوط ..!!؟ ، نعم، إن الإنسان في كثير من الأحيان يكون حيواناً أو وحشاً قاسيا ، لكنه رغم كل هذا وذاك ، فهو مخلوق غير فاسد كلياً فيه بذرة خير والشر لديه مثلما الخير نسبيٌ لا مطلق، ولا يخلو من بعض الخصائل الحميدة مثلما لايخلو من الشر .‏

فإذا كانت غرائزه تدفعه وتستميله للشرور، كالتسلط واشباع شهواته وغيرها، فإن له قدرة أيضا بالمقابل على فعل الخير ، بفضل الحكمة وكرم الخلق والحب الذي يتطهر به من كل الشرور، وهو قادر كذلك على إخراج الثمار الطيبة والعظيمة من بطولة وقدسية وشهامة وإباء .‏

كل ذلك العطاء الخير ينتجه الحب وتعكسه الأعمال الفنية ولذلك يجب أن يكون العمل الفني عظيما بما يحتويه من قيم إنسانية وكونية تضمن له الخلود وأيضا تكون واضحة ومضيئة .‏

القصيدة دعوة صادقة للإفلات من قبضة الخوف والتطهر مما نخشاه على أرض الواقع، دون أن نمسه أو نمارسه حقيقةً، ولكن فنياً فقط ، إن فاكهة الخطيئة التي نأكلها فنياً نكون بهذا قد مارسنا الضغوط على أنفسنا من عدم تناولها على الواقع وهذه هي الكاتارزيس التي كانت مهمة الشاعر تحقيقها في قصيدته فهو يتجرأ على الخطأ ويتجرأ على الإنغماس في الخطأ ويمارس الإنشطار ويجيز كل اللا أخلاقيات فنياً ليتطهر منها واقعياً ويُطهر المتلقي ثم أليس هذا ذاته ما طالعنا به عنوان القصيدة..!؟ .


البديل نت
http://albadeel.info

رابط المقال
http://albadeel.info/articles-10950.html


تمت طباعة المقال بتاريخ 2018-09-26 12:09:08