الضبياني العروبي والأخرس الماركسي

البديل خاص بقلم/ سامي الأخرس
2010-03-25 | منذ 8 سنة

قبل الولوج بالمقال ومناسبة كتابته، باغتني صديقي الأروع العروبي اليمني بعبارة ألمتني جداً وتركت بنفسي شيء من الغضاضة الأليمة التي لم أتمنى بيوم سماعها، عبارة تنم عن حالتنا العربية المهزومة والمنكسرة بعدما نالت منا كل عوامل التعرية البيئية وأصبحنا عرب على هامش العروبة، نتضامن ونتكاثف عاطفياً فقط، دون أن نشعر بهذا الانتماء العربي الذي ميزنا عن معظم الشعوب الأخرى التي توحدت وتكاتفت وتضامنت بأقل المقومات، أو الوحدة الجغرافية التي تربطنا سوياً كبلدان مزقها الاستعمار ونال منها الغزو الفكري والثقافي، ولكي لا أسهب في وصف هذه الحالة التي لا تخفي عن أي عربي، استوقفتني جملة من صديقي الرائع " عمر الضبياني" يقول لي بها عذرًا على التدخل في الشؤون الداخلية الفلسطينية، وهنا أصابنا المحظور حيث أن البلدان العربية لا خصوصية إقليمية أو أثنية لها كوننا نشترك باللغة والدين والعادات والتقاليد، ويربطنا الدم الأصيل الذي يسري بشرايين الحياة على هذه الأرض.
ففلسطين كباقي بلدان هذه البقعة الجغرافية هي جزء من أمة واحدة موحدة مزقها الاستعمار لتمرير مؤامراته، وتحقيق مشروعه الاستعماري الأكبر في تفتيت هذه الأمة، ونهب خيراتها، وتقزيمها وإضعافهاـ، ليتمكن من السيطرة عليها كما هو عليه الحال حالياً. ولذلك فإن كانت فلسطين ذات خصوصية قطرية فهذا ينطبق على كل الأـقطار العربية، ولكن الحقائق على الأرض تتنافي وهذا الفهم، وهذه الرؤية ففلسطين جزء من الأمة، وهم من هموم كل مواطن عربي، ومسلم، حالها كحال أي قطر عربي آخر.
أما مناسبة هذا المقال فهي حوار طويل بيني وبين صديقي الضبياني حول مقال " حذاري من انتفاضة ثالثة" حيث باغتني الصديق عمر بالقول أنه حذف تعليقات قاسية ضدي منها من يتهمني بالعمالة، ومنها من يتهمني بالتساوق مع عباس، والآخر من يتهمني بالماركسية وإنني ضد مشروع حماس بقطاع غزة، ورفضت مبدأ حذف التعليقات، بالرغم من أنها تصدر من أشخاص لا يدركون من حقيقة الأمور سوى الطبل والتزمير والهتاف، وهم على ثراء فاحش من الحرير معظمهم يتلذذ بنفط الخليج، والآخر بعواصم أوروبا، يتكرشون ويتلذذون وعندما يعودون من رحلة التلذذ يتذكرون واجبهم اليومي الغناء على آلام الشعوب والمزاودة على الآخرين، يريدون الحسنتين " الحياة، والآخرة معاً" الحياة بالتعليم والعيش وترفيه الأبناء، وجمع المدخرات في أرصدة، ويمنون النفس بالسطوع في فضائيات ومهرجانات وخطابات، شعارنا دوما كعرب لا يرتقي لمستوى العفاف والضمير الحي، بل ينزلق للنفس البشرية الباحثة عن السخرية من عقول هذه الشعوب المغلوبة على أمرها، وتجد بكل شيء ما يفش خلقها كما نقول هنا في غزة، فلا يجدوا سوى حملة الطبول، الذين أضاعوا فلسطين بإعلامهم وصخبهم التهريجي، وأضاعوا العراق بنفس الصياغة والآلية، مرتزقة الإعلام الذين يجدوا به متنفساً لوسم أنفسهم بمسميات غريبة عجيبة، فلا عجب أن تسمع كلمة مناضل على شخص ما يعيش في قصور الحياة، ويجعجع، أو سيدة ما تعيش في أصقاع النفط وغيره وتوهمنا بأنها مقاومة.... ومناضلة وهي تهرول خشية من بلدها ويخرج لسانها ضد نظامها مثلًا أو ضد نظامه، فالمناضل من يصمد ويقول كلمة حق في حضرة سلطان جائر، أو من يحث أبنه على النضال ويعلمه أبجديات المقاومة بساحات الوغى وليس بأرصدة البنوك.
المثل يقول : " من يضرب بالسوط ليس كمن يعَد ضرباته" ولذلك فجيفارا البطل الأممي أدرك أنه لن يشعر بالفقراء والمظلومين وهو على كرسي السلطة وبملذاتها، فرفض شراكة رفيق نضاله كاسترو وألتحق بالمقاتلين لأجل الحرية والعدالة حتى التحق بالشهداء، سقط بالبندقية في ساحة المعركة، ولم يمسك قلمًا مخادعًا ويسخر منه بعقول الشعوب بشعارات النضال والمقاومة ...الخ.
معركتنا الحقيقة، ونحن دومًا نخشى الحقيقة لأنها تكشف عوراتنا، وتفضح عيوبنا، ولم نتعود كعرب على ذكر الحقيقة والإفصاح بها ومواجهتها لأنها، تسقط القناع عن وجوه كثيرة، تحسبهم أنبياء وهم فراعنه، لذلك نخاف الحقيقة ولا نواجهها مطلقًا، فنبدأ ننعت هذا بالعميل، وذاك بالخائن، ونوزع صكوك الغفران حسب نجاسة اليد الباطلة، وأنت ونصيبك بما يخرج لك من جعبة هؤلاء.
أبدأ مع ملاحظات أو نقاش أخي عمر حيث قال لي أنت بمقالك تقف بوجه الانتفاضة، وهنا أسأل أخي عمر عن أي انتفاضة تتحدث؟ لم يعد في فلسطين انتفاضة، فمنذ الانتخابات التشريعية سنة 2005م انتهت الانتفاضة فعليًا وعمليًا، ولم يعد لها وجود لأنها حققت المراد والهدف منها، حققت هدفها في تقسيم أراضي السلطة الوطنية وأهلها بين فتح في الضفة الغربية، وحماس في غزة ,أصبح شعب الضفة وغزة أسيراً لرجال جباية الضرائب في كلا الشطرين، أما من يحاول التحدث عن المقاومة فمصيره الاعتقال، أو الاتهام بأنه عميل، والسبب أن المقاومة شعار زائف كاذب للتكرش. كما تم الذكر في مقدمة مقالي هذا بأن هناك فئة تعيش بثراء النفط وعواصم أوروبا وتتحدث عن المقاومة وتدعي النضال، ولو تأملت جيدًا هؤلاء لن تجد لهم كلمة واحدة ضد الاحتلال مطلقًا بل كل كلماتهم وخطبهم ومقالاتهم تهدف لإذكاء روح الفتنة والقتل بين ألأخوة، والسبب أن مصالحهم ترتبط بذلك، ولكن بمقاومة الاحتلال فهم يخسرون، وتتشوه صورتهم المشوهة أصلًا، ودعني هنا أذكرك بشيء فالصهيونية واليهود بالعالم استطاعوا أن يجبروا ألمانيا للآن بدفع تعويضات لضحايا المحرقة النازية، لأن هناك من يطالب ويدافع ويرفع قضايا من جالياتهم المتناثرة في أصقاع العالم، أما كتابنا نحن أتحدى أي شخص منهم من تناول الأضرار التي خلفها الانتداب البريطاني والفرنسي والإيطالي على البلدان العربية، وهل يوجد من يتجرأ منهم على المطالبة بذلك؟ أتعلم لماذا لأنهم لا يمتلكون المواجهة إلا مع أحوال العرب وبلدانهم لأنهم يدركون أن هناك من يحميهم عندما يثيروا الفتنة، كما أن أقلامهم لا تمس الخليج بأي شيء لأن رزقهم هناك، ومستودع تكرشهم هناك.
إذن أخي عمر فالقضية أن من يتحدث عن انتفاضة فهذا كلام هراء هدفه ألأول والأخير المخادعة والتضليل للرأي العام العربي، وتحقيق التكرش لفئة ما.
القضية الأخرى التي طرحت وهي انتفاضة 1936م المشهورة بإضراب استمر لمدة ستة شهور، هذه الانتفاضة كانت تتويجًا لشرارة النضال ضد الانتداب، ولكنها انتهت بخطاب موجه للشعب الفلسطيني، يقول:" ادفنوا أمواتكم، واذهبوا لأعمالكم"، فهي؛ نعم مثلت رمزية كفاحية ضد الانتداب، ولكن لماذا انتهت؟ هنا السؤال الأهم، هل نحتكم للنتائج أم للأحداث؟ إن كنا نحتكم للأحداث فهذا شيء آخر، وإن كنا نحتكم للنتائج فهنا اسأل هل نزيف التاريخ لنرضى تفاهة المطبلين؟ فالتاريخ شاهد والحقائق قائمة والنتائج ها هي نعيشها.
" أنت ماركسي وتعارض المشروع الإسلامي في غزة" جميلة تلك العبارة ولا أريد نقاشها ايديولوجيًا خشية التيه في أمواجها، ولكن أناقشها من حيث الجانب الواقعي والعملي، فالماركسيون في غزة هم من وقفوا مع حماس في الانتخابات التشريعية عندما كانت حماس المقاومة كمشروع عملي، وانتفضوا على حركة فتح ذات المشروع السلمي، ودائماً ماركسيو غزة هم بصف أبناء شعبهم بغض النظر عن ملاحظاتي عنهم، وعن أدائهم السياسي والجماهيري، ولكن هل يمكن لنا أن نصفق لحماس السلطة وهي تقود شعبنا لعصور التحجر البشري، وهل يمكن السكوت عن المظالم والفساد الذي يعيشه سكان غزة الآن؟ فمن يعيش في غزة يدرك حجم ألألم والمعاناة والموت الذي يعيشه سكان هذه البقعة بعيداً عن صخب الإعلام وزباينته فغزة يا صديقي اليوم تعاني من ظلم وقهر لم يوازيه ظلم وقهر آخر، غزة المحاصرة اليوم تفتقد لكل شيء، من خدمات وأساليب حياة، وأصحاب نظرية الصمود عفى عليهم الزمان بمزايداتهم الخائبة، فنحن نقاتل لأجل الإنسان وليس الأرض، فإن أردنا الأرض بدون إنسان فهذا غباء مستفحل، فالله كرم الإنسان ولم يكرم الأرض، وجعل الإنسان هو التكريم للأرض، فلماذا أرض الحجاز مقدسة لأن الأنبياء أصحاب التقديس، ولماذا فلسطين مقدسة لأن الأنبياء أصحاب التقديس، فالأرض موروثة، والإنسان الوارث، وهذا الفرق بيننا وبين الغرب، فالغرب يكرم الإنسان ويحافظ على كرامته ولذلك فهو متحضر ومتقدم، أما نحن نقدس الحجارة ونترك الإنسان يهان ونستحق ما نحن عليه.
إذن فالحقيقة لا تحتاج لايدولوجيا لكي نكون صادقين، فالأيديولوجيا هي مفتاح الإخلاص لقضاياك وانتماءك، وليس ترفاً فكرياً نستلهم منه كينونتنا، وهي سلاح الصغار والضعفاء في تبرير ضعفهم وخضوعهم لجاهلية هُبل.
من ضمن نقاشنا أيضاً، أن صديقي عمر يقول لي لابد وأن تنتمي للفكر المقاوم، وهنا لي وقفة طويلة لن يستطيع هذا المقال أن يستوعبها ولكني سأختزلها بسؤال محدد، هل كان العراقيون العائدين مع أمريكا على حق لأنهم وقفوا ضد ما يسموه بالدكتاتور؟!!!! وهل الوقوف مع الحوثيين على حق بالرغم أن أهدافهم تقسيم اليمن؟!
فالفكر المقاوم هو الفكر الذي يحقق العدالة والحرية للإنسان، العدالة الاجتماعية، والحرية، والفكر المقاوم هو الفكر الذي يستنير من المقاومة نهجًا وخطابًا وممارسة، وهنا ما الفرق بين غزة والضفة؟ في غزة لا يقوى مقاوم واحد على إشهار بندقيته، وفي الضفة نفس الشيء، عباس صرح أن صواريخ المقاومة عبثية، والزهار صرح أن من يضرب الصواريخ مشبوه أمنياً، فما الفرق؟ وأين الفكر المقاوم الذي كفرت به يا عمر ؟!
الفكر ممارسة وليس شعار للسلطة والحكم، والانتماء للمقاومة انتماء جذري لا يتقلب مع زوابع المصلحة الشخصية، والحزبية.
وهنا سأسرد لك قصة لطيفة حدثت معي، في عام 1996م تم اعتقالي من قبل سلطة عرفات بتهمه التخطيط لاغتيال ياسر عرفات وقيادة جهاز عسكري يهدف للانقلاب على السلطة، واستمر الاعتقال لفترة ليست قصيرة، وليست طويلة، وكلما يواجهوني بالتهمة ابتسم ابتسامة ساخرة، أتدرك لماذا؟ لأنني أعرف أنهم يريدون مني التنازل عن مبادئي وقناعاتي، ولكن هم انكسروا وأنا استمريت بواقعيتي .
سأكتفي لهنا في هذا الجزء من الرد لأن ما طرح يحتاج للكثير من التوضيح، وربما يكون هناك جزء آخر
سامي الأخرس
24-3-2010م






إقراء أيضاً


التعليقات

إضافة تعليق

مقالات الأعداء

إستطلاعات الرأي

فيس بوك

إجمالي الزيارات

19,729,195