عـــــــاجل:      إستشهاد امرأة وطفلتين بغارة لطيران العدوان على منطقة بني صياح برازح

هل كان إبراهيم الحمدي ناصرياً؟!   الحلقة الاولى

البديل بقلم الأستاذ عبد الله سلام الحكيمي
2010-09-19 | منذ 7 سنة

بمناسبة الذكرى الــ 25 لحركة 13 يونيو التصحيحية:-                               

ربع قرن من الزمن مضى منذ قيام حركة 13 يونيو 1974م التصحيحية السلمية التي قاد دفتها الشهيد الوطني البارز إبراهيم الحمدي بكل تميز واقتدار فكرةً وبناءًا وتخطيطاً وإعداداً وتنفيذا, وهي الحركة الفكرية التي جاءت رد فعل للإنفلات والفساد والفوضى المستشرية في مختلف مجالات الحياة واكتسبت مشروعيتها ودستوريتها استناداً واستجابة لطلب السلطة التشريعية من الجيش بتحمل مسئوليته الوطنية إثر استقالة وانهيار سلطات الدولة وسد الفراغ السياسي الناشئ عن ذلك.

وانقضى من الزمن 22 عاماً إلا بضعة أشهر منذ استشهاد القائد الوطني البارز إبراهيم الحمدي بعملية اغتيال غادرة ومعه عدد من زملائه القادة في 11 أكتوبر عام 1977م.

وعلى الرغم من قصر الفترة الزمنية التي تولى الحمدي الحكم, خلالها,وهئ لا تزيد عن ثلاث سنوات إلا بضعة أشهر إلا أن تلك الفترة رغم قصرها ومحدوديتها في حساب الزمن استطاعت أن تضرب بجذورها عميقة وراسخة في الساحة الوطنية والوجدان الشعبي وخلفت وراءها من النتائج والآثار والبصمات الإيجابية المشرقة التي لا تزال ماثلة وحاضرة حضوراً حياً ومتجدداً ومتألقاً في وجدان وعقل الشعب اليمني حتى الآن.

ولسنا هنا بصدد دراسة وتحليل وتقويم فترة حكم إبراهيم الحمدي القصيرة جداً والغنية جداً في آن معاً, ولا نحن بصدد دراسة وتحليل أسباب وعوامل ظاهرة تواصل الحضور القوي والحيوية المتجددة لتلك الفترة على قصرها فحيز مقالة صحفية كهذه لا يسمح لنا بالقيام بذلك, وإنما اكتفينا بمجرد إشارة عابرة خاطفة لحركة يونيو التصحيحية وقائدها الحمدي وفترة توليه الحكم لمدة قصيرة جداً زمنياً, كمدخل وتوطئة منطقية لتناول موضوعنا الأساسي حول علاقة الحمدي بالتنظيم الناصري السري آنذاك وطبيعة تلك العلاقة وأهدافها.. ذلك أن كلاماً كثيراً قد قيل وكتب, ولا يزال, حول حقيقة تلك العلاقة وطبيعتها وأبعادها ومراميها, تعددت فيه الرؤى وتباينت تبايناً كبيراً,

وفي اعتقادي, أنه آن الأوان الآن, وبعد مضي ربع قرن من الزمان على قيام حركة 13 يونيو 1974م واستشهاد قائدها بعد ثلاث سنوات ونيف, لتبيين حقيقة وطبيعة تلك العلاقة ووضعها في إطار سياقها التاريخي الصحيح.. وبما أن الأقدار قد جعلتني واحد من شهود الحال الذين عاشوا وعايشوا تلك الفترة والعلاقة معايشة فاعلة ومباشرة, فإن الأمانة والمسئولية تفرض عليّ لزاماً الإدلاء بشهادتي حول تلك العلاقة بأقصى قدر مستطاع إنسانياً من التجرد والموضوعية توخياً للحقيقة وخدمة للتاريخ فهما وحدهما وليس شيئاً سواهما هدفي وغايتي...

إن العلاقة التي جمعت بين إبراهيم الحمدي والتنظيم الناصري لم تنشأ دفعة واحدة ونتاج موقف واحد بعينه وإنما تكونت بفعل تراكم وتنامي وتبلور معطيات وأشكال وأساليب عمل متعددة عبر مراحل متدرجة.

فقد كان التنظيم الناصري آنذاك بحكم طبيعته المرحلة السائدة, يمارس نشاطه في ظل أقصى درجات السرية في اسمه ووجوده وحركته, وهذا الظرف الموضوعي كان يفرض توخي أعلى درجات الحيطة والحذر والتكتم لحماية الوجود وكان الشهيد إبراهيم الحمدي يتولى قيادة دولة ومتولياً لمقاليد الحكم في البلاد, ووجود حزب منظم وسري كفيل بإثارة قدر كبير من القلق والمخاوف لدى النظام الحاكم ومن المعروف كقاعدة أن العلاقة بأية سلطة حاكمة وأي حزب منظم تكون دائماً علاقة تنافر عدائي لا تحسم إلا بتغلب أحدهما على الآخر خاصة إذا كان الحزب المنظم ليس حزباً حاكماً.

وهكذا عندما قاد الحمدي حركته التصحيحية في 13 يونيو 1974م واستلم مقاليد الحكم في البلاد بطريقة سلمية وبأسلوب تعامل حضاري وراق مع القيادات الحاكمة قبله مثل نموذجاً متفرداً في التغيير السياسي على مستوى العالم الثالث كله تقريباً, لم يكن التنظيم الناصري آنذاك تنظيماً يمتلك الحد الأدنى من القوة والقدرة على التأثير وتحريك الأحداث على مستوى الساحة, إذ كان تنظيماً يغلب على بنائه وتركيبه الطابع الطلابي الشبابي, ولم تكن الحركة التصحيحية حدثاً مفاجئاً للحركات السياسية وفئات المجتمع, بل كان التغيير متوقعاً ومطلوباً على الصعيد الوطني بإلحاح بالنظر إلى استفحال ظواهر الإنفلات والفوضى والتسيب والفساد في البلاد والتي بلغت ذروتها بانهيار سلطات الدولة جميعاً.. وقد وقف التنظيم الناصري شأنه في ذلك شأن جميع الأحزاب والقوى السياسية والاجتماعية في البلاد منفردة, وقفة دراسة وتحليل وتقويم لحركة 13 يونيو التصحيحية من حيث ضرورتها الموضوعية وقياداتها وتركيبتها وخلفياتها وبياناتها وخطابها السياسي والإعلامي, وخرج التنظيم الناصري في وقفته تلك ومن خلال قيادته في الداخل باستخلاصات رئيسية أهمها:-

1)  إن قيام حركة 13 يونيو كحدث تغييري, كانت ضرورة حتمية فرضتها طبيعة الأوضاع المتردية والمنهارة في البلاد, ولو لم تقم هذه الحركة لقامت حركة تغيير أخرى غيرها وإذا كان الجيش هو القوة التي تحملت مسئولية القيام بحركة 13 يونيو فلأن الجيش كان آنذاك كما هو الحال في كثير من دول العالم الثالث هو القوة المنظمة من دول العالم الثالث هو القوة المنظمة والمنضبطة الوحيدة في المجتمع المؤهلة والقادرة لامتلاكها عوامل القوة والحزم, على إحداث التغيير ولم تكن هناك أي قوة أخرى متبلورة قادرة على النهوض بمسئولية ومهام التغيير السياسي في البلاد.

2)  كانت شخصية قائد الحركة إبراهيم الحمدي تمثل حالة  متقدمة ومتميزة على مختلف الصعد السياسية والثقافية والفكرية والقيادية داخل المؤسسة العسكرية وخارجها, وكانت دراسة مراحل حياته السابقة تنبئ عن حالة من النبوغ المبكر والاستعدادات والملكات القيادية المتميزة والقدرات الثقافية المتعددة الجوانب والملكات الخطابية البارزة والتجارب السياسية الواسعة والاستيعاب الواعي للواقع والتاريخ, وعلى نحو أخص احتكاكه وتفاعله النشط مع الأفكار والتجارب الحزبية ذات الأفق القوي المتحرر.

3)  وكانت القيادة الناصرية آنذاك تمتلك قدراً جيداً من المعلومات التقويمية لحركة ونشاط إبراهيم الحمدي خلال مراحل سابقة لتوليه مقاليد الحكم في البلاد, تمحور في مجملها حول امتلاكه طموحاً واعياً بالتغيير إلى الأفضل وطاقة لا حدود لها على العمل الدؤوب المتواصل من أجل تحقيق أهدافه وغاياته, وخلق علاقات واسعة ومتواصلة مع شخصيات مختارة من شرائح المجتمع وخاصة المثقفين والطلاب والعسكريين ورجال القبائل والسياسيين وشروعاً في محاولة عملية لبناء شكل أو إطار منظم يستند ويعتمد عليه في بلوغ غايته وأهدافه في التغيير, هذا إضافة إلى دوره المتميز والفاعل داخل المؤسسة العسكرية ودفعها لتبني برامج تصحيح وتغيير شامل للأوضاع والمطالبة للسلطات تنفيذها وهي برامج كانت تعبر عن نضج وإدراك واستشراف لمعالم المستقبل المنشود.

4)  وجود الأخ/ الرائد عبدالله عبدالعالم ضمن أعضاء مجلس القيادة, الحاكم بعد حركة 13 يونيو باعتبار أنه كان أحد أعضاء التنظيم الناصري إبان فترة تأسيسه الأولى في النصف الأول من عقد الستينات, رغم معرفتها بذلك بعد عام تقريباً.

5)  وأخيراً فإن مضامين خطاب حركة 13 يونيو السياسي والإعلامي وخطب الرئيس الحمدي والتي كانت تتمحور حول شعارات وأهداف إيجابية مثل التصحيح والقضاء على الفساد وبناء دولة النظام والقانون وإقامة التعاونيات الأهلية ومحاربة صنوف وأشكال النعرات والتعصبات المناطقية والطائفية والقبلية كلها وغيرها كثير كانت تعبر عن مطامح وتوجيهات ومطالب شعبية عامة وشاملة.

كانت تلك إذاً أهم الاستخلاصات التي خرج بها التنظيم الناصري من دراسته التحليلية التقويمية لحركة 13 يونيو, غير أن هذه الاستخلاصات وغيرها, وتوخياً للدقة, لم تبلور وتتخذ من قبل قيادة التنظيم كموقف تنظيمي رسمي يحدد حركة التنظيم وتوجهه السياسي, بل تم التوصل إليه عبر سلسلة من اللقاءات والاجتماعات والحوارات بعضها تنظيمي رسمي وبعضها الآخر تلقائي ثنائي وعام, ورغم ذلك إلا أن التحرك التنظيمي والسياسي للتنظيم سواء مع أعضائه أو خارجهم كان يتم بشكل أو بآخر ضمن الإطار الواسع لتلك الإستخلاصات.

وعلى ضوء هذه الرؤية الأولية العامة تجاه حركة 13 يونيو التصحيحية وقيادتها ممثلة, أساساً بشخص إبراهيم الحمدي, شرع الناصريون في التحرك والتعامل مع الحركة بأساليب ووسائل متعددة ووفق مراحل متدرجة محسوبة, ويمكننا بلورة وتحديد أساليب ووسائل ومراحل ذلك التحرك والتعامل ضمن إطار ثلاثة أساليب أو ومراحل رئيسية هي:

أولاً: أسلوب أو مرحلة الاقتراب بهدف الاستكشاف والتعرف.

ثانياً: أسلوب أو مرحلة الحوار بهدف الإقناع والاقتناع.

ثالثاً: أسلوب أو مرحلة العلاقة وطبيعتها..

وقبل الدخول في تفاصيل نتائج هذه الأساليب أو المراحل الثلاث ينبغي تسجيل عدة حقائق أساسية وهامة لأنها تساعدنا كثيراً في استيعاب وفهم موضوع علاقة الحمدي بالناصريين بوضوح أكثر وتحديد أدق وهي:-

1)  أن التنظيم الناصري في اليمن آنذاك كان جزءاً لا يتجزأ من تنظيم قومي واحد يمثل الوطني العربي تحت اسم "الطليعة العربية", وكان التنظيم الناصري في اليمن يطلق عليه اسم, "الطليعة العربية, فرع إقليم اليمن".

2)  إن التنظيم القومي "الطليعة العربية" كانت له قيادة قومية واحدة ولكل فرع من فروعه في البلدان العربية قيادة فرع وكانت القيادة القومية مسئولة مسئولية كاملة عن قيادة وتوجيه نشاط وحركة التنظيم بمختلف فروعه ومستوياته, خلال وعبر قيادات الفروع.

3)  ظل التنظيم القومي قائماً خلال مرحلة ما بعد رحيل الزعيم الخالد جمال عبدالناصر, برغم التغيرات والتكيفات التي طرأت على علاقاته وحركته وخاصة بعد ضرب وإنهاء "التنظيم الطليعي" في مصر والذي كان يطلق عليه اسم "طليعة الإشتراكيين" على الصعيد العلني, في حين أنه كان يمثل فرع "الطليعة العربية" في مصر.

4)  إن كلمة "الناصرية" ومصطلح "ناصري" كان من شبه المحرم استخدامه أو اعتماده كتسمية وصفه للتنظيم القومي "الطليعة العربية", أو فروعه أو أعضائه, وذلك لأن جمال عبدالناصر صرح أكثر من مرة أن كلمة "ناصرية" أطلقتها القوى الاستعمارية لتشويه حركة الثورة العربية والقومية وحصرها باسم شخص واحد.

5)  إن الوثائق والأدبيات الفكرية والسياسية التي تبناها التنظيم القومي وفروعه وأعضائه واعتمدت أساساً للتثقيف كانت تتحدد في فلسفة الثورة لجمال عبدالناصر والميثاق الوطني للإتحاد الإشتراكي العربي في مصر وبرنامج 30 مارس 1968م عقب نكسة 5يونيو1967م في مصر, وكان التنظيم القومي قد شرع في محاولات لصياغة ميثاق قومي يكون أساساً فكرياً وأساسياً له على المستوى العربي القومي ولكنه لم يستطع إنجاز هذه الوثيقة بالغة الأهمية حتى الآن.

6)  إن شعارات النضال القومي العربي التحرري الواردة في الميثاق الوطني لمصر عبدالناصر والتي اعتمدها التنظيم القومي "الطليعة العربية" شعارات لحركته ونضاله كانت تتمثل في الحرية والإشتراكية والوحدة, وهي لا تزال مرفوعة حتى اليوم بالنسبة للناصريين.

بعد هذه الحقائق الأساسية المهمة التي رأينا ضرورة تسجيلها ابتداءً لتمكننا من تحقيق فهم وإدراك أفضل وأكثر وضوحاً وتحديداً لموضوعنا حول حقيقة وطبيعة علاقة الحمدي بالناصريين في اليمن.. نستطيع الآن الدخول في تفاصيله عبر أساليبه أو مراحله الثلاث, ولنبدأ بالأسلوب أو المرحلة الأولى وهي الخاصة بالاقتراب والاستكشاف والتعرف وهو ما سنتناوله بإذن الله تعالى في الحلقة القادمة فإلى اللقاء.

حلقات قديمة من موقع الحكيمي

 



إقراء أيضاً


التعليقات

إضافة تعليق

مقالات الأعداء

إستطلاعات الرأي

فيس بوك

إجمالي الزيارات

19,091,963