المفكر العربي مخلص الصيادي لـ(البديل نت): الربيع العربي أتى بعد أن تصحرت الحياة السياسية في كل الدول العربية

البديل نت - خاص
2012-06-21 | منذ 5 سنة

في حوار موسع يتحدث المفكر العربي الدكتور مخلص الصيادي لموقع (البديل نت) عن جملة من القضايا والأحداث التي يعيشها الوطن العربي. 

ويشخص الدكتور الصيادي حالة الربيع العربي وحيرة المواطن العربي بين احتياجاته للحرية والفوضى التي تعم الأوطان بعد اندلاع الثورات الشعبية، كما يعرج للحديث عن استغلال القوى الخارجية للثورات العربية بالتدخل المباشر سياسيا وعسكريا وعلى مختلف الأصعدة. البديل نت

قوميا يتحدث د. الصيادي عن الحركة القومية العربية وانتقال الحركة الناصرية من الممارسة إلى التنظير كما يحلل برؤية ثاقبة ظاهرة حمدين صباحي المرشح السابق للانتخابات الرئاسية المصرية.

وفي الشأن اليمني يتناول المفكر الصيادي الحالة اليمنية ومالات الثورة الشعبية ومخاطر انفصال الجنوب كأحد مورثات النظام البائد، إلى جانب تناول عديد قضايا في أربع حلقات متتالية وفيما يلي الحلقة الأولى:

حاوره - خليفة المفلحي:

من دواعي سروري أن أتحدث لموقع (البديل نت) مع تأكيد تقديري العميق لما يقوم به من جهد في نشر الوعي العروبي، وفي تعزيز الرؤية الصحيحة للأحداث التي يموج بها الوضع العربي، وتتداخل معها الرؤى والمواقف.

ولأن الأسئلة تتناول في عمومها الربيع العربي، وما يمر به هذا الربيع من امتحانات فإن طبيعة هذه الأسئلة تستدعي أن نقدم لها باستعراض التحولات والظروف التي دفع إليها المجتمع العربي ومكوناته عبر عدة عقود أثمرت في ختامها بيئة تستدعي هذا الربيع وتسمح ببزوغه.

وأسمح لنفسي أن أعتبر هذه المقدمة بمثابة توطئة عامة لازمة لعرض إجابات واضحة ومدققة للأسئلة المطروحة.

منذ مطلع سبعينات القرن الماضي، وتحديدا بعيد وقف إطلاق النار في حرب تشرين/ اكتوبر من عام 1973، دخلت الحياة العربية مرحلة جديدة، كان عنوانها الرئيس هو"تسليم زمام المنطقة إلى واشنطن، رؤية ومصلحة ومآلا، ومن طبائع الأشياء في مثل هذا التوجه أن يبدأ على الفور توليد القوى الاجتماعية والسياسية القادرة على تحقيق هذا التحول، وعلى تأمين لوازمه.

منذ ذلك التاريخ بدأت عملية تحول كاملة في المجتمع المصري بداية، وفي مختلف المجتمعات العربية الأخرى، وإذا كانت المملكة العربية السعودية قد  أسهمت إسهاما فاعلا في الدفع بهذا التحول في مصر، فإن ما حدث في الدول العربية الأخرى جاء بتأثير قوى خارجية وداخلية آلت بالوضع فيها الى مثل ما آلت اليه في مصر، ولم تكن المملكة بعيدة كذلك عن كل هذا.

بالتدريج وبالمثابرة تم تفكيك نواتج العملية الثورية التي تمت خلال مرحلة جمال عبد الناصر في مصر أو بتأثير تلك المرحلة في غير مصر:

** سياسية خارجية تابعة للولايات المتحدة ومنفذة لأغراضها، تجسدت في اتفاقات التسوية مع الكيان الصهيوني، كما تجسدت في المعارك التي دخلتها وأدراتها هذه النظم نيابة عن واشنطن وبتوجيه منها سواء في إفريقا، أو في أفغانستان، أو في أمريكا اللاتينية.

** خصخصة فاجرة تمت تحت شعارات كاذبة، استهدف توليد طبقة من الرأسمالية الطفيلية التي هي بالطبيعة فاسدة وعاجزة ومرتبطة مع الخارج، وفي الوقت نفسه متحالفة مع السلطة وتستخدم أدواتها في التمكين لنفسها ومنطقها.

** إعادة صياغة عقل المجتمع على أسس جديدة غير تلك التي صيغ عليها في المرحلة السابقة، إذ لم يعد هناك معنى دقيق لمفاهيم الوطنية أو القومية، أو العدل الاجتماعي، أوقيم العمل الأخلاقية،  أو الأمن القومي، أو الالتزام الذي تفرضة الجغرافيا السياسية" عبقرية المكان".

صار كل شيء يبنى من خلال مفهوم السوق، والربح والخسارة، بالمنطوق الفردي، وليس بمنطوق الأمة، ما تربحه الأمة وما تخسره الأمة، وتم تطبيق هذه المفاهيم في برامج ومناهج التربية كلها دون أن يستثنى شيء، بما في ذلك مناهج التربية الدينية، ومناهج التربية الوطنية التي كانت في الماضي ينظر اليها باعتبارها من المقدسات التي لايجوز المساس بها.

ووصل الوضع في مستوى هذه التحولات إلى مرحلة باتت فيها الخيانة الصرفة، أي الاتصال بالعدو وتسهيل دخوله الى الوطن لا تعدو أن تكون وجهة نظر لها مكانتها واحترامها وموقها من الظهور والإشهار بمثل ما للمفاهيم والأفكار الأخرى من مكانة وموقع.

باختصار صارت "الخيانة وجهة نظر"، وصارت صناعة سياحة الفُجر والفساد الأخلاقي تتفوق بدون حدود على  كل صناعة وطنية أخرى.

** واحتاج هذا السياق المدمر للحياة الوطنية الى التمكين لرعاته في حياتنا، من هنا احتاج  الانقلاب على ما كان فترة طويلة، واحتاج تدرجا  كان لازما لولادة الطبقة أو القوة التي تحمي هذا الانقلاب أو التحول، واحتاج الى الاستعانة بقوى شعبية منظمة اضيرت من مرحلة جمال عبد الناصر، وهنا برز الدور الجديد للإخوان المسلمين.

لذلك كان حقيقيا أن يقال إن انقلاب "السادات" عن خط جمال عبد الناصر، أو عن خط الثورة الى الخط الأمريكي هو أطول انقلاب شهدته الحياة السياسية في العصر الحديث إذ استدعى داخل مصر الى سنوات قد تجازت الست حتى أخذ أبعاده.

** كذلك كان ضروريا أن تعمل القوى الجديدة الصاعدة على تفكيك اللحمة الاجتماعية بين أبناء هذه الأمة: تفكيك روح التضامن الاجتماعي والسياسي، روح التكافل الأسري والبيئي، روح التعاون بين الناس الذي كان يؤمن دائما الحراك الشعبي ويساعد على مواجهة أثمانه ونتائجه، واتخذت هذه النظم من مشرق الوطن الى مغربه  المنهج نفسه بتوجيه ودعم ورعاية امريكية، ويمكن أن نسجل هنا خمس ركائز المنهج:

1 ـ انهيار لمستوى المعيشة يستدعي من الفرد أولا، ومن أفراد الأسرة الواحدة ثانيا  تقديم المزيد من العمل لتأمين احتياجات الحياة اليومية.وبالتالي الابتعاد عن الاهتمام بالشأن العام بعد أن لم يبق وقت له.

2 ـ  إرهاب أمني قائم على الاعتقال والملاحقة بلقمة العيش والتشريد ليس فقط لسبب العمل السياسي المباشر، وإنما كذلك عقابا على أي نشاط لأي من أفراد الأسرة أو المقربين، فيعاقب الأب لنشاط ابنه، ويعاقب الأخ لنشاط أخيه... الخ، بما يجعل قدرة الفرد على تحمل نتائج هذا الارهاب ضعيفة، ويدفع به الى الانزواء عن المشاركة العامة.

3 ـ إغراء بالفساد الفردي كوسيلة لمواجهة هذا التضخم والزيادة المضطردة لأعباء الحياة، وإعطاء هذا الفساد مشروعية واقعية، من خلال تغيير مفاهيم التقييم الاحتماعي والقيمة الاجتماعية. ومن خلال ارتفاع شأن أولئك الفاسدين في السلم الاجتماعي والمكانة السياسية والاجتماعية، وتصدرهم الحياة العامة كنماذج للنجاح.

4 ـ فتح باب الهجرة للخارج باعتبار ذلك بابا من أبواب مواجهة تردي مستوى الحياة، بما يعني افراغ المجتمع مع قوى حية فيه ودفع كل فرد من هذه القوى للبحث عن الخلاص الفردي او الشخصي.

5 ـ إنشاء صناعة خاصة ساهمت فيها أطراف عديدة داخلية وخارجية يمكن تسميتها صناعة "تقديس القيادة"، وتنزيهها عن أي خطأ، وتحريم تناولها بأي نقد، وربط كل انواع التقدم والاستقرار المزعوم في المجتمع بها، واعتبار وجودها شرط لاغنى عنه لاستقرار المجتمع ولاستمرار قدرته ومكانته الاقليمية والدولية، وبالتالي ربط كل أنواع الحراك الاقتصادي والسياسي والاجتماعي بشخصه.

الربيع العربي أنهى تصحر الحياة السياسية

إن الفساد والإرهاب والنزوع الى الحلول الفردية والهجرة وشخصنة القيادة وتقديسها، عملت جميعها على تصحر الحياة السياسية في كل بلد عربي. أي عملت على إضعاف القوى السياسية التي كانت تمور بها الحياة العربية، فضعفت الأحزاب وتراجعت العضوية فيها، وانعزلت بفعل انقطاع تواصل الأجيال في عضويتها، وتراجع الإبداع في مختلف جوانب الحياة العلمية والأدبية، وانهار التعليم، واكتسح الفساد القضاء، والجيش، والصحافة، وبات وضع المجتمع في حالة مزرية.

وفي إطار هذا التوجه العام الذي طغى على الحياة النظام العربي الرسمي، كان لابد من تصفية بقايا مرحلة النهوض العربي، وقد جرى ذلك دون نظر الى الخسائر، ولا الى بحور الدم التي كانت تتدفق في هذا المسار.

تم تصفية المقاومة الفلسطينية وجودا وفكرا، بعد أن حوصرت في لبنان، وساهمت القيادة الفلسطينية ممثلة بأبي عمار" القيادة المشخصنة" في تحقيق هذا الهدف مدفوعا ـ على ما يبدو ـ بوهم تحقيق كيان فلسطيني من خلال مسيرة التسوية، وتم تدمير قوة العراق على ثلاث مراحل، بدأت باستجراره الى الحرب مع ايران، ثم باستجراره لاحتلال الكويت، ثم بالحصار والغزو، ودفع النظام العربي بقيادة المملكة العربية السعودية وبتوجيه من واشنطن الكثير لتحقيق هذا الهدف، وجاء التلاعب بالروح الدينية المتجذرة في هذه الأمة تحت دعاوى محاربة الشيوعية في افغانستان في هذا السياق، وبإشراف مباشر من واشنطن ومن المخابرات المركزية الأمريكية، واتحدت في هذا السبيل قوى التيار الوهابي مع قوى الاخوان المسلمين في رفع راية الجهاد والحشد وراءه، حتى إذا انتهت هذه المرحلة، بانتهاء الحرب الباردة، انفلت عقال هذا الحشد الشبابي المجاهد في افغانستان، ولم تعد القوى التي عقدت له لواء الجهاد بقادرة على ضبطه، أدخلت واشنطن المنطقة والعالم مرحلة الصراع مع الاسلام السياسي والجهادي، وأريقت الكثير من الدماء داخل المجتمعات العربية بدوافع وأغراض متشابكة في سوريا ومصر والجزائر والمملكة العربية السعودية ذاتها، وفي كل هذه كان الثمن الدم العربي، وكانت النتائج مزيد من الارتباط والخنوع للسياسة الغربية، وحينما وقعت هجمات سبتمبر عام 2001 صارت الحرب على الإرهاب وعلى "القاعدة" عنوانا جديدا تتجمع حوله القوى الدولية والإقليمية والعربية، والجميع يضبط ايقاعه وفق المايسترو الجالس في واشنطن.

القرن الـ 21 والواقع المر للأمة العربية

لقد دخلت امتنا القرن الواحد والعشرين وهي على هذه الحال، استباحة لا حدود لها لحرماتها وثرواتها وقيمها وحقوقها، وتخريب لا حدود له لكل عوامل بناء مستقبلها، وإضاعة لثرواتها وعوامل القوة فيها، لايقوم بها الا سفيه يستأهل الحجر عليه، وتدمير للحياة السياسية والاجتماعية لا يبقى متنفس لأحد، لقد صار هذا حال كل القادة العرب، ويصدق فيهم القول إن أكثر الناس فسادا وإفسادا هم هؤلاء القادة، وكلما ابتعدت عن دائرتهم تراجعت نسب الفساد وأشكاله.

ولعل المكانة التي أخذتها المقاومة الفلسطينية مجسدة بالانتفاضات الشعبية، وبمنظمات الجهاد المختلفة، في ضمير الأمة، والمكانة التي اخذها حزب الله بمقاومة الاحتلال والانتصار على العدو الصهيوني في تحرير الجنوب وفي صد عدوان تموز 2006، كانت في جزء منها رد فعل على حالة الانهيار العامة في الحياة العربية الرسمية، وعلى إضاعة هذا النظام العربي لكرامة الأمة في كل صورها، وإشعار بمكانة فكرة المقاومة وروحها لدى جموع الأمة.

وكان طبيعيا في إطار هذا الوضع أن تتراكم عوامل الانفجار، وأن يغطي هذا التراكم كل مكونات المجتمع الأساسية بغض النظر عن توجهها السياسي وقناعاتها الفكرية ورؤيتها للمستقبل، لقد سدت هذه النظم كل أفق مستقبلي، لذلك كان التصدي لها أمرا لا بد منه.

الربيع العربي أبعد ما كانت تتخيله الأنظمة

إن سنن الله في خلقه، وطبائع الأشياء التي بنى الله عليها هذا الكون لا تسمح باستمرار هذا الوضع، تماما كما أنها لم تكن تسمح باستمرار النظام الشيوعي على ما كان عليه رغم جبروت ذلك النظام وقوته الظاهرة، وامتلاكه لأسلحة قادرة على تدمير العالم بدون حدود.

والذي يدرك هذه السنن، ويعي طبائع الأشياء، ولا تعمي مظاهر القوة والجبروت بصره، ولا يعطل بصيرته طغيان أجهزة العنف التي تحيط بكل نظام من هذه الأنظمة، وأحزمة الحماية التي يوفرها النظام الغربي لهم، لم يكن يشك للحظة بأن الثورة قادمة، لكن السؤال كان دائما يتصل بالتوقيت والظرف؟.

متى تأتي هذه الثورة؟، وكيف؟، وممن؟ والاعتقاد أن هذه النظم عطلت فاعلية المعارضة المعروفة، وجففت منابعها الاجتماعية.

ليس صحيحا أن الدول الغربية بكل ما تملك كانت تعلم أو تتوقع، أو تضع في حسبانها بزوغ فجر الربيع العربي.

هذا كذب ومحاولة لتشويه هذا الحدث الشعبي الذي فاق كل التصورات، وهو كذب لا يقاربه إلا القول بأن القوى الغربية بقدراتها الاستخبارية والبحثية كانت تتوقع أن تنهار الكتلة الشرقية، أو أن تزول مرحلة الانقسام القطبي خلال فترة قصيرة جدا، وقبل ان يدخل العالم الألفية الجديدة.

إن أي نظرة أو قراءة أو فهم للربيع العربي يجب أن ينطلق من هذه الحقيقة، ثم من بعد ذلك يتم البحث ومحاولة فهم ما حدث.

 

 

 



إقراء أيضاً


التعليقات

إضافة تعليق

مقالات الأعداء

إستطلاعات الرأي

فيس بوك

إجمالي الزيارات

20,562,001