البديل نت | قضية اسمها فلسطين


قضية اسمها فلسطين

هل تذكرون قضية اسمها فلسطين؟ ألا نلاحظ أن الرطانة التي لازمتنا عقوداً وكانت برهاننا الوحيد على أننا نتحرك «بهمة» على صعيد حل هذه القضية قد اختفت من حياتنا اليومية؟ لم نعد نسمع عن أشياء مثل القرار 242 ومبادرتي فاس وبيروت والدولة الفلسطينية على الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية.

 

تعيش قضية فلسطين الآن في غربة عربية وإسلامية بل حتى بين أبنائها، فهم في غزة مشغولون بمشروع الخلافة الإسلامية، وفي الضفة فرحون بما آلَ إليهم من سلطة وبما يترتب على هذه السلطة من ألقاب ومزايا. في الأمس القريب كانت هناك مقاومة حقيقية في غزة تتطور إلى الأفضل، وكانت هناك انتفاضات شعبية تاريخية. لكن مر «الربيع العربي» على ما تبقى من أرض فلسطين، فلم يتغير شيء عليها مع أنها الأكثر احتياجاً لهذا الربيع.

 

ولهذا ليس غريباً أن تظهر إسرائيل أسوأ ما في كيانها من سلوك عنصري استعماري استيطاني، فيناقش الكنيست مؤخراً مشروعاً لبسط السيادة الإسرائيلية الكاملة على المسجد الأقصى على رغم أن معاهدة السلام الإسرائيلية الأردنية تنص على مسؤولية الأردن عنه، ويسن الكنيست أيضاً منذ أيام قانوناً عرقياً جديداً يحظى المواطنون الفلسطينيون المسيحيون بموجبه بتمثيل خاص بهم في اللجنة الاستشارية المكونة بموجب قانون «مساواة الفرص في العمل»، ولا يُخفي المبادر بالقانون بأن هدفه هو منح تمثيل منفصل للفلسطينيين المسيحيين يميزهم عن أقرانهم المسلمين، لأن المسيحيين ليسوا عرباً والمسلمين يريدون القضاء على الدولة من الداخل!

 

جاءت ردود الأفعال الفلسطينية والعربية كالعادة باهتة، ولم تتجاوز الرطانة المعتادة في تحميل إسرائيل المسؤولية بالكامل - مطالبة العالم كله (إلا أنفسنا) بوضع حد لهذه الممارسات- التهديد باللجوء للمؤسسات الدولية وكأننا ما ضيعنا ثلاثة أرباع القرن دون جدوى في استجداء هذه المؤسسات. وتميز رد فعل مجلس النواب الأردني بالتصويت بالأغلبية على مقترح لجنة فلسطين لطرد السفير الإسرائيلي من عمان، فيما تقدم حوالى ثلث أعضائه باقتراح لإلغاء معاهدة السلام مع إسرائيل، وإذا كنا لا نعرف تحديداً ما سيكون عليه موقف السلطة التنفيذية الأردنية، فلعل ما فعله مجلس النواب يمثل رسالة لإسرائيل بأن العرب ما زال فيهم نفَس يتردد.

 

لهذا كله لم يكن غريباً ألا تفضي المفاوضات «الافتراضية» الحالية بين الإسرائيليين والفلسطينيين التي دشنها وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في يوليو الماضي إلى أي شيء حتى الآن، مع أن البعض في حينه قد تفاءل ولو نسبياً على أساس أن ثمة احتمالاً في أن نكون إزاء تفكير أمريكي جديد وإرادة أمريكية مختلفة، وكنت قد كتبت سابقا بمجرد الإعلان عن استئناف المفاوضات أنها بلا مستقبل، فالمشكلة ليست أساساً في الولايات المتحدة، وإنما في إسرائيل التي تملك رؤية للتسوية لا تحيد عنها تكاد لا تعطي شيئاً للفلسطينيين. وحتى لو تصورنا جدلاً أن الإدارة الأمريكية قد واتتها الشجاعة كي تضغط على إسرائيل، فإننا لا نملك في هذا الصدد سوى مثال وحيد على نجاح هذا الضغط، وهو موقف الرئيس الأمريكي أيزنهاور في عام 1956 عندما مانعت إسرائيل في الانسحاب من جزيرة سيناء وغزة، إذ أصر على هذا الانسحاب ورضخت إسرائيل. وفيما عدا هذا لم يحدث أن إدارة أمريكية ضغطت على إسرائيل ونجحت في تحقيق أي نتيجة من هذا الضغط، فعندما صوت المندوب الأمريكي في الأمم المتحدة أندرويانج في عهد الرئيس الأمريكي كارتر بالموافقة على مشروع قرار في مجلس الأمن يدين السلوك الاستيطاني الإسرائيلي، اضطرت الإدارة الأمريكية لاحقاً إلى التخلص منه لما أرادت التعبير عن ندمها على ذلك الموقف. وعندما جرؤ الرئيس الأمريكي بوش الأب على اتخاذ قرار بتعليق قروض بعشرة مليارات دولار لإسرائيل احتجاجاً على سلوكها الاستيطاني، اضطر لاحقاً إلى التراجع.

 

وقد كان المفروض أن تفضي المفاوضات التي دشنها كيري في يوليو 2013 إلى نتيجة في نهاية أبريل 2014 إلى اتفاق، وكأن الإدارة الأمريكية الراهنة لا تدرك خبرة التاريخ القريب التي تفيد بتحطم الآماد الزمنية كافة التي حددت لوصول أي مفاوضات إسرائيلية- فلسطينية إلى حل نهائي. وقد حددت اتفاقية كامب ديفيد في 1978 خمس سنوات لمرحلة انتقالية، يتم بعدها التوصل لهذا الحل - أي في 1983- ولم يحدث، وكذلك فعلت اتفاقية أوسلو في 1993 ولم يحدث أيضاً، ثم كانت خريطة الطريق في 2003 في عهد بوش الابن ولم تفض إلى شيء، وكذلك حدد الرئيس نفسه 2008 - أي نهاية مدة ولايته- كي يتم التوصل إلى حل نهائي للصراع العربي- الإسرائيلي وفقاً لمقررات مؤتمر أنابوليس في خريف 2007، وسقط كما سقط من قبله في شرك الصراع المعقد. وبمجرد بدء مفاوضات كيري، اصطدمت بإصرار إسرائيل على سلوكها الاستعماري الاستيطاني الذي لم يكن ممكناً أن يقبله الفلسطينيون مهما كانت درجة اعتدالهم.

 

يقولون إن كيري قد عكف على إعداد اتفاق إطاري، وإن أوباما سيلحُّ على نتنياهو أن يقبله في لقائهما الذي يفترض أن يكون قد عقد بالأمس، وإذا ناقشنا الاحتمالات المختلفة لنتائج هذا الإلحاح، فإننا جميعاً لا نستبشر بخير، والسؤال الأول هنا: هل يتضمن هذا الاتفاق عنصراً ما يغري الفلسطينيين بقبوله؟ وإذا افترضنا جدلاً أن نتنياهو قد استجاب لإلحاح أوباما وقبل الاتفاق فهل يلتزم به لاحقاً هو أو خلفاؤه؟ وإذا التزم به فهل ينفذه بحسن نية أم أنه سيلجأ كما عودتنا إسرائيل إلى تفسيرات تعكس الرؤية الإسرائيلية للاتفاق مثلما حدث بالنسبة للقرار 242 الصادر عن مجلس الأمن في نوفمبر 1967 عندما أصرت إسرائيل بعد جلائها عن سيناء بعد 1979 على أنها نفذت ما يطلبه منها القرار بخصوص الانسحاب من الأراضي العربية التي احتلتها في حرب 1967.

 

لا يوجد حتى الآن ما يؤشر على نجاح المفاوضات الإسرائيلية- الفلسطينية الراهنة التي تتم - أو بالأحرى تتعثر- برعاية أمريكية اللهم إلا إذا قبل الفلسطينيون بالدنية في حقوقهم، وفشل المفاوضات المؤسف هو الأمر الطبيعي طالما أنه لا توجد مقاومة مسلحة كما كان الوضع حتى وقع اتفاق أوسلو 1993 ولا انتفاضات شعبية تاريخية كانتفاضتي 1987 و2000، ولذلك فإن الشعب الفلسطيني (وقواه السياسية) مطالب بأن ينظر في نفسه لتحديد الخلل والبحث عن مخرج من هذا الوضع الذي لا يشير إلى الجمود فحسب في خطى عملية التسوية السياسية، وإنما إلى استمرار تآكل الأراضي الفلسطينية لحساب الاستيطان الاستعماري الإسرائيلي. أقول للشعب الفلسطيني وقواه السياسية تحديداً، إن الأوضاع العربية الراهنة لا تبشر بخير في الأمد القصير وربما المتوسط، حيث تنشغل مصر بمواجهة الإرهاب على أرضها، ومنه ما يتسلل عبر قطاع غزة، وتعيش سوريا في أتون حرب أهلية لم تفض حتى الآن إلى نظام ديمقراطي، بل إن أغلب الظن أن نجاح قوى المعارضة ضد النظام الحالي في سوريا سيعني ظهور نظام شمولي متطرف دينياً بديلاً عن النظام الحالي، ومصر وسوريا دولتان ضروريتان لبلورة أي موقف عربي قوي تجاه القضية الفلسطينية، فهل يفاجئنا الفلسطينيون يوماً ما بالعودة إلى النضال من أجل استرداد حقوقهم؟


البديل نت
http://albadeel.info

رابط المقال
http://albadeel.info/articles-10762.html


تمت طباعة المقال بتاريخ 2018-05-24 06:05:27