د. مخلص الصيادي لـ(البديل نت): الربيع العربي أتى بعد أن تصحرت الحياة السياسية في كل الدول العربية والكرامة الشرارة الأولى لتفجير الثورات

البديل نت - خاص
2012-07-23 | منذ 5 سنة

في حوار موسع يتحدث المفكر العربي الدكتور مخلص الصيادي لموقع (البديل نت) عن جملة من القضايا والأحداث التي يعيشها الوطن العربي.

ويشخص الدكتور الصيادي حالة الربيع العربي وحيرة المواطن العربي بين احتياجاته للحرية والفوضى التي تعم الأوطان بعد اندلاع الثورات الشعبية، كما يعرج للحديث عن استغلال القوى الخارجية للثورات العربية بالتدخل المباشر سياسيا وعسكريا وعلى مختلف الأصعدة. البديل نت

قوميا يتحدث د. الصيادي عن الحركة القومية العربية وانتقال الحركة الناصرية من الممارسة إلى التنظير كما يحلل برؤية ثاقبة ظاهرة حمدين صباحي المرشح السابق للانتخابات الرئاسية المصرية.

وفي الشأن اليمني يتناول المفكر الصيادي الحالة اليمنية ومالات الثورة الشعبية ومخاطر انفصال الجنوب كأحد مورثات النظام البائد، إلى جانب تناول عديد قضايا في أربع حلقات متتالية ننشرها كاملة فيما يلي:

حاوره - خليفة المفلحي:

من دواعي سروري أن أتحدث لموقع (البديل نت) مع تأكيد تقديري العميق لما يقوم به من جهد في نشر الوعي العروبي، وفي تعزيز الرؤية الصحيحة للأحداث التي يموج بها الوضع العربي، وتتداخل معها الرؤى والمواقف.

ولأن الأسئلة تتناول في عمومها الربيع العربي، وما يمر به هذا الربيع من امتحانات فإن طبيعة هذه الأسئلة تستدعي أن نقدم لها باستعراض التحولات والظروف التي دفع إليها المجتمع العربي ومكوناته عبر عدة عقود أثمرت في ختامها بيئة تستدعي هذا الربيع وتسمح ببزوغه.

وأسمح لنفسي أن أعتبر هذه المقدمة بمثابة توطئة عامة لازمة لعرض إجابات واضحة ومدققة للأسئلة المطروحة.

منذ مطلع سبعينات القرن الماضي، وتحديدا بعيد وقف إطلاق النار في حرب تشرين/ اكتوبر من عام 1973، دخلت الحياة العربية مرحلة جديدة، كان عنوانها الرئيس هو"تسليم زمام المنطقة إلى واشنطن، رؤية ومصلحة ومآلا، ومن طبائع الأشياء في مثل هذا التوجه أن يبدأ على الفور توليد القوى الاجتماعية والسياسية القادرة على تحقيق هذا التحول، وعلى تأمين لوازمه.

منذ ذلك التاريخ بدأت عملية تحول كاملة في المجتمع المصري بداية، وفي مختلف المجتمعات العربية الأخرى، وإذا كانت المملكة العربية السعودية قد  أسهمت إسهاما فاعلا في الدفع بهذا التحول في مصر، فإن ما حدث في الدول العربية الأخرى جاء بتأثير قوى خارجية وداخلية آلت بالوضع فيها الى مثل ما آلت اليه في مصر، ولم تكن المملكة بعيدة كذلك عن كل هذا.

بالتدريج وبالمثابرة تم تفكيك نواتج العملية الثورية التي تمت خلال مرحلة جمال عبد الناصر في مصر أو بتأثير تلك المرحلة في غير مصر:

** سياسية خارجية تابعة للولايات المتحدة ومنفذة لأغراضها، تجسدت في اتفاقات التسوية مع الكيان الصهيوني، كما تجسدت في المعارك التي دخلتها وأدراتها هذه النظم نيابة عن واشنطن وبتوجيه منها سواء في إفريقا، أو في أفغانستان، أو في أمريكا اللاتينية.

** خصخصة فاجرة تمت تحت شعارات كاذبة، استهدف توليد طبقة من الرأسمالية الطفيلية التي هي بالطبيعة فاسدة وعاجزة ومرتبطة مع الخارج، وفي الوقت نفسه متحالفة مع السلطة وتستخدم أدواتها في التمكين لنفسها ومنطقها.

** إعادة صياغة عقل المجتمع على أسس جديدة غير تلك التي صيغ عليها في المرحلة السابقة، إذ لم يعد هناك معنى دقيق لمفاهيم الوطنية أو القومية، أو العدل الاجتماعي، أوقيم العمل الأخلاقية،  أو الأمن القومي، أو الالتزام الذي تفرضة الجغرافيا السياسية" عبقرية المكان".

صار كل شيء يبنى من خلال مفهوم السوق، والربح والخسارة، بالمنطوق الفردي، وليس بمنطوق الأمة، ما تربحه الأمة وما تخسره الأمة، وتم تطبيق هذه المفاهيم في برامج ومناهج التربية كلها دون أن يستثنى شيء، بما في ذلك مناهج التربية الدينية، ومناهج التربية الوطنية التي كانت في الماضي ينظر اليها باعتبارها من المقدسات التي لايجوز المساس بها.

ووصل الوضع في مستوى هذه التحولات إلى مرحلة باتت فيها الخيانة الصرفة، أي الاتصال بالعدو وتسهيل دخوله الى الوطن لا تعدو أن تكون وجهة نظر لها مكانتها واحترامها وموقها من الظهور والإشهار بمثل ما للمفاهيم والأفكار الأخرى من مكانة وموقع.

باختصار صارت "الخيانة وجهة نظر"، وصارت صناعة سياحة الفُجر والفساد الأخلاقي تتفوق بدون حدود على  كل صناعة وطنية أخرى.

** واحتاج هذا السياق المدمر للحياة الوطنية الى التمكين لرعاته في حياتنا، من هنا احتاج  الانقلاب على ما كان فترة طويلة، واحتاج تدرجا  كان لازما لولادة الطبقة أو القوة التي تحمي هذا الانقلاب أو التحول، واحتاج الى الاستعانة بقوى شعبية منظمة اضيرت من مرحلة جمال عبد الناصر، وهنا برز الدور الجديد للإخوان المسلمين.

لذلك كان حقيقيا أن يقال إن انقلاب "السادات" عن خط جمال عبد الناصر، أو عن خط الثورة الى الخط الأمريكي هو أطول انقلاب شهدته الحياة السياسية في العصر الحديث إذ استدعى داخل مصر الى سنوات قد تجازت الست حتى أخذ أبعاده.

** كذلك كان ضروريا أن تعمل القوى الجديدة الصاعدة على تفكيك اللحمة الاجتماعية بين أبناء هذه الأمة: تفكيك روح التضامن الاجتماعي والسياسي، روح التكافل الأسري والبيئي، روح التعاون بين الناس الذي كان يؤمن دائما الحراك الشعبي ويساعد على مواجهة أثمانه ونتائجه، واتخذت هذه النظم من مشرق الوطن الى مغربه  المنهج نفسه بتوجيه ودعم ورعاية امريكية، ويمكن أن نسجل هنا خمس ركائز المنهج:

1 ـ انهيار لمستوى المعيشة يستدعي من الفرد أولا، ومن أفراد الأسرة الواحدة ثانيا  تقديم المزيد من العمل لتأمين احتياجات الحياة اليومية.وبالتالي الابتعاد عن الاهتمام بالشأن العام بعد أن لم يبق وقت له.

2 ـ  إرهاب أمني قائم على الاعتقال والملاحقة بلقمة العيش والتشريد ليس فقط لسبب العمل السياسي المباشر، وإنما كذلك عقابا على أي نشاط لأي من أفراد الأسرة أو المقربين، فيعاقب الأب لنشاط ابنه، ويعاقب الأخ لنشاط أخيه... الخ، بما يجعل قدرة الفرد على تحمل نتائج هذا الارهاب ضعيفة، ويدفع به الى الانزواء عن المشاركة العامة.

3 ـ إغراء بالفساد الفردي كوسيلة لمواجهة هذا التضخم والزيادة المضطردة لأعباء الحياة، وإعطاء هذا الفساد مشروعية واقعية، من خلال تغيير مفاهيم التقييم الاحتماعي والقيمة الاجتماعية. ومن خلال ارتفاع شأن أولئك الفاسدين في السلم الاجتماعي والمكانة السياسية والاجتماعية، وتصدرهم الحياة العامة كنماذج للنجاح.

4 ـ فتح باب الهجرة للخارج باعتبار ذلك بابا من أبواب مواجهة تردي مستوى الحياة، بما يعني افراغ المجتمع مع قوى حية فيه ودفع كل فرد من هذه القوى للبحث عن الخلاص الفردي او الشخصي.

5 ـ إنشاء صناعة خاصة ساهمت فيها أطراف عديدة داخلية وخارجية يمكن تسميتها صناعة "تقديس القيادة"، وتنزيهها عن أي خطأ، وتحريم تناولها بأي نقد، وربط كل انواع التقدم والاستقرار المزعوم في المجتمع بها، واعتبار وجودها شرط لاغنى عنه لاستقرار المجتمع ولاستمرار قدرته ومكانته الاقليمية والدولية، وبالتالي ربط كل أنواع الحراك الاقتصادي والسياسي والاجتماعي بشخصه.

الربيع العربي أنهى تصحر الحياة السياسية

إن الفساد والإرهاب والنزوع الى الحلول الفردية والهجرة وشخصنة القيادة وتقديسها، عملت جميعها على تصحر الحياة السياسية في كل بلد عربي. أي عملت على إضعاف القوى السياسية التي كانت تمور بها الحياة العربية، فضعفت الأحزاب وتراجعت العضوية فيها، وانعزلت بفعل انقطاع تواصل الأجيال في عضويتها، وتراجع الإبداع في مختلف جوانب الحياة العلمية والأدبية، وانهار التعليم، واكتسح الفساد القضاء، والجيش، والصحافة، وبات وضع المجتمع في حالة مزرية.

وفي إطار هذا التوجه العام الذي طغى على الحياة النظام العربي الرسمي، كان لابد من تصفية بقايا مرحلة النهوض العربي، وقد جرى ذلك دون نظر الى الخسائر، ولا الى بحور الدم التي كانت تتدفق في هذا المسار

تم تصفية المقاومة الفلسطينية وجودا وفكرا، بعد أن حوصرت في لبنان، وساهمت القيادة الفلسطينية ممثلة بأبي عمار" القيادة المشخصنة" في تحقيق هذا الهدف مدفوعا ـ على ما يبدو ـ بوهم تحقيق كيان فلسطيني من خلال مسيرة التسوية، وتم تدمير قوة العراق على ثلاث مراحل، بدأت باستجراره الى الحرب مع ايران، ثم باستجراره لاحتلال الكويت، ثم بالحصار والغزو، ودفع النظام العربي بقيادة المملكة العربية السعودية وبتوجيه من واشنطن الكثير لتحقيق هذا الهدف، وجاء التلاعب بالروح الدينية المتجذرة في هذه الأمة تحت دعاوى محاربة الشيوعية في افغانستان في هذا السياق، وبإشراف مباشر من واشنطن ومن المخابرات المركزية الأمريكية، واتحدت في هذا السبيل قوى التيار الوهابي مع قوى الاخوان المسلمين في رفع راية الجهاد والحشد وراءه، حتى إذا انتهت هذه المرحلة، بانتهاء الحرب الباردة، انفلت عقال هذا الحشد الشبابي المجاهد في افغانستان، ولم تعد القوى التي عقدت له لواء الجهاد بقادرة على ضبطه، أدخلت واشنطن المنطقة والعالم مرحلة الصراع مع الاسلام السياسي والجهادي، وأريقت الكثير من الدماء داخل المجتمعات العربية بدوافع وأغراض متشابكة في سوريا ومصر والجزائر والمملكة العربية السعودية ذاتها، وفي كل هذه كان الثمن الدم العربي، وكانت النتائج مزيد من الارتباط والخنوع للسياسة الغربية، وحينما وقعت هجمات سبتمبر عام 2001 صارت الحرب على الإرهاب وعلى "القاعدة" عنوانا جديدا تتجمع حوله القوى الدولية والإقليمية والعربية، والجميع يضبط ايقاعه وفق المايسترو الجالس في واشنطن.

القرن الـ 21 والواقع المر للأمة العربية

لقد دخلت امتنا القرن الواحد والعشرين وهي على هذه الحال، استباحة لا حدود لها لحرماتها وثرواتها وقيمها وحقوقها، وتخريب لا حدود له لكل عوامل بناء مستقبلها، وإضاعة لثرواتها وعوامل القوة فيها، لايقوم بها الا سفيه يستأهل الحجر عليه، وتدمير للحياة السياسية والاجتماعية لا يبقى متنفس لأحد، لقد صار هذا حال كل القادة العرب، ويصدق فيهم القول إن أكثر الناس فسادا وإفسادا هم هؤلاء القادة، وكلما ابتعدت عن دائرتهم تراجعت نسب الفساد وأشكاله.

ولعل المكانة التي أخذتها المقاومة الفلسطينية مجسدة بالانتفاضات الشعبية، وبمنظمات الجهاد المختلفة، في ضمير الأمة، والمكانة التي اخذها حزب الله بمقاومة الاحتلال والانتصار على العدو الصهيوني في تحرير الجنوب وفي صد عدوان تموز 2006، كانت في جزء منها رد فعل على حالة الانهيار العامة في الحياة العربية الرسمية، وعلى إضاعة هذا النظام العربي لكرامة الأمة في كل صورها، وإشعار بمكانة فكرة المقاومة وروحها لدى جموع الأمة.

وكان طبيعيا في إطار هذا الوضع أن تتراكم عوامل الانفجار، وأن يغطي هذا التراكم كل مكونات المجتمع الأساسية بغض النظر عن توجهها السياسي وقناعاتها الفكرية ورؤيتها للمستقبل، لقد سدت هذه النظم كل أفق مستقبلي، لذلك كان التصدي لها أمرا لا بد منه.

الربيع العربي أبعد ما كانت تتخيله الأنظمة

إن سنن الله في خلقه، وطبائع الأشياء التي بنى الله عليها هذا الكون لا تسمح باستمرار هذا الوضع، تماما كما أنها لم تكن تسمح باستمرار النظام الشيوعي على ما كان عليه رغم جبروت ذلك النظام وقوته الظاهرة، وامتلاكه لأسلحة قادرة على تدمير العالم بدون حدود.

والذي يدرك هذه السنن، ويعي طبائع الأشياء، ولا تعمي مظاهر القوة والجبروت بصره، ولا يعطل بصيرته طغيان أجهزة العنف التي تحيط بكل نظام من هذه الأنظمة، وأحزمة الحماية التي يوفرها النظام الغربي لهم، لم يكن يشك للحظة بأن الثورة قادمة، لكن السؤال كان دائما يتصل بالتوقيت والظرف؟.

متى تأتي هذه الثورة؟، وكيف؟، وممن؟ والاعتقاد أن هذه النظم عطلت فاعلية المعارضة المعروفة، وجففت منابعها الاجتماعية.

ليس صحيحا أن الدول الغربية بكل ما تملك كانت تعلم أو تتوقع، أو تضع في حسبانها بزوغ فجر الربيع العربي.

هذا كذب ومحاولة لتشويه هذا الحدث الشعبي الذي فاق كل التصورات، وهو كذب لا يقاربه إلا القول بأن القوى الغربية بقدراتها الاستخبارية والبحثية كانت تتوقع أن تنهار الكتلة الشرقية، أو أن تزول مرحلة الانقسام القطبي خلال فترة قصيرة جدا، وقبل ان يدخل العالم الألفية الجديدة.

إن أي نظرة أو قراءة أو فهم للربيع العربي يجب أن ينطلق من هذه الحقيقة، ثم من بعد ذلك يتم البحث ومحاولة فهم ما حدث.

الكرامة هي الصاعق الذي فجر ثورات الربيع العربي والديمقراطية معيار نجاحها

في الحلقة الأولى عرضنا فيها مسار النظام العربي منذ أن سلم زمام أمره لواشنطن، وقوى الغرب بتلويناتها المختلفة، قبل انهيار الاتحاد السوفياتي وبعد ذلك، وكان هدفنا الاستدلال من الرصد والتحليل الى أن ثورات الربيع العربي جاءت نتيجة طبيعية لمآل هذا النظام على المستويات كلها، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وعلى مستوى الكرامة الفردية والوطنية، ولتوكيد أن الاستبداد والتبعية والفساد كان لابد له مجتمعا أن يفجر الوضع الداخلي، وأن جميع القوى الداخلية والخارجية، كانت تدرك حجم ما يعتمل هذه المجتمعات من عوامل الثورة، لكن قوى البغي كانت ما تزال تثق بقدرة أجهزة العنف والفساد على ضبط الوضع، فيما كانت قوى التغيير تستبشر باقتراب لحظة الانفجار، وكان هذا واضحا في مصر واليمن وسوريا على وجه الخصوص.

، لكن السؤال الذي لم يستطع أحد أن يتنبأ بجوابه هو متى تنفجر الثورة؟، وأين تكون البداية؟، وما هو صاعق تفجيرها؟.

وكانت الكرامة هي صاعق التفجير، وكانت تونس أرض البداية، ثم بدأ الوطن العربي يشهد تسونامي الربيع العربي.

وهنا أحب أن أضع أسئلة موقع (البديل نت) على دفعات ثم اتطرق للإجابة عنها والأسئلة هي:

**كيف نقيم ثورات الربيع العربي، مع ما رافق بعضها من احتواء من قبل القوى الخارجية والرجعية من الداخل؟.

** هل صحيح أننا أمام خيار مؤلم بين حرية المواطن وبين سقوط الأوطان بأحضان الدول الخارجية؟

**ما هو مستقبل العلاقة بين دول الربيع العربي والولايات المتحدة وإسرائيل؟

الأسئلة الثلاثة مطروحة في حياتنا الثقافية والسياسية في هذه المرحلة، مرحلة قلق الانتقال من حال  إلى حال، وتكاليف هذا الانتقال، والإجابة على هذه الأسئلة  شديدة الأهمية لأن من شأنها أن تكشف لنا مسار هذا الربيع بعد أن تحدد لنا المعنى الصحيح له.

ماذا نقصد بالربيع العربي؟

الإجابة السهلة أن نقول إن الربيع العربي وصف للثورات التي شهدناها أو ما زلنا نشهدها في تونس ومصر واليمن وسوريا، وتمتد رؤية هذه الثورات أو حركات التغيير الى السعودية والبحرين والمغرب وحتى الأردن وسلطنة عمان ودول أخرى.

وقد أمكن لبعض هذه الثورات أن تنجز على نحو ما الهدف الذي انطلقت من أجله، ومثالنا هنا تونس، وبعضها يكاد يكون أجهض كما في ليبيا، وبعضها حدث عليها تحول أبطأ من حركتها وقد يكون عطلها لبعض الوقت، كما في السعودية والبحرين، وبعضها ما زال يدفع ثمنا غاليا من الدم الزكي في مواجهة نظام قاتل مع اصرار عجيب على الانتصار كما في سوريا.

مقابل هذه الاجابة اليسيرة فإن جهدا لابد أن يبذل لتحديد المعنى الثوري لمفهوم الربيع العربي.

هل التخلص من هذا النظام أو رأسه في هذا البلد أو ذاك، أو وصول هذه القوة أو تلك هو التعبير عن انتصار هذا الربيع؟

ولعل المنتمين للاتجاه الثوري العربي ولمرحلة الثورة العربية يميلون الى الربط بين انتصار الربيع العربي في أي اقليم عربي وتمكن القوى الثورية من استلام زمام الأمور فيه.

وحين نوسع دائرة النظر نصبح أمام تساؤل واحد يعم الجميع، تساؤل يربط بين استلام حزب ما او اتجاه ما السلطة ، وبين الحكم بانتصار الربيع العربي.

وكمثال عملي فإن أكثر ثورات الربيع العربي اكتمالا حتى الآن هي الثورة التونسية، فهل وصول الإسلاميين الى السلطة هو التعبير عن هذا الانتصار، أم أن وصولهم الى السلطة هو تعبير عن فشل الربيع العربي في هذا البلد؟.

مقابل هذه الأسئلة لابد من معيار للحكم على الربيع العربي، فما هو معيار الحكم على نجاح هذا الربيع؟.

معيار الديمقراطية

في ظني أن هناك معيارا رئيسا لا يجوز الاختلاف حوله، معيارا يصح اعتماده من جميع القوى التي ساهمت في صنع هذا الربيع، كما يصح اعتماده في الحكم على هذه القوى ايضا. هذا المعيار هو : الديمقراطية.

أي عودة الأمر في كل مجتمع من مجتمعات الربيع العربي تقديرا وتقريرا الى الناس، والى القوى السياسية وبرامجها التي يقبلها الناس، في إطار من الحرية لا يحتمل التزوير الواضح أو المستور، وصيانة هذه الديموقراطية بعقد اجتماعي جديد " دستور" يكون حاكما لهذه المسألة وحاميا لها.

الديموقراطية هي معيار من أهم معايير نجاح الربيع العربي، بل لعلها تكون المعيار الجامع لكل القوى التي تحركت لأجل هذا الربيع، وهي التعبير عن هذا الربيع.

والديموقراطية التي نتحدث عنها هي الديموقراطية الحقيقية التي يكون الشعب كله وعاءها، دون تقسيم أو تمييز أو اجتزاء، وحتى يكون هناك إمكانية لوجود مثل هذه الديموقراطية فلا بد من عدد من الاجراءات والخطوات والانجازات التي تمكن المجتمع من تحقيق هذه الديموقراطية وحمايتها.

** أولى هذه الاجراءات عزل رموز الفساد والاستبداد عن الحياة السياسية الجديدة، عزلا يسمح بزوال أو تضاؤل تأثيرهم في المجتمع.

** ملاحقة رموز الفساد والاستبداد قضائيا، وبشكل حاسم ينتج عنه اعادة حقوق الأمة وثرواتها المنهوبة، والتعويض عمن أضير من ممارسات هذه النظم القهرية.

** إعادة تحديد وبناء عقيدة وطنية صحيحة لأجهزة الأمن تجعل هذه الأجهزة خادمة للناس، وعاملة على حماية الحياة العامة، وإخضاع هذه الأجهزة لأدوات الرقابة والتتبع التشريعية والقضائية .

** إعادة صياغة عقيدة صحيحة للقوات المسلحة يتحدد من خلالها مهمة هذا الجيش باعتباره جيشا وطنيا من حيث التكوين، والوظيفة، والسلوك، وليس جيشا حاميا للسلطة أي سلطة، جيشا للشعب والأمة، ومسؤولا أمامها.

** اطلاق حرية الصحافة والإعلام بما يسمح بوصل المعلومات الصحيحة والضرورية لعامة الناس، واعتبار حرية الوصول الى المعلومة جزءا أساسيا من مفهوم الديموقراطية، ولوازم ممارستها.

** إعادة النظر في بنية القضاء، وذلك لتخليصه مما شابه من الفساد خلال المرحلة الماضية، باعتبار فساد الفضاء هو الصورة الأوضح لفساد العدالة.

** تشريع حرية العمل السياسي وتكوين الأحزاب وكذلك تكوين مؤسسات المجتمع المدني، ومساعدتها على القيام بدورها باعتبارها وسائل تقديم خدمات للمجتمع مما يفرض تقديم الدعم المادي لها.

هذه هي الديموقراطية التي تصح أن تكون معيارا لنجاح الربيع العربي في هذا البلد أو ذاك، وفي إطار هذه الديموقراطية تختبر القوى السياسية أفكارها وبرامجها وقياداتها وأساليبها، فتنجح عن طريق صناديق الاقتراع أو تفشل.

في الحلقة الأولى التي عرضنا خلالها مسار الثورة المضادة في حياتنا العربية منذ نجاحها بإيقاع الهزيمة بثورتنا مطلع السبعينات، قدمنا عرضنا ورؤيتنا، ونحن نعتقد أن ما قدمناه يعبر عن الحقيقة ويلتزمها، لكن يجب أن نعترف أن كل ذلك كان من قبيل التحليل ومن قبيل الفرض، وتصدق حركة الناس وخياراتهم هذا التحليل والفرض أو تخطئه:

هل سيختار الناس بإرادتهم الحرة الالتحاق بركب الولايات المتحدة وسياساتها، الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية؟.

هل سيختار الناس الذهاب الى التصالح مع العدو الصهيوني، وإدارة الظهر لفلسطين والأراضي العربية المحتلة؟.

هل سيختار الناس سياسات تنتج العشوائيات، وسكان المقابر، والفقر المدقع، والغنى الفاحش، والسرقات التي لا حدود لها ولا ضابط؟.

هل سيختار الناس نظما أخلاقية واجتماعية تضع دينها وراء الظهور، وتعلي قيم الفساد الأخلاقي والاجتماعي؟.

هل سيختار الناس الانغلاق الإقليمي، والتراجع عن مفهوم الأمة العربية، والرضا بإعادة بناء المنطقة على أساس عرقي وطائفي، فتجزء كل اقليم وتعيد تركيبه اعتمادا على هذه الأسس؟.

الإجابة على هذه الأسئلة بيد الناس، بيد جمهور الأمة.

ومن هنا فإن استمرار الناس في حراسة الثورة، واستمرارهم في الحركة والتصدي لكل المعوقات، واستمرارهم في التماسك والحفاظ على روح الجماعة، يعتبر من أهم العوامل في تحقيق شروط نجاح الديموقراطية، إن قوى النظام القديم، والقوى الجديدة التي حققت تقدما في إطار العملية الديموقراطية ترغب في أن يوقف الناس تحركهم، ولك من القوتين دوافعها، فقوى النظام القديم تريد بخروج الناس من دائرة الحركة والفعل العمل على استعادة دورها أو بعض دورها، والقوى الجديدة التي حققت مكاسب تريد أن تحتفظ بمكاسبها وتفرض نفسها بديلا عن حركة الشارع، وفي كلا القوتين خطر على الثورة واستهدافاتها، لذلك فإن الناس هم الحراس الحقيقيون للربيع العربي، وهم الأمناء الصادقون عليه، ويجب أن يبقوا على حالهم من التنبه والاستعداد للتحرك، حتى تتضح الرؤية وتستقر الديموقراطية، وتستكمل أطر العمل السياسي, ويزول خطر القوى المضادة.

نحن فرضنا أن خيار الناس هو العدل والتقدم والكرامة والالتزام الوطني والقومي، والالتزام الديني والأخلاقي، واعتبرنا أن خيار الناس هو الالتزام تجاه قضية فلسطين وتحرير الأمة واعادة اطلاقها من خلال مشروع نهوض قومي تنهض معه وبه المنطقة كلها.

وحينما يستشعر أحد منا أن الناس اختاروا غير ما فرضنا فعليه أن يسأل نفسه أين الخلل؟.

** هل الخلل فيما اعتقدناه وافترضناه؟ أم فيما طرحناه من برامج للوصول الى هذه الأهداف؟

** أم فيما مارسناه وكشفنا من خلاله عن نماذج وأمثولات جاءت مخيبة للآمال الناس؟.

** أم أن خيارات الناس التي لم تتلاءم معنا جاءت نتيجة ظرف طارئ أحاط بالأمة وكان من القسوة والشدة ما طاشت معه العقول وضيع على الناس طريق الصواب؟.

والناس في كل ما ذهبنا اليه هم الأغلبية المكونة لهذه الأمة، وهي أغلبية متوضعة في صفوف العمال الفلاحين والمثقفين، والطبقة الوسطى، التي تتكون منها في الغالب أجهزة الدولة ومؤسساتها التعليمية والادارية والعسكرية، والرأسمالية المنتجة البناءة، أي أن الناس هنا هم المكون الرئيس لقوى العمل والانتاج والابداع في المجتمع،

إن القوى السياسية الحية هي التي تستطيع الوصول الى إجابة حقيقية على هذه التساؤلات، وهي التي تملك الجرأة والقدرة على إجراء التغييرات اللازمة في بنيتها بما يتلاءم وتلك الاجابة.

الأن نأتي الى أمثلة الربيع العربي، ويكفي أن نقف منها في هذه الحلقة على مثال واحد، وهو هنا المثال التونسي :

وتونس أكثر نماذج الربيع العربي اكتمالا، تسلمت فيها حركة النهضة "وهي حركة تنتمي الى الإسلام السياسي" الحكم بعد أن حصلت في انتخابات حرة على أغلبية برلمانية، وبفكر سياسي مفتوح رأت أن حجم التحدي يفرض أن لا تنفرد لوحدها بممارسة السلطة فتحالفت مع قوميين واتجاهات أخرى، وبدأت مسيرة الحكم.

فكيف نحكم على هذا النموذج؟.

لاشك أن لك قوة سياسية ولكل باحث وناظر حكم محدد على مجريات الوضع في تونس، منهم المنتقد الذي يرى في هذا الحكم شكلا جديدا من اشكال الارتباط بالغرب، ومظهرا جديدا من مظاهر الارتهان لقوى متخلفة، مستدلا على ذلك بمواقف تثير الشكوك صدرت عن زعيم حركة النهضة الشيخ راشد الغنوسي، ومستدلا كذلك بمظاهر من انتقاص الحريات، ومن غياب الوضوح في التزام النظام باحتياجات قوى الشعب، وبتعبير آخر غياب البعد الاجتماعي والطبقي عن برامج النظام الجديد والقوى التي يمثلها، لكن آخرين يرون أن تونس بدأت مع حكم حركة النهضة مرحلة جديدة في حياتها تصالحت فيها مع ذاتها وتاريخها وعقيدتها وتطلعها الى المستقبل، وأنها بدأت تدريجيا عملية التحول الاجتماعي التي تتطلع اليها قوى الربيع التونسي.

ونحن من واقع التزامنا نستطيع أن نسجل الكثير من المآخذ على النظام التونسي الجديد من مختلف الزوايا، ونستطيع أن نعرض ما خلصنا اليه من خلال تتبعنا لحركة وتصريحات الغنوشي، ومن خلال حالة الغليان الاجتماعي التي ما زالت تطبع الشارع التونسي، ومن خلال المواقف غير الواضحة لهذا النظام من قضايا قومية عديدة منها الموقف من الغرب، ومن الالتزام القومي وقضايا هذا الالتزام، لكن هذا التقييم لا صلة له بالحكم على ربيع تونس، من خلال المعيار الذي التزمناه وهو هنا النظر فيما بنى من أسس لحياة ديموقراطية، وفيما تحقق من عودة مشروعية السلطة الى الناس.

هذا هو معيار نجاح الربيع التونسي أو إنزوائه، ومن هذه الزاوية فإن تونس أكثر بلد عربي أزهر فيها الربيع حتى الآن.

هذا هو معيارنا الذي ارتضيناه، وما عدا هذا المعيار يندرج تحت سقف اختلاف برامج القوى السياسية، والصراع الاجتماع والسياسي بين أطرافها تحت سقف هذه الديموقراطية وبالاحتكام الى قواعدها.

وبالاستناد الى هذا المعيار لا يعود هناك مكان للحديث عن طبيعة علاقة بلدان الربيع العربي بالولايات المتحدة أو بالكيان الصهيوني، ذلك أن أكثر جهات العالم تخوفا وضررا من هذا الربيع هو هذا الكيان، إلا إذا هناك من يعتقد أن الرئيس الهارب زين العابدين بن علي وحكمه، كان يمثل هماً ومشكلة لهذا الكيان حتى يأتي استبداله بنظم الربيع العربي محققا للأغراض صهيونية، أو أن هناك من يعتقد أن الكنز الاسرائيلي الثمين الممثل بحسني مبارك وحكمه كان يمثل هماً ومشكلة للحركة الصهيونية ونظامها حتى يكون النظام الجديد في مصر محققا لطموح وتطلع قادة هذا الكيان!.

إن قادة الكيان والحركة الصهيونية هم أول وأكثر الأطراف إدراكا لخطورة أن تتسلم الأمة زمام أمرها، وقيادة مركبها، وتوجيه ثرواتها وتطبيق خياراتها، أي أن ترسخ الأمة الديموقراطية في بنيتها السياسية والاجتماعية، ولعل وعي العقل السياسي الغربي الحاكم  لهذه القضية يستند ويستمد أسسه من العقل الصهيوني نفسه، أو لنقل إن كليهما يستند الى الأسس والقيم نفسها في إدراك وتقييم المتغيرات في منطقتنا.

يجب أن نكون على يقين بأن الديموقراطية في مجتمعاتنا أشد خطرا على اعداء الأمة من أي شيء آخر، لأنها عنوان التزام السلطان بخيارات الأمة واهدافها.

ونستطيع أن نختم هذه الحلقة بتأكيد أن الحديث عن خيار مؤلم بين حرية المواطن وبين سقوط الأوطان بأحضان الدول الخارجية، والتساؤل عن العلاقة بين دول الربيع العربي والولايات المتحدة يندرج كله في ركب الخدع التي تريد قوى الاستبداد أن تروجها للحفاظ على وجودها، وللفت في عضد قوى الثورة،

وفي الحديث عن التدخل الخارجي في مسارات الربيع العربي زوايا عديدة وشجون نتناولها إن شاء الله في الحلقة الثالثة

واشنطن والرياض تمنعان تصفية النظام القديم في اليمن

في الحلقتين الأولى والثانية استعرضنا طبيعة الوضع العربي في ظل هزيمة الثورة، وقلنا إن ثورة الشارع العربي كانت أمراً منتظراً، لكن كل ما ينتمي الى ظروف انفجار الثورة عصي على إدراك الجميع: القوى السياسية داخل كل بلد عربي حاكمة كانت أم معارضة، والقوى الخارجية ومؤسساتها السياسية والأمنية والبحثية.

وثبتا رؤيتنا لمعنى الربيع العربي، وقلنا إن الربيع الحقيقي تجسد في عودة الناس للإمساك بزمام أمورها، وأمور حاضرها ومستقبلها، وذلك من خلال عودتها الى السياسية، وتمسكها بالطريق الديمقراطي لتحقيق أهدافها،

وفي هذه الحلقة الثالثة نخصص حديثنا عن علاقة الخارج بالربيع العربي، التدخل، ومحاولات اختطاف الحراك الثوري وحرفه عن مساره، ومآل هذا الوضع.

المفاجأة والاستدراك

لاشك أن انطلاق حركة الربيع العربي كان مفاجئا للجميع، ولا أدل على ذلك من أن وزيرة الداخلية الفرنسية آنذاك "ميشال اليو ماري" بدأت تبحث مع نظيرها في تونس ما يحتاجه، وما يمكن أن تقدمه فرنسا لقمع هذا الحراك الثوري، ولم تُجد هذه المحادثات شيئا لأن الحسم في الحالة التونسية كان سريعا، لكن انكشاف هذا التحرك الفرنسي كان فاضحا وحاسما في تحديد موقع الخارج مما بدأ يحدث في الوضع العربي، وتكرر الأمر نفسه في مواجهة الحراك الشعبي في مصر حين بدت الدبلوماسية الأمريكية في حالة من التخبط لا تدري ما تفعل، وتدافع وجوه الكونغرس الى القاهرة للتعرف على ما يجري وللقاء جموع الثائرين علهم يستطيعون أن يتعرفوا على ما هو قادم في الحياة السياسية المصرية، وبدت تل ابيب في حالة من الفزع خصوصا وأنها لا تدري السبيل لحماية "كنزها الثمين"، والحفاظ على وجوده.

لكن ككل عمل رشيد إذا فاته أمر يعمل على استدراكه ومحاولة السيطرة على ما يليه، من هنا بدأت محاولات العواصم الغربية للتدخل والسيطرة على مجريات الربيع العربي،

وشهدت مختلف بلدان الربيع العربي مظاهر مختلفة من هذا التدخل:

** منه ما جاء على شكل نصائح ملزمة لمواجهة رياح هذا الربيع، بالاصلاحات، والوعود، وبمحاولة الرشوة المادية، وقد رأينا هذا في مختلف الممالك العربية، وكان بعض هذه الممالك ذكيا وفاعلا فيما قام به وحققه، ونشير هنا الى سلطنة عمان والمغرب، وتحرك بعضها بعقلية العشيرة وعقلية المناورة لإطفاء الحرائق وأبلغ مثال على ذلك المملكة العربية السعودية،  وقدمت الطريقة التي اتبعتها قيادة البحرين لمواجهة الحراك الشعبي هناك مثالا  ثالثا للمزاوجة بين استنهاض الطائفية والقمع باستخدام القوى المتوفرة داخليا وبالاستعانة بالقوات السعودية.

** ومنها ماجاء على شكل محاولة اعادة انتاج النظام نفسه لكن في اطر واشكال جديدة، فحين تستطيع الحركة الشعبية أن تتخلص من رأس النظام ومن حوله لا يعود مفيدا النظر الى الوراء، وإنما يصبح المطلوب استيعاب ما هو آت، إذ ليس حسني مبارك، أو علي عبد الله صالح، أو زين العابدين بن علي هو مبتغى الغرب وأنظمته، وإنما ما التزم به هؤلاء من رؤى ومصالح تحقق للنظام الغربي ما يريد، وحين يمضي هؤلاء فإن السعي يكون لتأمين استمرار هذه الرؤى والمصالح، والتزام القوى القادمة بها.

إن ما حدث ويحدث في مصر واليمن هو من هذا القبيل، تدخل للقوى الغربية في الشأن الداخلي، في محاولة لتعطيل حركة التغيير، وفي اجهاض فاعلية الديموقراطية وتحويلها الى مجرد شكل.

إن مشهد ترشيح الفريق أحمد شفيق في انتخابات الرئاسة المصرية، ومنافسته عليها في جولة الاعادة هو شكل من اشكال اعادة انتاج النظام القديم من حيث: القوى الاجتماعية، والسياسات الداخلية، والالتزامات الخارجية.

وما آل اليه الوضع في اليمن من عرقلة للتحول عن نظام علي عبد الله صالح، هو من هذا القبيل، لكن برعاية مباشرة من المملكة العربية السعودية، وبارتباط مباشر مع الولايات المتحدة بدعوى محاربة القاعدة، إن واشنطن والرياض تمنعان تصفية النظام القديم في اليمن، وتعملان وبدعم مباشر من قوى يمنية على إعادة توليد النظام السابق، بشكل أقل غلظة واستفزازا، وبوجوه أكثر قبولا ونعومة.

وإذ يسجل لقوى الحراك الثوري في هذا البلد و"للحكمة اليمانية" قدرتها المبدعة في الحفاظ على سلمية الثورة رغم توفر السلاح في يد كل يمني، وقدرتها على تحييد أو تعطيل القوى العسكرية الداعمة للرئيس المخلوع من خلال ما دعي بتوازن الرعب الناجم عن انشقاق الجيش، فإن المستهدف الآن تعطيل الحراك الشعبي، وتحييده،  لكي تتمكن القوى القديمة الجديدة من الحفاظ على الوظيفة ذاتها التي كانت لنظام صالح.

** ومنها ما جاء بالتدخل العسكري المباشر والمثال البارز على ذلك متجسد في ليبيا، وهو تدخل تحقق تحت غطاء شكلي عربي، ومثال ليبيا هنا يستحق وقفة مدققة لأنه يقدم نموذجا تستحق الدراسة:

1ـ نظام مستبد متأله، فاسد، وصل في عتوه وجبروته مالا يمكن احتماله.

2ـ وقوى شعبية تحركت فيها رياح الربيع العربي تريد الخلاص من هذا النظام.

3ـ وبلد يختزن ثروة نفطية هائلة، قريبة، وعالية الجودة.

4ـ وايضا بلد يملك موقعا استراتيجيا على البحر المتوسط لا نظير له.

5ـ ونظام عربي وغربي لا يمانع في التخلص من هذا النظام الذي أتعبه من كثرة تقلبه، وتألهه، وتصرفاته التي يصعب التنبؤ بها.

إن دموية النظام الليبي في مواجهة التحرك الشعبي، وصلافته في التعامل مع الأحداث، وقلة صبر الثوار وخشيتهم من الفظائع التي يمكن أن يرتكبها النظام خلال استمرار هذه المواجهة، والإغواء العربي والغربي في تقديم المساعدة العسكرية بدعوى حماية المدنيين، كل هذا فتح ثغرة في الحراك الشعبي الليبي سمح بتدخل حلف الناتو تحت سقف شرعية دولية مزعومة.

وحينما بدأ الناتو عمله في ليبيا، كانت الثورة الشعبية قد تلوثت، ثم خطفت، وصار الصوت الأعلى لأولئك الذين جاءت بهم حجافل الناتو من قيادات ووجوه عاشت خارج ليبيا، وكانت تهيئ لهذه اللحظة، ثم ظهرت بعد ذلك تلك القيادات الميدانية التي تعاملت مع التدخل الخارجي من زاوية الشرعنة الدينية التي وفرتها فتاوى صدرت عن مراجع تعتمدها هذه القوى.

لقد أجهض التدخل العسكري للناتو عملية  ولادة الربيع العربي في ليبيا، وأصبحنا أمام بلد يخضع بالكامل لإرادة دول الناتو، وفي المقدمة منها الولايات المتحدة، وبريطانيا وفرنسا، وايطاليا.

وإذا كان الثوار قد تخوفوا بداية المواجهة مع نظام القذافي من ارتفاع عدد الضحايا والدمار فيما لو بقي الصراع بين الطرفين في اطاره الداخلي الصرف، فإن تدخل الناتو لم يؤد الى تقليل الخسائر وإنما أسفر عن ارتفاع شديد من عدد الضحايا وفي حجم الدمار، إذ قدرت بعض المصادر عدد القتلى الناجم عن تدخل الناتو ما بين خمسين ومئة الف، وذكرت الغارديان البريطانية على صفحتها الألكترونية في عددها في السادس عشر من مايو 2012 أن عدد الضحايا المدنيين نتيجة العمليات العسكرية للناتو بعد تدخله في مارس 2011 تجاوز ثلاثين الف قتيل في حين كان عدد قتلى الصراع بين نظام القذافي والثورة الشعبية قبل تدخل الناتو ما بين الف والفي قتيل.

كذلك فإن تدخل الناتو وضع ليبيا على بداية طريق التقسيم، بدواعي الجهوية، والعرقية، وهذا بالتحديد مخطط واشنطن في المنطقة، تفكيك الدول وإعادة بنائها على قواعد تقسيم جديدة عرقية وطائفية وجهوية .. الخ، وربط هذه التقسيمات الجديدة بمصالح مباشرة معها. والنتيجة: استمرار السيطرة على هذا البلد، وتعطيل امكانية التغيير الحقيقي فيه.

إن الحديث عن التدخل الخارجي وأشكاله، ابتداء من العمل على إعادة انتاج النظام السابق نفسه، وصولا الى خطف الثورة أو العمل على اغتيالها، يجب أن لا يخفي عن أنظارنا عددا من الحقائق:

1ـ الحقيقة الأولى: أن الدول الغربية، ومؤسساتها الاقتصادية والعسكرية والأمنية، ليست هيئات نفع عام، وليست جمعيات خيرية، وهي لا تتحرك بدواعي انسانية وانتصارا لقيم عامة تواطأت عليها البشرية، وإنما هي أدوات لتحقيق سيطرة هذه الدول، وفي أي تحرك لها فأول ما يهمها حسابات الربح والخسارة، وتحاول أن تجعل نسب المخاطرة في تحركها محدودة، لأنها في النهاية مسؤولة أمام الناخب المحلي، وأمام أصحاب المصالح والشركات التي تمثلها، وستدفع ثمن أي خطأ قد ترتكبه.

2ـ الحقيقة الثانية: أن أحدا لا يستطيع أن يمنع الخارج من التدخل في الوضع الداخلي، وإنما نستطيع أن نحد من هذا التدخل ونضيق حيزه، ويقع على عاتق قوى المجتمع الواحد أن تحقق ذلك، وتقع المسؤولية الأولى والأهم في توليد الظروف والبيئة التي تسمح بتدخل أو انزواء الخارج على عاتق السلطات القائمة لأنها هي صاحبة الفعل الأقوى، وهي التي تملك زمام الأمور، وهي التي تسيطر على مؤسسات الدولة وتوجهها، وهي التي تملك ما يدعى بالشرعية القانونية، إن ما نقوله هنا لا يعفي القوى الأخرى في المجتمع، قوى المعارضة وما يحيط بها من مؤسسات المجتمع المدني من المسؤولية، لكن لابد من تأكيد أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق قوى السلطة.

إن دموية نظام القذافي، ورفضه سماع صوت الشارع،وصوت الأصدقاء الناصحين، وتمسكه بممارسة التهديد والقتل لآخر لحظة، واستهتاره بكل الأطراف الخارجية الصديقة وغير الصديقة، هو ما خلق البيئة التي سمحت بالتدخل الأجنبي.

المعارضة تتحمل طرفا مما حدث لاشك في ذلك، لكن نظام القذافي هو الأكثر مسؤولية في هذا الجانب، خصوصا وأن مطالب الحراك الشعبي في بدايته كانت مطالب محدودة، وبسيطة، وكانت الاستجابة لها تفتح أفقا ديموقراطيا في ليبيا، وتجنب هذا البلد ما أصابه، وتجنب القذافي ونظامه هذا المآل، لكن نظام القذافي كان قد وصل الى مرحلة لايسمع فيها ولايرى.

3ـ الحقيقة الثالثة: أن التدخل العسكري قد حول الصراع داخل ليبيا بين قوى المعارضة والنظام الى صراع دولي، يعكس مصالح ورؤى الدول الكبرى، وعند هذه النقطة بالتحديد لا يعود لقوى الداخل تأثير مهم على مجرى الصراع ولا على مستقبله ومستقبل البلد الذي كان ميدانا له، وتتحول القوى الداخلة الى مجرد أدوات بيد تلك الدول التي دفعت بقواتها وأبنائها لحسم الوضع. وفي المثال الليبي فإن الميليشيات المحلية والجهوية، مثلها مثل القيادات السياسية والتي نصبت على رأس مؤسسات النظام الجديد لا تعدو أن تكون منفذه لمصالح تلك الدول ولاستهدافاتها، ولعل الصراعات التي نشهدها بين الأطراف الداخلية تعتبر على نحو ما عن صراعات القوى المشاركة في العمل العسكري إزاء تقاسم الكعكة الليبية.

 لقد ضاعت إرادة الداخل في خضم التدخل العسكري الخارجي، وصار الحديث عن الديموقراطية، والكرامة، والمساواة، والحرية، ووحدة الوطن، حديث لا يجري بلغة ليبيا العربية الأصيلة، ولا تلبية لاحتياجات المواطن الليبي وتطلعه للمستقبل، وإنما يجري بلغة الناتو ووفق مصالح دوله وتطلعاتها.

4ـ الحقيقة الرابعة: أن طلب التدخل العسكري الخارجي دائما طلب شائن، تعفه نفس المواطن، وتتحسب منه قيادات العمل السياسي، وتخشى من آثاره على وجودها ومنطقها ونظرة الناس لها، لذلك هي تسعى حينما تريد ذلك الى تغطية هذا الطلب بكل ما تستطيع من مبررات، وجرائم النظام القائم مبرر قوي، لكنه في حياتنا العربية غير كاف لتحريك الشارع وجعله يتجاوب مع هذا المطلب، لذا يصبح مهما تقديم الغطاء الشرعي الديني لهذا التدخل.

لقد رأينا هذا في كل مرة طلب فيها تدخل عسكري أجنبي لحسم شأن داخلي في  بلد عربي أو مسلم.

 شرعنة التدخل الخارجي

إن استحضار أوامر الله جل جلاله، والجهاد، ومفاهيم الكفر و الإيمان، والاستدلال من سيرة الرسول الأعظم صلى الله عليه و سلم، يصبح ضروريا لجعل هذه المعركة ذات شأن، وللتغطية على طبيعتها المدمرة، ولخلق روح جهادية قادرة على تحقيق الحشد الشعبي اللازم.

لقد رأينا هذا في معركة أفغانستان، وفي المشاركة مع القوات الأمريكية والمتحالفة في حصار العراق أولا ثم في احتلاله، وفي الفتاوى التي صدرت بشأن شرعية طلب تدخل الناتو، وكذلك الفتوى التي صدرت في شرعية طلب التدخل العسكري الأجنبي في سوريا.

الحقيقة الخامسة: أنه في مثل هذه البيئة من الصراع فإن قوى الاسلام السياسي أو معظمها تبدو جاهزة لتقديم الغطاء الديني الشرعي لطلب التدخل الخارجي والتعامل معه، ولايحتاج الأمر هنا الى تقديم أدلة و شواهد، فالفتاوى ما زالت طرية في شرعنة طلب التدخل العسكري الخارجي، وما نريد الوقوف عليه هنا ليس رصد هذه الفتاوى، وإنما محاولة فهم دوافعها، وآليات التفكير التي تسمح بصدورها، وفي اعتقادنا أن هذا هو الأهم والأخطر.

إننا نعتقد أن بنية العقل الديني لهذه الجماعات هي التي تسمح بصدور مثل هذه الفتوى، وهي التي تسمح بتشريع أو تحريم طلب تدخل الخارج، وهي التي تبرر الاتصال بالقوى الخارجية دعما ومشاروة، أو تحرمه، وهذه البنية لا تتصل بالإسلام، وإنما بالفكر الديني الذي يلتزمه هؤلاء، وبالمنهج الذي يعملون من خلاله.

وللحق فإن هذه البنية لا تنحصر بالإسلام السياسي، وإنما تمتد لتكون صفة ملازمة لكل الأحزاب العقدية دينية كانت أو غير دينية، إن الشيوعيين في أكثر مراحل شيوعيتهم صفاء كانوا هكذا، يمكنهم تبرير الشيء وضده في إطار التزامهم، ورؤيتهم لمصالحهم.

إن القضية هنا تكمن في رؤية هذه الجماعات والأحزاب للحقيقة: الحقيقة المطلقة والحقيقة النسبية.

معظم جماعات الاسلام السياسي تعتبر نفسها موئل الحقيقة، وأداة تجسيدها، فالحقيقة، والموقف الاسلامي الصحيح، يدور معها حيث دارت، إذا رأت أن أمرا ما صحيح فهو الأمر الصحيح، وإذا رأت أن موقفا ما منحرف فهو الموقف المنحرف، هي مقياس الحق والعدل والصواب، وهي التجسيد لروح الاسلام كما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، حينما تحكم بقتل رجل لسبب ما فحكمها هو حكم الإسلام، وحينما تقرر أن تمد يدها الى جهة ما فهذه مصلحة الاسلام.

إنهم لم يستطيعوا أن يدركوا الفارق بين الدين والفكر الديني، ولا يستطيعون قبول هذا التفريق، ولم يستطيعوا أن يفقهوا معنى مركزيا في الاسلام وهو أن الحق مستقل بذاته، وأن ما نقوم به هو رؤيتنا لهذا الحق، نصيب في هذه الرؤيا أو نخطئ، وأن هذا كان منهج الرسول صلى الله عليه وسلم.

كل هذه الجماعات تقرأ وتعرف وتكرر دائما ما استقر عليه فقهاء الأمة بشأن العلاقة مع الاسلام فكرا ومنهجا:

   "ما أقوله صحيح تحتمل الخطأ، وما يقوله خصمي خطأ يحتمل الصحة"

إن هذا المبدأ العظيم يفتح الباب للتفاعل، وللنقد، وللتقدم، وللقدرة على بناء حضارة، لكن أحدا من هذه القوى لم يستطع أن يتمثل هذا الموقف، أو أن يلتزم هذا المنهج، أو أن يطبق مستلزماته.

وبسبب هذا الخلل الجوهري فإنك نادرا ما تجدي حزبا إسلاميا، وقف ينتقد تاريخه، أو يراجع ممارساته، إن النظرة الناقدة الفاحصة لتاريخ هذه الأحزاب والجماعات مفقود ـ نستثني من ذلك المراجعات التي أجرتها بعض الجماعات الجهادية ـ، ولعل هذا هو السبب نفسه الذي كان يمنع الشيوعيين عن  نقد تاريخهم وفكرهم، وحينما فعلوا ذلك سقطت القدسية التي أعطوها لأنفسهم ولهذا الفكر، وسقطت معها وحدتهم وتماسكهم.

هذه القضية المركزية التي أتينا عليها إنما قصدنا منها أن نفهم أكثر دوافع سلوك هذه القوى فيما نحن نتحدث عنه، أي دوافع سلوك هذه القوى في الربيع العربي، وفهم هذه الدوافع يوفر لنا مقدمة لفهم ما قاموا به، وما يمكن أن يقوموا به مستقبلا.

الإسلام السياسي

الحقيقة السادسة: ان دخول قوى الاسلام السياسي بهذه العقلية الى ساحة الصراع، و بالامكانات المتوفرة لها، وبقوى الدعم الخارجي التي تتحصل عليها، تعمل على حرف اتجاه الصراع، من صراع ضد الاستبداد والفساد والديكتاتورية، والطائفية، الى صراع بين الكفر والايمان.

القضية هنا شديدة الخطورة، فهي بالإضافة الى أنها تزًور دوافع الت



إقراء أيضاً


التعليقات

إضافة تعليق

مقالات الأعداء

إستطلاعات الرأي

فيس بوك

إجمالي الزيارات

19,077,573