وحدة عربية -بدون غزو .. بدون فتح ..بدون حروب

البديل بقلم مخلص الخطيب
2010-02-19 | منذ 8 سنة

في يوم الـ (22 من شباط / فبراير 1958)، وبعد مشاورات دامت حوالي سنة، حصل استفتاء شعبي في مصر وسوريا، وقامت أول وحدة بين قطريْن عربيّيْن، تحت اسم (الجمهورية العربية المتحدة).
في شهرنا القدسي هذا، يثيرنا ويتحدانا (أحمد منصور) ونحن نصبر ونتحمّل... يبدو أنّ هذا المُقدِّم على (فضائية الجزيرة) اختصّ بدعوة بعض الحاقدين على الأمة العربية على برنامجه "شاهد على العصر" : فمن (جيهان السادات)، زوجة من استسلم وأدار ظهره لقضية العرب الأولى – قضية فلسطين-... إلى (جمال حمّاد)، أحد أجبن الشخصيات المصرية التي لم تجرأ بنقد عبد الناصر حياً، بينما لم يتوقف عواؤها عليه ميتاً... ثمّ إلى (أمين الجميل) ابن وأخ عميليْن لكيان الحثالات الصهيونية، وخصم لكل لاجئ فلسطيني في لبنان... إلى ما نشمئز من مشاهدته ومما يرويه (عبد الكريم النحلاوي)، أحد ضباط سوريا المتآمرين، نهاية خمسينيات/بداية ستينيات القرن الماضي..

. الضابط الذي تقرّب من المشير عامر، كسب واستغل ثقته، وقام بانقلاب الانفصال المشؤوم في 28 أيلول/سبتمبر 1961. « تـُهان وتـُثار وتـُـتحدّى مشاعر جزء كبير من مشاهدي قناة الجزيرة المؤمنين بانتمائهم العربي... ومسؤولوها لا يأبهون ! ».
 
برغم اعتراف النحلاوي بتعلـّق جماهير سوريا وجميع أفراد جيشها بالقائد عبد الناصر... برغم وصفه للقائد الراحل بأنه كان أمل الأمة العربية، لم يتوقف هذا الضابط التافه من تعداد أخطاء عبد الناصر حول قيام هذه الوحدة، متجاهلاًً أنها كانت « أول وحدة في تاريخ العرب قامت بدون غزوات وبدون فتوحات وبدون حروب »، ومتناسياً أنها كانت أول وحدة بين شعبيْن شقيقيْن بقيادة رجل (قدوة)... أما أحمد منصور فيُعيد النحلاوي إلى ما يهدف إليه هو، مردّداً : كل ما تمّ من أخطاء هو بعلم عبد الناصر "شخصياً" !
فالشخصان إسلاميان حاقدان على عبد الناصر حزبياً وعقائدياً : النحلاوي من إخوان مسلمي منتصف القرن الماضي بتطرف حذر، جبان وخفي، وأحمد منصور من متطرفي إخوان عصرنا الذي لم يُـغـَطـّ سوى حروب باكستان وأفغانستان وكوسوفو... إنهما من الحاقدين المتطرفين الذين يكيلون ما يمكنهم من اتهامات ضد القائد الراحل جمال عبد الناصر. « النحلاوي "شاهد على العصر" ؟؟ بدعوة من أحمد منصور... عجبي !! ».

ترقى النحلاوي، الضابط الإسلامي المسخ ، بفضل العلاقات المنافقة التي حاكها مع المسؤولين العسكريين الكبار، وشغل في (الجمهورية العربية المتحدة) منصب نائب مدير إدارة شؤون الضباط في القطر الشمالي للدولة الوليدة، بمعنى أن باعه كان طويلاً، فقام بتنقلات وترقيات وتعيينات ضباط الجيش السوري، مستغلاً ثقة المسؤوليْن المصرييْن كالمشير عامر والمشير علوي...
نقل ما أراد نقلهم من ضباط حياديين واشتراكيين حسب وصفه، وها هو يضع المسؤولية على كاهل الضباط المصريين... كان يُجيد إخفاء انتمائه للإخوان ولا يخفي امتعاضه مما يسميهم اشتراكيين، (يتحاشى لفظ بعثيين بسبب جبنه)...

كان حسين، ملك الأردن يدعم النحلاوي وحيدر الكزبري وغيرهما، لكسب محبة إنكلترا التي لم تنس تأميم قناة السويس والانتقام من عبد الناصر، وكانت السعودية تدعمه وتدعم رفاقه الأقزام بملايين الدولارات لتحقيق الانفصال...

« لم يكن النحلاوي سوى لعبة بأيادي خونة آل سعود وآل هاشم حين قام بانقلابه الانفصالي بمؤازرة زمرة مرتزقة من رفاقه، وها هو يحصل من أحمد منصور على -وسام- "شاهد على العصر" ! ».

بعد شهور من الانفصال، تم استبعاد النحلاوي هذا، من قيادة الجيش، كون بعض ضباط الجيش رأوا بما فعله مع شلة صغيرة العدد من الضباط، أمر لا يلبي مطامح الأكثرية المطلقة من مواطني الإقليم الشمالي الذين نزلوا للشوارع زرافات ووحدانا، مندّدين بالانفصال ومُطالبين بعودة الوحدة... سكن الندم بعض الضباط بعد أن شعروا أن الديمقراطية التي وعدوا بها ليست ممكنة التطبيق، فمؤيدو الانفصال كانوا من مشارب مختلفة ومتصارعة سياسياً وعقائدياً ودينياً : « إخوان مسلمون، شيوعيون، اشتراكيو أكرم الحوراني، إضافة لبعض الإقطاعيين والبرجوازيين والعائلات العشائرية... وعى بعض الضباط أن هذا التكتل ليس قابلاً للحياة، ولا يمكنه تحقيق الديمقراطية الموعودة ».
توجه فريق منهم إلى القاهرة يتوسل عبد الناصر بالسماح عنهم واعداً إياه، بإعادة الوحدة بانقلاب آخر، أو بتدخل عسكري من الجيش المصري، وكان رفض عبد الناصر قاطعاً، وأجاب ما بات مقولة ناصرية : (الوحدة التي ذهبت بانقلاب لا تعود بانقلاب... الوحدة يجب أن لا تفرض عسكرياً بل أن تكون نتاج إرادة شعبية)، وعاد الضباط بخفي حنين... حاول النحلاوي في آذار/مارس 1962 القيام بانقلاب ثان ضد رفاقه، وجدّده ثالثة في نيسان/أبريل 1962، لكنه أخفق... سُـرّحَ من الجيش ونـُـفيَ مع ثلة من رفاقه... « هذه البعوضة التي لم تنجز شيئاً، باتت "شاهداً على العصر"، بدعوة من المُقدّم الحاقد أحمد منصور... عجبي ! ».

إنّ ما يندى له الجبين هو أن أحمد منصور يريد "شهادة زور" بأي وسيلة كانت، تطعن بالقائد الراحل عبد الناصر... سأل منصور النحلاوي عن أسباب الانفصال، فقام هذا القزم "غير المعروف" بسرد وقح وعشوائي لأسباب الانفصال، قائلاً :
 
السبب الأول : عدم الإعداد والتحضير للوحدة بشكل جدّي
بجهل أو لعدم استشارته وعدم كفاءته، لم يذكر النحلاوي أن اللقاءات المصرية-السورية كانت قد بدأت في منتصف العام 1957، وتمّ الاتفاق على (الاسم الواحد والعلم الواحد والنشيد الواحد، والجهاز المركزي والجهاز التنفيذي ومجلس الأمة وتوزيع أماكن انعقاده، وعلى السياسة الخارجية للـ ج.ع.م... الخ)، وكذلك بُحِث موضوع توزيع المناصب العليا، وهذا ما حصل، فعًيّنَ الاشتراكي أكرم الحوراني نائباً لرئيس الجمهورية، ومُنحت عدة وزارات سيادية مركزية وتنفيذية لسياسيين سوريين كمصطفى حمدون وعبد الحميد السراج وغيرهما. « إن لم يكن هذا إعداداً في تلك الحقبة التحررية الخاصة، فكيف يتصوره النحلاوي ومنصور ؟ ».
 
السبب الثاني : كثرة تواجد الضباط المصريين في سوريا
وهنا لوحظ أن غباء النحلاوي أنساه أن من أهم فقرات الاتفاق على الوحدة هو (امتناع الجيش من التدخل بالسياسة)، وهذا كذلك يدل على تحضير الوحدة مسبقاً... ونظراً لأن سوريا كانت معروفة بانقلاباتها شبه السنوية، فتمّ تعيين كبار الضباط من جيش الإقليم الجنوبي لتحاشي حدوث أي حركة انقلابية... « وأين الإشكال إن نـُقل ضباط دولة واحدة من إقليم إلى آخر، من بلد إلى آخر، من جبهة إلى أخرى... ؟ ».
 
السبب الثالث : نـَدَم بعض الحزبيين من حلّ الأحزاب في القطر السوري
كان على القزم النحلاوي أن يفهم أن الوحدة كان مُعدّاً لها، ومن أهم بنودها هو (حلّ الأحزاب وقيام ديمقراطية الحزب الواحد التي كانت مُتـّبعة في تلك الحقبة التحررية)، كون ديمقراطية ذلك الزمن لم تكن مشرفة... فحكامها كانوا يطبقونها على شعوبهم في الغرب ويحجزونها عن شعوب الدول التي كانوا  يستعمرونها... دون نسيان أنّ قادة الأحزاب السورية قد وافقت على حلّ نفسها، من أجل قيام دولة واحدة. « فكيف يجزم النحلاوي، بهزة رأس مُوافِقة من منصور، أن حلّ الأحزاب هو أحد أسباب الانفصال ؟... عجبي ».
 
السبب الرابع للانفصال حسب النحلاوي : قانون الإصلاح الزراعي
أشهد أن كل الملاكين الصغار الذين يعملون في مزارعهم لم يطبق عليهم هذا القانون... غير أن بعض الملاكين الإقطاعيين أشاعوا أن تصفية المزارع باتت وشيكة بسبب هذا القانون، وبدأت الإشاعات تنتشر مُدّعية أن كل من لديه أرض سيفقدها، فأسرع البعض لبيع أراضيهم وأودعوا أموالهم في مصارف لبنان... وكم كان الفلاح مُـسْـتـَـغـَـلاً قبل هذا القانون المُنصف، كنت مرافقاً لولدي (عليه الرحمة) ورأيت بأم عيني إقطاعياً كبيراً، صاحب أراض زراعية، يطلب من فلاحه جرّ المحراث حين مرضت البقرة. « ألا يحتاج هذا الإقطاعي المستغل تأميماً لما يملك، دون معرفة الطريقة التي أوصلته للملكية ؟ ».
 
السبب الخامس الذي ركّز عليه النحلاوي هو : قانون التأميم
لا بد من التنويه إلى أن الإقطاعيين المستغلين الشرهين من أصحاب المزارع الصغيرة أو الكبيرة، هم الذين أشادوا مصانع ومعامل على أكتاف العمال... جزم النحلاوي أن أصحاب المؤسسات التي تمّ تأميمها هم، بنسبة 25%، مواطنون عاديون ساهموا بما ادخروه وفقدوا كل شيء، كان ذلك الجزم من أكبر ما اجتره كذباً، فنظام المساهمة (La Participation) منذ الجنرال ديغول، لم يتحقق ليومنا هذا في بلد كفرنسا، فكيف تمّ في بلد كسوريا بعيد الاستقلال ؟ لم تكن مساهمة المواطنين في تخطيط وتشييد وتسيير المصانع، من ثقافة سوريا والعرب.
كما كان تأميم المدارس الأجنبية الخاصة، الفرنسية والإنكليزية من الحضانة للثانوية، أمر حيوي ومستعجل، فطلاب هذه المدارس هم أبناء الإقطاعيين من مزارعين وصناعيين سوريين، وحاجة سوريا لم تكن باستيراد الفكر الاستعماري آنذاك عن طريق المدارس الأجنبية، بل كانت بتحضير أساتذة ذوي كفاءة، إضافة إلى شك الشعب والدولة بدور هذه المدارس الأجنبية والمهمات المناطة على كاهلها، فأمّمت. « العجيب أنّ النحلاوي قد ابتدع وكأنه مختص إجتماعي بالاحصاء، أن أصحاب الشركات التي أمّمت هم مساهمون من الشعب المدّخِـر، وهو الذي كان إنْ خرج من ثكنته، توجّهَ لنادي الضباط أو اجتمع في مكتب لتدبير مؤامرة تـُعطيه شهرة، والانقلاب في سوريا كانت الثقافة الأكثر يُسراً لتحقيق هدف الشهرة ».

لابدّ من التأكيد للنحلاوي ومنصور من أمرين هامين :
أولاً : أن جميع ملاكي الأراضي والمصانع لم يكن معهم سوى صك عقاري يثبت ملكيتهم، دون معرفة اسم بائع العقار، فقد مرّت سوريا باستعماريْن تركي وفرنسي ثم باستقلال وانقلابات... وما من أحد يستطيع أن يثبت ملكية هذا أو ذاك على أرض أو عقار أو مصنع، دون تقرّب من المحتل للحصول على صكوك الملكية. « كانت إجابة الإقطاعيين مستحيلة على مقولة : (من أين لك هذا ؟)، فقام بعضهم بمعاداة القانونيْن والوحدة وعبد الناصر».
 
ثانياً : كيف يمكن الاستغراب من قانون إصلاح زراعي وتأميم مصانع ؟ والنحلاوي وأقزامه يعلمون علم اليقين أنّ أهداف ثورة 23 يوليو قامت ضد الملكية والاستعباد والإقطاع، وأعلنت جهراً أن (الحرية كل الحرية للشعب، ولا حرية لأعداء الشعب)، وصنفت علناً، الإقطاعيين والمستغلين والخونة وأعوان الاستعمار كأعداء للشعب، دون مواربة أو مخادعة. « فهل الجهل والتطرف أعميا النحلاوي ومنصور، ليعتبرا أن مواطني الإقليم الشمالي قد تفاجئوا من هكذا إنجازات لصالح العامل والفلاح والموظف والمثقف الثوري والبرجوازية الصغيرة ؟ ».

للتذكير فقط، إنّ أبرز ما تمّ الحوار عليه خلال أكثر من ستة شهور، بطلب من الرئيس شكري القوتلي ومن كبار شخصيات سوريا السياسية آنذاك، كالحوراني والعسلي وعفلق والبيطار وغيرهم، وبموافقتهم يتلخص بـ : (نظام حكم رئاسي ديمقراطي لا تعددي. مجلس تشريعي واحد. علم واحد. جيش واحد. مساواة بالتعامل بين كل أطياف المجتمع. استفتاء شعبي على أسس الدولة الموحدة وعلى شخص الرئيس. حل الأحزاب السياسية الموجودة في البلديْن. منع الجيش من التدخل بالشؤون السياسية للـ ج.ع.م.)...

فليفهم النحلاوي ومعه منصور أن بند منع تدخل الجيش بالشؤون السياسية يعني أن الوحدة كان قد أعِدّ لها جدّياً، وأن هدفه هو تحاشي الانقلابات التي تؤدي لتخلف الوطن، دون نسيان أن تواجد ضباط مصريين في إقليمهم الشمالي لم يكن "هيمنة"، فهم كانوا في دولة واحدة بقطرين، أي في بلدهم، يُنقلون ويُعينون فيهما دونما تمييز. « إنّ انتفاضة الشعب السوري ونضاله من أجل عودة الوحدة لم تتوقف من الانفصال حتى وفاة الراحل عبد الناصر، أم أن "شاهد منصور على العصر" قد نسي ذلك ؟».
لعله من المفيد في مكان الجزمً أنه خلال شهر شباط / فبراير، تمّت كل الإجراءات العملية، بيد أنّ هذا لا يعني أن الشهور الستة التي سبقت هذا الشهر لم تكن شهور تحضير للجمهورية العربية المتحدة، كأول وحدة بين شعبين قامت بلا فتح ولا غزو ولا إكراه... لنعيد للذاكرة ما لقنونا إياه من تاريخنا المجيد ونتساءل :
* بعد كم غزوة وحّد سيدنا محمد (ص) أهل مكة ؟
* بعد القضاء على أي متمرد كذاب حقق أبو بكر وحدة جزيرة العرب ؟
* بعد كم معركة وتحكيم ومخادعة وخبث ودهاء وحروب دامية، حكم ووحّد معاوية ومن تبعه بلاد الشام ؟
* بعد كم انتصار وهزيمة وتفاوض مع الصليبيين، توصّل صلاح الدين لتحرير القدس وتوحيد ما يحيط بها ؟
« كان التوحد يحصل بحروب، فقلب عبد الناصر المعادلة، وجعل الوحدة تتحقق بإعداد واتفاق وشعبية منقطعة النظير، كما فعل حين وافق على فكرة الوحدة السلمية بين مصر وسوريا ».
* أبالتهجم على الدولة العربية الوحيدة التي قامت في تاريخنا، دون غزو ولا فتح ولا حرب ولا ضغط ولا هيمنة، سنقوم بتجهيز شبابنا وتوعيتهم وتعبئتهم من أجل تحرر فلسطين من المحتل الصهيوني ؟
* أبالترويج، عن طريق هذا البرنامج الانفصالي، سنمنع تجزئة العراق والسودان واليمن وفلسطين الضفة وغزة، ونتوحد ؟
* أبمشاهدة هكذا برنامج، سنشجع حكامنا على أن يتفقوا ؟
* أبتصديق ضابط قزم يحكي علينا سوالف كاذبة سنحقق أمانينا، بطرد المحتلين من العراق وبإيقاف الدماء في اليمن والصومال ؟
* أبهكذا برامج سنرفع راية الإعلام العربي لمركزه المرموق ؟
الحل آنياً، هو مطالبة فضائية الجزيرة بوقف هذا البرنامج، فلحرية التعبير ضوابط يجب احترامها، وعلى الجزيرة مشكورة، دعوة "شهود على العصر" ممن عاشوا وعايشوا تجربة الـ ج.ع.م، قبل وبعد الانفصال.

مخلص الخطيب
سوري الهوية، عربي الانتماء
محاضر جامعي في فرنسا


إقراء أيضاً


التعليقات

إضافة تعليق

مقالات الأعداء

إستطلاعات الرأي

فيس بوك

إجمالي الزيارات

20,561,999