د. مخلص الصيادي لـ(البديل نت): الربيع العربي صناعة ناصرية

البديل نت - خاص
2012-07-17 | منذ 5 سنة

 في حوار موسع تحدث المفكر العربي الدكتور مخلص الصيادي لموقع (البديل نت) عن جملة من القضايا والأحداث التي يعيشها الوطن العربي من خلال اربع حلقات متتالية.

وشخص الدكتور الصيادي في الحلقات الثلاث السابقة حالة الربيع العربي وحيرة المواطن العربي بين احتياجاته للحرية والفوضى التي تعم الأوطان بعد اندلاع الثورات الشعبية، كما يعرج للحديث عن استغلال القوى الخارجية للثورات العربية بالتدخل المباشر سياسيا وعسكريا وعلى مختلف الأصعدة. البديل نت

وفي الشأن اليمني يتناول المفكر الصيادي الحالة اليمنية ومالات الثورة الشعبية والتدخلات السعودية والأمريكية للحفاظ على النظام القديم وإعادة إنتاجه بإشكال جديدة، إلى جانب تناول عديد قضايا في أربع حلقات متتالية وفيما يلي الحلقة الرابعة:

 

في هذه الحلقة وهي الرابعة والأخيرة يتحدث د. الصيادي عن الحركة الناصرية في الوطن العربية وتحديدا في مصر واليمن وسوريا وكيف اسهمت بصورة مباشرة في ثورات الربيع العربي  وانتقال الحركة الناصرية من الممارسة إلى التنظير كما يحلل برؤية ثاقبة ظاهرة حمدين صباحي المرشح السابق للانتخابات الرئاسية المصرية.

حاوره – خليفة المفلحي:

 

في الحلقات السابقة تحدثنا عن موجبات ولادة الربيع العربي، والمعنى الحقيقي لهذا الربيع، وحينما نجعل عنوان حلقتنا الرابعة والأخيرة يتصل بالناصريين وهذا الربيع فإن الواجب يفرض أن نوضح بداية مفهوم الناصريين الذين نتحدث عنهم، ونبحث عن صلتهم بهذا الربيع.

في بحث مضى عليه سنوات، طرحت سؤال لتعريف الناصريين وتحديد معنى هذا المصطلح، ولست أبغي هنا أن أعيد بسط هذا الموضع أو الخوض في تفاصيله ـ وهو معروض في مواقع عدة ـ لكن ما يتوجب التأكيد عليه هنا أن هذا المصطلح من  منظور الحراك الاجتماعي يغطي مساحتين متمايزتين، ومتداخلتين.

** فالناصريون هم جميع القوى الاجتماعية التي رأت في برنامج جمال عبد الناصر الاجتماعي والقومي والسياسي تعبيرا عن مواقفها، وتجسيدا لتطلعاتها، ورأت في شخصه نموذجا للصدق التعفف والالتزام والنقاء، فاندفعت تعطي قائد هذا التغيير نُصرتها ودعمها، واستمد منها هذا القائد زخما وقوة لم يكن لها نظير، خاض بها كل معاركه، انتصر في بعضها وانهزم في أخرى، لكن في النصر والهزيمة على السواء كانت هذه القوى الى معه، تشد من عضده، وتحسم لصالحه اللحظات الحرجة في كل معركة، حتى بدا من خلالها قائدا تاريخيا لهذه الأمة.

في عز تألقه كانت تصنع معه مجد الأمة وتحيط به من كل جانب، ولحظة انكساره كانت معه ترفض السقوط وتمنع هزيمة الإرادة، وتعطي عطاء لا حدود له  لاسترجاع القوة اللازمة لاستمرار مسيرة التغيير، وحينما رحل القائد الى جوار ربه، شهد العالم كيف أن جمال عبد الناصر كان يسكن عقل وضمير الأمة كلها من الدار البيضاء الى دمشق وبغداد ومن دول الخليج العربية الى السودان والصومال، وعلى مدى سنوات الردة كانت هذه الجماهير تسترجع صلتها بهذا القائد ومشروعه المرة تلو الأخرى.

هذا التحديد لمفهوم الناصريين، أو قوى الثورة العربية، لا يعني أبدا أن هذه القوى الاجتماعية لا ترى نقصا، أو لا توجه نقدا لتجربة عبد الناصر، أو لا ترى أخطاء في سلوك القائد نفسه، أو أنها تريد أن تعيد التجربة السابقة لجمال عبد الناصر، أو أن تلتزم الوسائل نفسها التي حكمت تلك التجربة.

إن النواقص الحقيقية في التجربة، وأخطاء الممارسة، وكل نقد يمكن ويجب أن يوجه لهذه التجربة، تُعتبر هذه القوى الاجتماعية هي الأولى به، وهي الأكثر استفادة منه، لأنها وهي تفعل ذلك إنما تفعله من منطلق التزامها بالأهداف العامة التي التزمتها تلك التجربة، ومن منطلق تطلعها لنموذج قيادي كمثل نموذج عبد الناصر صدقا ونقاء وصلابة، والتزاما بسواد الأمة.

الربيع العربي صناعة ناصرية

في إطار هذا التحديد يصبح الربيع العربي صناعة ناصرية، أي صناعة قوى الأمة الحقيقية، صناعة السواد الأعظم لهذه الأمة.

إن ارتباط رغيف العيش بمحاربة الفساد، وبالكرامة الوطنية، وارتباط مستقبل التنمية بالعودة عن طريق الارتباط بالخارج دولا و مؤسسات، واستعادة روح وحدة الأمة العربية في مختلف أقطارها لمواجهة التحديات القائمة، واستعادة فلسطين لتكون قيمة حاكمة على تصرفات القوى والدول، والمطالبة بجعل أجهزة الدولة العسكرية والأمنية في خدمة المواطن والوطن، وليست لإحكام السيطرة عليه. كل هذه المعاني  مما عايناه في مليونيات الربيع العربي، وهو نفسه ما كان يميز حركة الثورة العربية في مرحلة جمال عبد الناصر، وأضافت الحركة الشعبية على مرحلة ذلك القائد التمسك بالديمقراطية السياسية كأداة للحكم، ولاختبار برامج القوى السياسية وسلوكياتها، وجاءت هذه الإضافة استيعابا لدرس قاس استمر لأكثر من اربعين عاما عانت فيه هذه الحركة الشعبية وعانت فيها الأمة كلها من ديكتاتوريات غاشمة عاثت في حياة الوطن والمواطن فسادا وتخريبا، وضيعت الوطن والمواطن على السواء.

مفاهيم أكثر دقة

** هذا مستوى من تحديد مفهوم " الناصريين"، ومن قلب هذا المفهوم برز مفهوم آخر أدق تحديدا، وأضيق مساحة، وألصق بالعمل السياسي، وهو ذلك الذي يعني القوى السياسية المنظمة التي التزمت بالناصرية وجعلتها المحددة لرؤاها، ولبرامجها.

واتخذت هذه القوى أسماء عديدة وعناوين متنوعة، بعضها التزم اسم الاتحاد الاشتراكي العربي، وبعضها ذهب الى تسمية تظهر القوى الاجتماعية التي يتطلع اليها ويلتزمها مثل: التنظيم الشعبي، أو الطليعة العربية، أوتحالف قوى الشعب العامل، وذهب آخرون الى جعل الصفة الناصرية واضحة في اسم حركته وحزبه.

وأياً ما كانت التسمية فإن هذا المستوى يتصل بالعمل السياسي والتكوين السياسي، ويمتاز هذا المستوى بأنه محدد ومؤطر، بما يتيح خضوعه للقياس والنقد: فكرا وتجربة وقيادة

إذا كان الربيع العربي وفق المستوى الاجتماعي العام صناعة ناصرية، فأين تقف الأحزاب والتشكيلات الناصرية من هذا الربيع؟.

هذا سؤال مركزي لابد من الإجابة عليه بوضوح لا يبقي لبسا، وبجرأة لا تخشى نقدا.

1ـ بداية لابد من تأكيد حقيقة أن تصحر الحياة السياسية العربية والذي أتينا على دواعيه في الحلقة الأولى حينما تحدثنا عن بؤس النظام العربي، أصاب أول ما أصاب التشكيلات السياسية الناصرية, باعتبار حقيقة أن المرحلة التي استهدفتها الردة كانت هي نفسها المرحلة التي تنتمي اليها هذه الحركات، وباعتبار أن الانجازات أو البنى الاجتماعية والفكرية التي أغارت عليها قوى الردة كانت هي نفسها التي قامت عليها هذه الحركات السياسية.

2ـ ثم لابد من تسليط الضوء على حقيقة أخرى وهي أن نظم الردة العربية استخدمت القوى السياسية الدينية ومكنت لها لمواجهة قوى التيار الناصري مستثيرة فيها رغائب الثأر من الناصرية بقضها وقضيضها، ومستنهضة الصراع الذي كان بين هذه القوى والقيادة الناصرية على مدى التجربة الناصرية كلها.

3ـ أن هذه التنظيمات أصيبت نتيجة حالة التصحر وانقطاع الصلة بين الأجيال بالعجز عن تجديد قيادتها، فكل تفكير بالتجديد كان حذفا من قوتها وخبرتها بدل أن يكون تجديدا لهما، ومن هنا بدت قيادات العمل الناصري وكأنها صورة أخرى من صور أنظمة الحكم القائمة من خلال صفتة ديمومة القيادة، وعدم تبديلها إلا بما يشبه الانقلاب، الذي يولد بالطبيعة انشقاقات لا اساس موضوعي لها.

4ـ وقد افسح هذا الوضع أمام القوى الحاكمة للتلاعب بهذه القوى، والتأثير في مسارها، وفي العمل على زيادة عوامل الضعف فيها.

ولأن العوامل التي أشرنا اليها لم تكن مختصة أو مقتصرة على الحركة الناصرية، وإنما كانت تحيط بكل قوى العمل السياسي المعارضة، وكانت آثارها واضحة على مختلف هذه القوى لذلك بقيت القوى الناصرية هي الأكثر تأثيرا بين قوى المعارضة  ـ باستثناء الحركات الدينية ـ ، وبالتالي بقيت قوى التيار الناصري الأهم في تشكيلات وتحالفات المعارضة، لقد كان هذا واضحا في مختلف الأقاليم التي تجسدت فيها الحركة الناصرية بوجود تنظيمات ناصرية من موريتانيا الى اليمن، ومن سوريا الى السودان، ونكتفي أن نسلط الضوء في هذا المقام على الحركة السياسة الناصرية في كل من سوريا واليمن ومصر.

 

الحركة الناصرية في سوريا :

كان الناصريون ـ على ضعفهم ـ القوة الأكبر في كل التحالفات التي أقاموها أو شاركوا فيها في الفترة التي سبقت انطلاق الحراك الثوري منتصف مارس 2011، وحينما بدأ هذا الحراك، كان منطق الناصريين مختصر في خمسة شعارات:

** تغيير السلطة المستبدة والفاسدة.

**سلمية التحرك الشعبي وعدم اللجوء الى السلاح.

** رفض التدخل العسكري الخارجي بأي صورة جاء.

** التمسك بوحدة وعروبة سوريا

** التمسك بالتزام سوريا تجاه القضية الفلسطينية وقوى وفكر المقاومة.

ومع تطور الصراع وحجم الجرائم التي ترتكبها السلطة، وحجم الاستهتار الذي قابلت به المطالب الشعبية تحول شعار تغيير النظام الى إسقاط النظام بدل تغييره، مع التمسك بالشعارات الأربعة الأخرى.

وشاركت كوادر وأعضاء التنظيم في الحراك الشعبي وفي توجيهه في درعا وإدلب ودوما وفي حمص ومناطق عدة أخرى، واستمر وجودهم حاضرا الى حين بدأ تأثير  القوى الخارجية بالظهور ممثلا بقوى الاسلام السياسي السلفي والإخواني، وبالقوى اليمينية التي صنع جيلها الأول الانفصال الرجعي في 28 سبتمبر/ ايلول عام 1961.

وكان استبدال العلم السوري القديم ـ علم مل قبل الوحدة بعلم الوحدة وهو نفسه علم الدولة السورية الراهنة أهم مظاهر هذا التحول في القوى المؤثرة في الحراك الثوري، وتضمن التحول المطالبات المتكررة بتدخل حلف الناتو كمثل ما حدث في ليبيا، وبالدعوة الى عسكرة الثورة، وبالدعوة الى انشاء مناطق آمنة، وهذه جميعا تعبير عن موقف واحد ينطلق من تحويل المعركة في سوريا من معركة ضد الاستبدال والفساد والطائفية والنظام القاتل، الى معركة اقليمية ودولة تستهدف إعادة تموضع سوريا "المرجوة" في معسكر النظام العربي الرسمي المتحالف مع الولايات المتحدة ووفق أولوياتها.

إن هذا الاتجاه الذي دفعت اليه حركة الثورة في سوريا كشف عن ضعف أداء القوى الناصرية والقومية عموما في هذا الحراك الثوري، حيث لم تستطع هذه القوى الإرتقاء الى مستوى متطلبات هذه الحراك التي بدأت تتكثف مع تصاعد عمليات القتل والمجازر التي يرتكبها النظام،  كما كشف عن بدء عمليات خطف الثورة لصالح القوى الأخرى التي تمثل المعادل الموضوعي لقوى النظام الباغية.

لقد وضعت سوريا الآن بين نظام لا يعرف غير القتل في مواجهة حراك الشعب الثوري، ولا يهتم لغير متطلبات بقائه حتى لو كان هذا البقاء يمر عبر تقسيم سوريا جغرافيا، وتحطيمها اجتماعيا من خلال الصراعات الطائفية، وبين قوى ترى نفسها أمام فرصة تاريخية في تحقيق هيمنة على هذا البلد تنهي أي مكانية لاستعادة سوريا لوجهها القومي التقدمي الحقيقي، وتضع سوريا في إطار إصفافات دينية طائفية مدمرة.

الوضع في سوريا الآن خطير جدا، شعب يذبح، وثورة يجري خطفها، والقوى القومية ذات الموقف الثوري المتوازن تتراجع قوتها وتأثيرها في الحراك الشعبي باستمرار.

إن الموقف القومي الناصري من حاضر سوريا ومستقبلها، ما زال يمثل طريق الخلاص الوحيد الذي يبقى هذا البلد في الموقع الذي يعبر عن طبيعة شعبه وعن لوازم الجغرافيا السياسية التي يحتلها، ولعل هذا الموقف هو الذي يعطي القوى القومية والناصرية في سوريا مكانة في صنع مستقبل هذا سوريا، لأن أي تصور آخر لا  يحمل لسوريا الى الدمار أرضا وشعبا، وأعتقد أن هذا الموقف هو الذي يعطي للتيار الناصري القومي قوته المعنوية، وهي قوة أكبر بكثير من قوته التظيمية أو قوة التحالف الذي يلتزمه أو يقوده.

الحركة الناصرية في اليمن

استطاع الناصريون أن يعيدوا بناء أنفسهم عقب مذبحة أكتوبر 1978، وقد عانى هذه التنظيم الظروف نفسها التي عانت منها الحركة الناصرية في سوريا، وواجه نظاما فيه الكثير من أوجه الشبه مع النظام السوري، واستمر منطقهم وفكرهم موجها رئيسيا لحركة المعارضة اليمنية وائتلافها، ولعل تسمية عدد من الجمع بأسماء ذات ارتباط بتاريخ الحركة الناصية أو ارتباطاتها جاء دليلا على ما نذهب اليه، جمعة "النصر لشامنا ويمننا، جمعة الشهيد ابراهيم الحمدي" وكانوا ـ مثلهم مثل اخوانهم في سوريا ـ أحد أبرز صناع الحراك الثوري الذي تفجر في شباط / فبراير في اليمن، لكن امكاناتهم كانت ـ للأسباب نفسها التي عرضناها في غير هذا المكان ـ أقل من احتياجات هذا الحراك الثوري.

واستطاع الوضع اليمني ممثلا  بالبيئة القبلية، وتركيبة الجيش، والانقسامات السياسية، والحكمة اليمانية أن يميزهم، ويميز الحراك الثوري في اليمن، حيث تم تجنب اللجوء الى السلاح لحسم الوضع مع الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح. وحافظت الثورة على سلميتها رغم الدماء الكثيرة التي أريقت برصاص قوى النظام، وتم رفض اي دعوات لتدخل خارجي.

وإذا كان الحراك الثوري في سوريا قد واجه عملية اختطاف عبر اعتماد التسلح وطلب التدخل العسكري الخارجي لمواجهة عنف السلطة ودمويتها، فإن الحراك الثوري في اليمن واجه عملية اختطاف مماثلة لكن من خلال ضغوط سياسية ومالية، إقليمية ودولية هدفت الى التضحية بعلي عبد الله صالح مع الإبقاء على نظامه، والتزامات هذا النظام اقليميا ودوليا.

ولأجل ذلك تتم خلال الترتيب ليمن المستقبل محاولة تجاوز الحركة الناصرية، وتنظيمها، وذلك بهدف إضعافها، وإخراجها من المعادلة، وسيبقى مستقبل اليمن الذي نشدته الثورة الشعبية رهن بمقدار ما يتحقق من الشعارات التي رفعها شباب الثورة في مختلف مراحلها:

** يمن موحد، مستقل، ملتزم بقضايا أمته.

** يمن لامكان فيه للفساد والفاسدين.

** يمن ملتزم باحتياجات القوى الشعبية ومصالحها.

** يمن يلتزم الديمقراطية الحقيقية، ويمتلك ادواتها من قضاء وصحافة ومنظمات مدنية

** يمن قوى يستطيع ان يحمي واحدة من أهم بوابات أمته العربية.

** يمن تتساوى حظوظ ابنائه في مؤسساته العسكرية والأمنية والإدارية،بعيدا عن الاعتبارات الطائفية او العائلية أو القبيلة أو الجهوية.

الحركة الناصرية في مصر

ومصر نموذج مهم في دراسة العلاقة بين الربيع العربي والحركة الشعبية الناصرية، خصوصا وأن هذا البلد كان بلد التجربة الناصرية وقائدها.

نستطيع عرض الكثير عن التشكيلات الناصرية المنظمة في مصر منذ انقلاب السادات وحتى يومنا هذا، وما واجهته وما تعرضت له، لكن لمثل هذا الحديث مكان آخر، ويكفي في هذا المقام أن نستعرض دلائل معركة الرئاسة للإستدلال على طبيعة الحركة الناصرية في هذا البلد وصلتها بالربيع العربي.

دون الدخول في تفاصيل كثيرة فقد رأى المواطن المصري والمراقب أيضا أن نتاج العملية السياسية التي أعقبت ثورة يناير وضع الوطن بين نظام سابق يريد أن يستعيد دوره ومكانته، ويصد عنه رياح التغيير والثورة على الصعد كلها، وبين التيار السياسي الديني الذي يريد أن يبني تجربته وقد استشعر بعد انتخابات مجلس الشعب قدرته على بسط السيطرة على مختلف أجهزة الدولة.

ودون انتظار نتائج انتخابات الدورة الثانية من انتخابات الرئاسة التي جعلت التنافس بين الفريق أحمد شفيق ممثل النظام السابق، وبين محمد مرسي ممثل جماعة الاخوان المسلمين، فإن النتيجة الوحيدة الواضحة أن مصر تدخل الآن مرحلة خطرة عنوانها اختطاف الثورة أو إجهاضها.

وسيكون على قوى الثورة أن تستمر في معركتها ضد هذا الوضع، عليها أن تحارب عبر ميادين التحرير لمواجهة عودة النظام القديم، وأن تحارب عبر ميادين التحرير لمواجهة محاولة استئثار التيار السياسي الديني بالسلطة.

وإذا كان من سمات هذا التيار السياسي الاسلامي المساومة، وإبقاء نقاط اتصال بينه وبين النظام السابق، فقد يكون على قوى الثورة ان تواجه الطرفين معا، ولو بأشكال مختلفة.

لاشك أن سقوط الفريق شفيق في معركة الرئاسة يمثل ضرورة وطنية وقومية ودينية، وأن على جميع قوى الثورة أن تعمل للحيلولة دون نجاحه في مسعاه، لكن نجاح محمد مرسي الذي كشف عن فكر سياسي بائس لا يمثل أي تقدم في اتجاه استهدافات الثورة وقواها.

إن روح الاستئثار التي ظهرت في أعقاب نتائج انتخابات مجلس الشعب، وفي محاولات وضع الدستور الجديد، والجولة الأولى لانتخابات الرئاسة، تكشف أن هذه الجماعة كانت عاجزة عن الاستفادة من تجربة جبهة الانقاذ الجزائرية، أو الاستفادة من تجربة نجم الدين أربكان في تركيا، أو الاستفادة من تجربة حركة النهضة في تونس، وأنها تسير على درب التصادم مع المكونات الرئيسية للثورة وللمجتمع معتمدة على رصيد العضوية الحزبية لديها.

نحن هنا لا نقيم مسلك الأخوان المسلمين في مرحلة ثورة يناير، وما تضمنه من مساومات ومن مواقف أثارت الكثير من الشكوك، وما أتينا عليه يهدف فقط الى التوطئة للنظر في الموقف الناصري، وهو الذي جسده موقفا وبرنامجا مرشح الرئاسة حمدين صباحي.

لا اريد الذهاب الى القول بأن صباحي بات يجسد ظاهرة في الحياة السياسية المصرية، لكنه للحق استطاع أن يميط اللثام عن الموقف الشعبي الحقيقي المتحرر من كل الضغوط والمؤثرات.

الرجل خاض تجربة الترشح للرئاسة وحقق النتيجة التي حققها وهو يفتقد الى عاملين جوهريين ميزا منافسيه في هذه المعركة:

**إذ افتقد التنظيم السياسي الفاعل الذي يحشد له ويكون أداته الدعائية والحركية، ليواجه به فعالية تنظيم الاخوان المسلمين الداعم لمحمد مرسي، أو تنظيم الدولة ومؤسسات الفلول التي وقفت وراء أحمد شفيق.

** وافتقد ـ الى حد الشح الدعم ـ المالي، وهو أمر ضروري في مثل هذه المعركة، إذ ضخ الاخوان المسلمون، وكذلك الفلول مئات الملايين من الجنيهات المصرية تأمينا لعمليات الحشد المختلفة الطبائع.

إن معركة الرئاسة التي خاضها حمدين صباحي أثبتت مجموعة أمور جوهرية لابد من الوقوف عليها ونحن نتحدث عن الناصريين في مصر:

1ـ أن الذين وقفوا الى جانب حمدين وقد وصل عددهم الى نحو أربعة ملايين وثمانمئة الف صوت وفق التعداد الرسمي وقفوا قناعة ببرنامجه السياسي والاجتماعي، وبمجمل القضايا التي طرحها خلال حملته الانتخابية، أي وقفوا معه قناعة بهذا الخط الذي يمثل الرؤية الناصرية للمرحلة الراهنة.

2ـ أنه استطاع بشخصه أن يقدم نموذجا للقيادة تحتاجه جموع المصريين، القيادة الواضحة الشفافة الصادقة، والمرتبطة بعامة الناس، إنه حين عرض كل ما يخص شخصه ماليا وصحيا، وما يخص أسرته، وما يخص حملته وتكلفتها، كان يجسد الشعار الذي ميز حملته "حمدين واحد مننا"، ولم يستطع أحدا غيره من المرشحين أن يفعل ذلك.

3ـ أنه استطاع أن يجمع من حوله كماً من المؤيدين الحركيين الذين قاموا بكل احتياجات حملته على طول مصر وعرضها في المدن الكثيفة السكان، وفي الأرياف والنجوع المتباعدة، وهؤلاء يمثلون محيطا قادرا على التحول الى حركة سياسية ذات تأثير فعال لم تستطعه تجارب العمل السياسي الناصري المختلفة.

4ـ أنه جسد ثورة 25 يناير التي كان معها في ميدان التحرير منذ اليوم الأول بل إنه كان وحركة كفاية التي عمل من خلالها من أهم الحركات التي مهدت الطريق  للثورة، لم يهادن النظام السابق قبل الثورة، ولم يدخل معه في حوار على مدى أيام الثورة الى أن سقط رأس النظام، ولم يدخل بمساومات مع المجلس العسكري، وكانت له رؤية واضحة بشأن الدستور أولا، وهو رأي لو أخذ به  كان من شأنه أن يقطع السبيل على التلاعب الحاصل بمسار الثورة، وعلى العمل الدؤوب الجاري لإعادة انتاج النظام السابق.

في الحسابات الديموقراطية الشكلية فإن حمدين صباحي لم يستطع الانتقال الى الدور الثاني، وتقدير الكثيرين أنه لو حقق ذلك الانتقال لكان حظه في الفوز بالرئاسة في الدور الثاني لا ينافس.

 لكن في الحساب الموضوعي فإني ممن يعتقد أن حمدين صباحي هو الفائز الحقيقي، هو الذي التف الناس حوله دون أي مؤثرات غير برنامجه، وصدقيته، وقدرته على استعادة روح مرحلة العزة والكرامة التي مثلتها مرحلة جمال عبد الناصر.

وكما في كل دول الربيع العربي فإن محاولات خطف أو حرف الربيع العربي في مصر ما زالت في أوجها، ولن يكون لهذا الربيع من حارس يحميه، ويدافع عنه، إلا هذا يقظة الشارع الذي صنع هذا الربيع وأطلقه، وهنا تبرز الأهمية الخاصة لرجل مثل حمدين صباحي وللتيار الذي وقف معه، وللطلائع التي صنعت هذا الانجاز في العمل الدؤوب والمصمم على التصدي لكل محاولات إجهاض الربيع العربي في مصر أو حرفه.

خيارات بائسة

وأختم حديثي بتأكيد أننا لا يجوز أن نضع أنفسنا، أو نقبل أن يضعنا أحد أمام خيارين بائسين لا ثالث لهما:

** أن نكون مع أنظمة الاستبداد والفساد والقتل بدعوى الحفاظ على الوحدة الوطنية، وعلى تماسك الوطن، وعلى فكر المقاومة وثقافتها ... الخ.

** أو أن نكون مع التغيير والثورة تحت رايات منحرفة، أو بوسائل منحرفة، داعين للتدخل الخارجي أو مستعينين به، ... الخ.

فمثل هذين الخيارين لا يعبران عن حقائق موضوعية، وإنما عن مجرد أوهام لاحظ لها على أرض الواقع:

** فليس هناك وحدة وطنية ولا وحدة وطن، ولا ثقافة مقاومة، ولا التزام بفلسطين وبتحرير الأراضي المحتلة، ولا التزام بالعروبة ومقتضياتها، من خلال أنظمة الفساد والاستبداد، ومن خلال القهر والقتل الذي يمارس على الشعوب، يجب أن نكون على يقين أن أنظمة الفساد والاستبداد هي التي دمرت الوحدة الوطنية، وأنبتت في مجتمعاتنا الانقسامات الطائفية والعرقية، وهددت الوحدة الجغرافية لكل إقليم، والوقوف الى جانب مثل هذه الأنظمة استنادا لمثل هذه الأسباب والدواعي، هو في أحسن حالاته جري وراء وهم، وتمسك بسراب لاقيمة له ولا وجود، ومخادعة معيبة للنفس.

** كذلك ليس هناك خلاص من نظم الاستبداد والفساد والطائفية بالاستناد الى قوى الخارج أياً كانت هذه القوى، ولا بالاعتماد على منظومة القيم نفسها التي تثور عليها مثل الطائفية والانقسامات العرقية، ولا من خلال التبرع بإعطاء التعهدات والوعود للجهات الخارجية استجلابا للتأييد أو الدعم، كل هذا أيضا وهم لا ينتج عنه إلا أنظمة أشد ارتباطا وأكثر تفتيتا من الأنظمة التي ندعوا للثورة عليها.

نحن مدعوون للوقوف في وجهة أنظمة الاستبداد والفساد والتفتيت حتى إسقاطها، وللوقوف أيضا في وجه دعوات الارتباط بالخارج ودعوته للتدخل، حتى إسقاطها أيضا، ولا يضيرنا هنا ما يرفع في حركة الشارع ـ الذي يواجه بشلالات الدم وبالمذابح اليومية ـ من شعارات.

إننا ونحن نتابع مشهد رفع هذه الشعارات في حركة الشارع نشعر بأن هناك استغلالا مقيتا للدم الزكي الذي يتفجر كالشلال بفعل ما يرتكبه النظام من مذابح، ومتاجرة بهذا الدم لا يجوز القبول بها، ولا يجوز التهاون مع من يفعل ذلك.

هذا الموقف الذي ندعوا إليه وهو على ما نعتقد الموقف الحق: الموقف الصحيح الذي يلبي شروط الحاضر والمستقبل، ويلبي احتياجات كل إقليم، واحتياجات الأمة، وهو الموقف الذي يمكن البناء عليه، ولو بدا مرحليا أنه موقف غير شعبي ولا يستجيب لحجم القهر والغضب الذي تفجره يوميا جرائم النظام ودمويته.

Moukhles.taha@gmail.com

 

 

 

 



إقراء أيضاً


التعليقات

إضافة تعليق

مقالات الأعداء

إستطلاعات الرأي

فيس بوك

إجمالي الزيارات

20,520,833