البديل نت | فتاة المحوى


فتاة المحوى

عاشت لحظات اعتراف جريئة لم تكن تتوقعها ، تجاوزت تلك اللحظات حدود  الزمان والمكان لتصل الى كل عوالم  الكون المترامي وتعود بصرختها عبر ازمنة سحيقة لتعبرها الى زمن ازلي  كأنه أصدر حكمه عليها وعلى عالمها الصغير  ومضى دون السماح لها باستئناف الحكم أو رفع تظلم او شكوى   ، ترنحت كلماتها المتعبة لكنها تحولت فجأة  الى عاصفة تريد ان  تقتلع واقعاً مرا يرفض بقوة ان يغادرها ، صرخت بصوت كالهزيم ودموعٍ منهمرة كوابلٍ بعد رعدٍ قاصف ،صرخت بقوة كل الاصوات التي ادخرت  صداها لمثل هذه  اللحظة ،  مارست طقوس ثورتها  دون أي تحفظ.

صرخت اكرهك يا أبي اكرهك يا أمي  واكره هذا المجتمع الذي قهرني  واذل انسانيتي  اكرهكما  فأنتما سبباً في تعاستي وحيرتي وعزلتي انتما من  تركني  لعالمٍ كبير يرفضني بقوة يتوجس حين مروري يشمئز حين اقترب ثم يزيد ابتعاداً ،استمرت في صراخٍ مدوٍ حتى غابت عن الوعي ،انتفضت من نومها  القلق كعصفورٍ تائه تطارده جوارح كاسرة  في طريق هروبه  من وطنه القاحل  الذي  ترامت اطرافه في منعطفات  خريف ذابل ، انتفضت محملة بفزع الايام التي لازالت في ريعانها وهول الكوابيس التي شاخت من كثرة ترددها وحومها  حول فراشها كل ليلة، منذ اكتشفت  عالمها اصبحت تدرك  انها بالنسبة لهذا المجتمع  احدى مخلوقات عالم الصفيح المنبوذ الذي لا يتجرأ احداً على الاقتراب منه  باستثناء سكانه ، إنه عالم الأساطير والخرافات التي تروى، والتي لم ترها في صحوها لكنها كانت تزورها في اسفارها الليلية ، طباخة الجثث  واكلها  وغيرها من الخرافات التي نُسجت ليكون ذلك العالم أكثر قبحا ووحشية، إنها لاتريد أن تتذكر ذلك الزائر المفزع الذي يأتيها في كوابيسها  بل تريد أن تكون هي المقيمة في عالمٍ تتمناه لكنها لم   تجده بعد.

إنها  في الرابعة والعشرين تأخرت بعض السنوات في  دراستها  لكنها كانت أكثر اجتهاداً  ومثابرة لتعويض ما فاتها ،تمكنت بجهدٍ وصعوبة من أن تكون متميزة في دراستها حتى  استكمال المرحلة  الثانوية والالتحاق بالجامعة رغم معارضة والديها اللذان اقتنعا بفخرٍ بشهادتها الثانوية وصمما على أن تبدأ بمرافقة والدتها للعمل في الخدمة في البيوت ، لكن عنادها  ورفضها اجبرا والدها -على الموافقة على مضض - ان تكمل دراستها- كانت  مصرة على ان تثور ضد عالم الصفيح الصدء الذي انتقل صداه الى حواف قلبها لكنها كانت تطهره من ذلك الصدأ المتراكم بتجسيد صورة حية في مخيلتها عن مستقبلٍ  ترنو اليه بعيونٍ تملؤها دموع الانتظار، فقد يتعاطف معها ويمر في لحظات  حياة من هنا ويسمح لها أن تمتطي صهوته لينطلق بها الى حيث  تريد  ..

هي الاخت الكبرى لسبعة من الاولاد والبنات يعيشون مع والديهم في غرفتين من صفيح متهالك  وهي المتمردة الوحيدة من بينهم  -عكس المألوف من الاخ الأكبر- متمردة على  واقعها  ومعارضة لمهنة  والدها كعامل نظافة وما تمتهنه والدتها من خدمة في البيوت ،متمردة على ذرات  الغبار الذي يتمرغ فيه أشقاؤها  الصغار  وهم يفترشون الارض للعب.

كان المجهول يتراءى امام ناظريها  كحلمٍ جميل  ولد من رحم العزلة والقهر والذل ،تحلم وقد اكملت دراستها واصبحت ذات عمل محترم وسكن جيد لاتسمع خلال جدرانه  هزيز الرياح حين تمر،   تحلم أن ترى اشقاءها  بهيئةٍ غير التي اعتادتها ،كانت دوما ترسم صورهم بلون آخر لاعلاقة له بالسواد الذي اظلم حياتهم ، كانت تمقت اللون الاسود  الذي حوله المجتمع الى  وصمة  ضاع بسببه حق أسرتها و حقها في الحياة الكريمة  كقريناتها اللاتي لا يفصلها عنهن غير جدارٍ من صفيح ،  حتى عباءتها  التقليدية  اختارت لها لوناً غير السواد.

بعد أن أكملت  دراستها الثانوية  متجرعةً التلميحات والتصريحات من  بعض الزميلات وبعض  المعلمات أنها من الأخدام  حاولت  اقناع والدها بالرحيل عن هذا العالم الذي يبعد عنها عشرات  السنين الضوئية ،انه عالمها الذي لا أمان لها فيه اكثر من ان تفترش ارضه وتلتحف سماءه ، تناقش  والدها  قائلة : (أبي نشتي نخرج من هذا المكان نشتي بيت انظف وحارة انظف وجيران انظف  وتدور لك  عمل انظف )  رد والدها مستهجناً  وغاضبا ً:(معاد يعجبك شي  في حياتنا تكبرت بعد الثانوية  ايش ناقصك ؟ هذي حياتنا واللي مش عاجبه يروح يدور مكان ثاني )  يبدو  أن والدها لم ولن يدرك ما ينقصها ،  لم يدرك أن الكرامة والشعور بالإنسانية  شعوران ملازمان و اساسيان لتحيا كآدمية ، لم يدرك انها بحاجة أن تُعامل  كفرد من  افراد هذا المجتمع وليس كدخيل منبوذ ومحتقر ، حاولت مراراً اقناعه لكن دون جدوى ، اتجهت الى اقناعه أن تلتحق بالجامعة وبعد محاولات وافق والدها على أن تتدبر هي  احتياجاتها الجامعية،  بحثت لها عن معين  على تكاليف الدراسة فلم تجد غير والدتها بإمكانياتها المتواضعة جدا .

بدأت فصلها الدراسي الأول بحماسٍ وتحدٍ مضاعف عن السابق رغم صعوبة الواقع ،  بدأت متميزة بالمثابرة والاجتهاد لفتت أنظار زملائها ومدرسيها بحسن خلقها  وهدوئها المشوب بالحذر والعزلة كانت مغايرة لبيئتها التي  نشأت فيها حاولت أن تخلق اختلافات بينها وبين افراد اسرتها نتيجة  الشعور بالظلم الممارس من قبل المجتمع ضدهم لاشي غير السواد ولقناعتها  بأنهم  غير مرحب بهم وغير مرغوب بأن يكونوا جزءاً من هذا المجتمع  الذي ظلمها وظلم غيرها من أبناء جلدتها ، كانت بعيدة عن ذلك العالم الاسود في عينيها وعيون المجتمع الكبير المحيط  بعالمها الصغير الذي تحاول ان تنسلخ عنه ، بدت اشد حرصاً الا يكتشف أحداً في محيطها الجامعي  أنها فتاة من المحوى ساعدها على ذلك لون بشرتها الفاتح السمرة الذي أبعد عنهم الشك في هويتها الغريبة عنها ،كانت قليلة الاختلاط بزميلاتها كثيرة  التهرب عن مشاركتهن الجلوس والحديث، متحفظة في   تصرفاتها  وكلماتها القليلة حتى لا تشي بهويتها دون أن تشعر, مرت شهور الفصل الدراسي  الاول بسلام نسبي مشوب بحذر  ، لازمها  الحذر المرهق دون انفكاك ، وكلما نسيت واقتربت من الآخرين جاءها التحذير  عبر البزة التي يرتديها عامل النظافة  في الشارع  و عبر الغبار الذي يتمرغ فيه اخوتها وهم يلعبون ، وخلال  بقايا الطعام التي تحملها والدتها  حين عودتها من عملها  ، كانت تلك الكوابيس الليلية  ناقوس خطر ومنبه كي تكون على حذر دائم  لكي لا يكشف السر.

تحاول أن  تتناسى  ذلك العالم لكن هيهات ، كانت حريصة الا تلتقي  عيونها بعيون  الآخرين خوفاً من  أن تفضحها  ، ورغم حرصها وحذرها وتهربها من تلك المواجهة الا أن الحذر لم يُنجي من القدر،  خلال ساعاتها  الجامعية كانت ترمق  بعيني وقلب الانثى المتوجسة عيوناً صارمة تلاحقها في قاعة المحاضرات وحين تكون في عزلتها خارج او داخل القاعة ،و كانت  تصر على الهروب  من تلك العيون كي لاتبحث  وراء سرها الدفين ليكشف فتصاب بوصمة لا براء  منها  وجرمٍ لا يُغتفر ولا يُنسى -  شعرت أنها هدفاً لتلك العيون ذوات النظرات الجريئة ..

كانت كعادتها تجلس وحيدة في حوش كليتها تحت شجرتها المفضلة التي اطمأنت  الى صداقتها ووثقت بها دون سائر المخلوقات ، فجأة و في لحظات المناجاة بينها وبيت  صديقتها ، تسمع  صوتا حاداً يقول :هل تسمحين لي باقتحام سكونك ، التفتت الى مصدر الصوت وتفاجأت بتلك النظرات التي تلاحقها منذ شهور كان الواقف أمامها  أستاذها في الكلية..

بارتباك  وتردد ملحوظ ترد عليه: تفضل : بدون مقدمات  طويلة أو دبلوماسية عاطفية عبر لها عن اعجابه  بها ورغبته في التعرف عليها أكثر بغرض الارتباط أن لم يكن لديها مانع ثم التعرف على أسرتها.

 في تلك اللحظات  الغير متوقعة لاتريد ان تتجرأ - كفتاة محوى- وتستوعب ما قيل لها فهي تدرك جيدا من اي عالمٍ جاءت وتدرك أكثر من هي بالنسبة  لمجتمعٍ  يرفضها  ويرفض عالمها .

هزت كلماته  مسامعها كزلزال ٍمدوٍ دك كل بقاع الارض المأهولة بعوالم الصفيح  ، لم تدرك كم مر من الوقت وهو يحدثها  فقد رحلت بقلبها وعقلها الى العالم المجهول الذي انتظرته  ولم تكن تتوقع أن يباغتها في هكذا ظرف، لم تشعر بالزمان ولا المكان فقد أُختزل عمرها وعالمها  في تلك اللحظات ، لم يصدر عنها صوتاً ولا همسا ً لكن جاءها  صوتٌ عبر عصور الظلم والسواد و سمعت عالمها يقول لها اقتربي فترابك وبذورك وماؤك  هنا ،لم تصحو من هول المفاجأة  الا وهي بين يدي والديها .لاحظا الدموع في عينيها ومشاعر الخوف والقلق التي تبدو على ملامحها لكنهما  لم يعيرا ذلك ادنى اهتمام ، جلست لساعاتٍ طوال تتأمل وتمعن في تفكير مضطرب تتجاذبه لحظات بكاء وضحك وقلق وأمل حتى استسلمت لنومٍ  تتحكم به كوابيس مفزعة .

في اليوم التالي أثناء دخولها الى قاعة المحاضرات كان واقفا يتحدث مع احد الاساتذة ويسمع وهي تمر من امامهما طالبتان تقفان بالقرب منهما وتقول  احداهما للأخرى بخبث : يقولون انها خادمة بس مش باين

عليها ، هي وهو سمعا الكلمة المنبوذة ، واصلت السير دون  توقف أو التفات كانت نبضاتها تسابق الزمن الذي خذلها  ، لم تعد عيونها   ترى غير سواد الايام التي انقضت عن عمرها، توقف الزمن دون حراك مردداً صدى الكلمة ، انطلق السهم المسموم  اخترق نياط قلبها ونشر سمه الزعاف في كل خلية من جسدها، هل كان الحديث الخبيث تخميناً أم تأكيداً ؟هل آمن هو بما سمع أم لا ؟ هل لازال يريد التعرف على عائلتها  أم كفاه ما سمع  وهل و هل وهل ؟ تحولت  تلك التساؤلات الى حقائق ومسلمات  لاشك فيها ،كُشف السر الملعون  لم يعد لديها ما تخفيه اصبح عالمها أكثر بياضاً ووضوحاً لهم  بعد أن كان حالكاً، شعرت أنها  لم تعد تقوى على التخفي الذي اجبرها عليه مجتمع لا يرحم ، مجتمع لا يعترف بحق احترام انسانية الانسان ،  مجتمع يعاقب لا لشيء غير هوية السواد .صرخت أعماقها المكبوتة  أبي أمي إني اكرهكما واكره هذا المجتمع الذي خذلني وقهرني وأذل انسانيتي ...


البديل نت
http://albadeel.info

رابط المقال
http://albadeel.info/articles-10902.html


تمت طباعة المقال بتاريخ 2018-04-22 07:04:45