كلمة الدكتورة نجلاء حماده في ندوة

2016-10-24 | منذ 6 شهر    قراءة: 1133899

كلمة الدكتورة نجلاء حماده في ندوة "مركز الحوار العربي"

حول كتاب الدكتور داوود خير اللّه:

من أجل غد واعد.. في الربط بين الجهد والنتيجة لبناء الدولة

 

أقام "مركز الحوار العربي" في منطقة العاصمة الأميركية، يوم 20-10-2016، ندوة خصصت للحديث مع الدكتور داوود خيرالله حول كتابه الجديد: "من أجل غد واعد.. في الربط بين الجهد والنتيجة لبناء الدولة". وقد تحدثت في بداية الندوة الدكتورة نجلاء حماده عن الكتاب وانطباعاتها حول مضمونه، فقالت في كلمتها:

cid:image003.jpg@01D22CA2.2DFA2CE0

يشكّل هذا الكتاب، بما يحتويه من معلومات وبحث وتحليل وتوصيات، جهدًا معرفيًا ووطنيًا كبيرًا.  وهو يشتمل على فصول تكمّل بعضها البعض تغطي قضايا مثل الاستبداد والفساد وتأثير النزعات الدينية في السياسة والقانون وفي التعبئة ضد المستعمر والمحتل كما في إعاقة التغيير والتطوّر والتحديث.  ويحتوي الكتاب على إضاءات على أمور آنيّة حدثت وتحدث في لبنان وسوريا والعراق، كالمحكمة الدولية التي أنشأت بعد اغتيال رفيق الحريري.  ويجمع بين طروحات الكتاب المتعدّدة رابطان يتخللان معظم فصوله: أولهما اعتبار التباعد بين الحاكم والمحكوم سببًا ونتيجة لكثير ممّا تعاني منه الشعوب العربية، وثانيهما حثّ خير اللّه  للنخب العربية على الاضطلاع بدورها الطبيعي ك"أداة التغيير الرئيسية"، عن طريق التركيز على اجتراح الحلول بدل الاكتفاء بتفنيد الإشكالات واستقصاء مسبباتها. 

وفي الدقائق المعطاة لي سأتحدّث عن بعض القضايا العامة التي يعالجها الكتاب، دون التطرّق إلى تناوله أحداثًا آنية. ولعلّ أهم هذه القضايا التواطؤ بين الأنظمة المستبدّة  والدين الظلامي من أجل استمراريتهما في السلطة والتسلّط.  فالإثنان يتضامنان للهيمنة على المجتمع العربي، بحجج سلالية أو قدسيّة يدّعيانها.  والاستبداد السياسي يتوعّد كل معترض أو محاجج بالسجن والقتل ممّا يخيف معظم الناس،ممّا يحمي الفاسدين من المساءلة، مهما تمادوا،  وممّا يسهم في نشوء ثقافة اجتماعية وسياسية تعيق أي تغيير أو تطوير للمجتمع.  وفي استعادته لأحداث الماضي، يبيّن خير اللّه أن المدّ السلفي التكفيري نشأ في سبعينات القرن الماضي واشتدّت سطوته بعد حرب أميركا على العراق.  وهو يظهره كمدّ ينكّل بمن لا ينصاع لأحكامه وفتاواه متّهمًا إياهم بالردّة، ممّا يعيق الإصلاح الديني ويخيف القادرين على الاضطلاع به.  ويتفق خير اللّه مع صادق العظم على أن كل نظام عربي مستبدّ "يسيطر على مؤسسات إسلامية ذات مرجعية محترمة مستعدة لإصدار فتاوى مفادها أن سياسات النظام هي في انسجام تام مع الإسلام."  (ص. 74).

ويلاحظ خير اللّه أن الدين استخدم كعجلة للتغيير، كما في التحفيز على محاربة المستعمر في الجزائر وفي مقاومة إسرائيل في لبنان، من جهة، كما استخدم في الإبقاء على الأنظمة الفاسدة والمستبدة، من جهة أخرى.  وهو يذكر أمثلة على الاتّجاهين النقيضين عند الفقهاء والمفكرين، أمثال المعاصر أبو العلاء المودودي القائل بأن "سيادة اللّه على سلوك الإنسان تسلب الأخير حريته" وغيره من المنادين بوجوب إطاعة ألي الأمر، من جهة، وعبد الرحمن الكواكبي وخالد محمد خالد، من طالبا على التوالي بإقامة حكومات علمانية وبفصل الدين عن الدولة، من جهة أخرى.

وكي يبرهن أن الإسلام الأصيل هو غير ما يدّعيه الظلاميون، يذكر خير اللّه أن الإسلام في أول عهده في نموذج المدينة المنورة، دعا إلى الوحدة بينما غدا في الحركات التي ابتدأت بعد وفاة عبد الناصر عنصر تهديم وتفتيت.  وفي كلامه عن هذه الحركات، يسوق خير اللّه ما يقوله ابراهيم شحاته من أن العضويّة المتزايدة في الحركات الإسلامية في مصر تعود إلى تنامي الأمية والهجرة من المناطق الريفية إلى المناطق الحضرية والهجرة من مصر إلى بلدان شبه الجزيرة العربية حيث تسود التفسيرات الأكثر تقييدًا للشريعة الإسلامية، وإلى الاتّساع المطرد للهوة بين التعليم الديني والممارسات اليومية مع عدم قيام محاولات جادة لتبني تفاسير حديثة تضيّق هذه الفجوة".  ومقولة شحاته هذه تذكّرني بما سمعته من  رضوان السيد في ثمانينيات القرن الماضي من أن الثورات الإسلامية الحالية هي في معظمها ثورات رعاع على النخب المسلمة، حيث تحاول الأولى فرض أساليب عيشها ومحدودية تفكيرها وتصوّرها للدين على الأخيرة.  فلعلها ثورات يصح فيها قول الحديث النبوي الشريف "اتبدّ بعد الهجرة؟ إنها لمن الكبائر".

وينحى خير اللّه نحو ما أوصى به النبي من توحيد وتحضّر، لكن ليس عن طريق الدين بل عن طريق ديمقراطية لا تتعارض مع الدين المنفتح على التغيير والتحديث والعقلنة الواعية للواقع، بعيدًا عن اعتبار الدين قانونًا أزليًا صالحًا، بحلّة وقيافة ثابتين، لكل مكان وزمان. 

وإذ يقرأ خير اللّه الأحداث الواقعيّة، يسوق الأمثلة الواضحة على أن كلا من الأنظمة المستبدة والفرق التكفيرية يخدمان مصالح العدو وتطلّعاته، إن مباشرة في التعاون معه، أو بشكل غير مباشر، في خدمة أغراضه في إبقاء العالم العربي في حال من التخلّف والشرذمة.  وقد سمعت مؤخرًا في أخبار تلفزيونية بمناسبة موت شمون بيريز وزير التربية الإسرائيلي يقول ما فحواه: "رغم أننا نعيش في منطقة تعجّ بالكوارث فنحن مرتاحون لمعرفة أن الدول العربية في طريقها للتفتت إلى قبائل بحيث لا يبقى في منطقة الشرق الأوسط منارة حضارية ودولة قوية إلا إسرائيل".

ورغم تحيّزه للديمقراطية، لا يغفل خير اللّه عن انتقاد استبداد الولايات المتحدة الأميركية، الديمقراطية المستقوية بكونها القوة الأكبر في العالم، إذ تملي إرادتها على القانون والعدالة، فتحمي إرهاب الدولة الذي تقوم به إسرائيل والذي تشارك هي فيه عن طريق تسليحها لها، فتحرص على أن يستهدف قرار الأمم المتحدة رقم 1373 ضد الإرهاب، الهيئات والأفراد والشبكات دون الدول، وإذ تصرّعلى وصم المقاومة اللبنانية بالإرهاب، رغم أن مقاومة المحتل هي حق يكرّسه القانون الدولي في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة كما يكرّسه القانون الإنساني الطبيعي.

ولعلّ وصفه لسلوك أميركا التي تستخدم حق الفيتو في كل مرة تستحق فيها إسرائيل إدانة المجتمع الدولي لها يضعف من موقف خير اللّه المطالب بالديمقراطية.  فأميركا المعتزّة بديمقراطيتها، والتي تروّج لأن تعتبر النصير الأول والأكثر فعالية للديمقراطية في العالم، تبدو غير أخلاقية ولا عادلة.  وهي بالنسبة إلى العالم العربي، العائق الأكبر في طريق حصوله على حقوقه وعلى احترام العالم لمقاوميه.  ورغم الفضائل الواضحة للديمقراطية كنظام يحوّل الشعب من رعايا إلى مواطنين ويشركه في صنع القرارات التي تحكم مصيره كما يحدّ من استبداد الحكام وبالتالي من استشراء الفساد وإضعاف سلطة القانون، فتعاطي الدولة الأميركية مع الشعوب العربية يشكّل وصمة لها وللديمقراطية التي تمثّل.  وهذا التعاطي يفسّر وقد يبرّر، إلى حدّ ما، مواقف وسلوك جماعات كثيرة في عالمنا العربي تعادي أميركا وتجرجر الخطى بدل أن تحثّها لاللحاق بركب الديمقراطية.

ومن التوصيات التي ترد في كتاب خير اللّه المطالبة بالعلمنة.  وما يراه الكاتب من أثر سلبي لاقتحام الدين للسياسة هو محق ومقنع.  فالتحيّز للدين والطائفة يشرذم المواطنين في بلد كلبنان يضم أكثر من ثمان عشرة طائفة، وهو، حتى في البلدان التي يتجانس مواطنوها دينيًا يعيق التطوّرعندما يكون فهم الدين ودوره متحجّرًا يتشبّث بفهم حرفي للنص وبقراءات عفا عليها الزمن تتعارض مع الواقع الراهن المعيش وتتناقض مع التوجّه الإنساني الخيّر.  فالتاريخ والحياة السياسية والاجتماعية دائمة التغيّر بينما يبقى الدين ثابتًا إن لم يطله الإصلاح والعقلنة والانفتاح على إيجابيات مستجّدة في حياة الناس.  وفي رأيي أنه حتى إذا اتّبع الدين مثال المدينة المنوّرة المنفتح والجامع، يبقى الجمع بين الدين والسياسة مسيء لكليهما.  وقد أظهر فرج فوده في أحد كتبه أن الخلفاء المسلمين، ما عدا عمر، كانوا إما مثل معاوية، ناجحون في السياسة وغير متدينين، وإما مثل علي متدينون وفاشلون في السياسة.  فكلما غزا الدين الثقافة، كأسلوب وتوجّه مسلكي يتعدّى التوصيات الأخلاقية الجامعة، كلّما أضعف من القدرة على التعاطي السياسي مع العالم، بما هو تعاط نفعي تلعب فيه معرفة الآخر وتقبّله ومحاورته دورًا أساسيًا.  والحوار مع الآخر يستحيل بنيويًا عندما ينطلق خطاب أحد المتحاورين من اعتبار ما يقوله منبثقًا من موقع قدسي ومن مرجعية مصدرها الذات الإلهية.  وهذه الاستحالة نواجهها في العالم العربي في الوقت الراهن، حتى بين معتنقي الدين الواحد.

أما الإشكالية الأكبر التي يطرحها خير اللّه في كتابه وينتهي في شأنها بتوصية أساسية فهي مسألة الانتماء أو الهويّة.  فانتماء الإنسان العربي حاليًا يبدو متأرجحًا بين العائلة-العشيرة والدين والوطن، الذي صنع الآخرون حدوده، وصولاً إلى القومية العربية كلغة وثقافة جامعة.  ومما تشتمل عليه هذه الإشكالية إجرائيًا اعتماد بعض الدول العربية أنظمة ديمقراطية مستعارة من الغرب، قوامها الفرد، بينما لا تزال الجماعات المختلفة، وفق معايير عديدة، تؤثّر في تكوّن هويات الأفراد وفي سلوكهم.

وفي توصيته، ينحازخير اللّه إلى الانتماء القومي العربي الذي يتعدّى حدود القطر- الوطن ولا يتعارض معه، مع التشديد على ضرورة تنمية الإرادة والفعالية الفرديين حتى لا تفقد الديمقراطية معناها وفعاليتها وحتى لا تشذّ عن أهدافها المبتغاة. 

وفي هذا الصدد، أود الإشارة إلى أمرين:

أولاّ:  أنه يصعب التمييز بين الانتماء الفكري أو الكلامي غير المؤثر في الإرادة والسلوك، الذي قد يعبّر عنه الفرد وبين المعتقد الأصيل الذي يحكم السلوك والعاطفة.  فمثلاً، لا بد أن يصدم المؤمن بالقومية العربية من وجود مجتمعات عربية لا تبدو معنيّة كثيرًا بأمر القضية الفلسطينية، فتهادن العدو وقد تنحاز له.  كما أن التجاوب الكبير مع الطروحات الطائفية والمذهبية الذي نراه مؤخرًا، حتى بين المتعلمين والمستنيرين، يضع علامة استفهام على مدى رسوخ القومية العربية في نفوس أبنائها.  وقد ذكر خير اللّه أن دراسة لزغبي انترناشيونال سنة 2002 وجدت أن القومية العربية كانت الغالبة في ما عبّر عنه الممسوحون من انتماء ثم عادت فوجدت في إحصائية لاحقة، بعد سنتين، أن الانتماء الديني غدا غالبًا.  فهل لا تزال القومية العربية هوية جامعة بالمعنى العملي المعبىء للجهد أم أنها فكرة جميلة نتداولها ولا نعمل بموجبها؟

ولعلّ كل من القومية والمواطنية يغدو مقنعًا في زمننا الحالي الذي تسود فيه القيم المادية والنزعة العملانية لو نادينا بهما من وجهة نفعية قبل أن تكون عاطفية.  والتناقض بين سلوك المواطن اللبناني، مثلاً، الذي يتأثّر وينفعل لدى سماعه فيروز تغني "بحبك يا لبنان" ثم يكسر القوانين ويرمي القمامة في الشارع ويتعدّى على حقوق مواطنيه يشكل مثلاً على التفاوت الكبير بين المواطنية  الرومنسية وبين المواطنية الفاعلة والمجدية.  والقومية قد تغدو أكثر إقناعًا وجاذبية عندما ينادى بها من أجل التكامل الاقتصادي وتوحيد القوى، وهذان يذكرهما خير اللّه، مما هي عليه عندما نستخدم وحدة اللغة والثقافة تعليلاً وحيدًا لها.  وقد يقتنع فوضويي لبنان بالسلوك كمواطنين صالحين وبالقيام بواجبات المواطنة من انتخاب ومساءلة والتزام بالقانون لو اقتنعوا بأن النمط الأخير من السلوك يحفظ حقوقهم ويسهّل أمورهم وتعاطياتهم الحياتية.

ثانيًا: أن الفردانية العربية، إن تبلورت وشجعت، قد تختلف عن الفردانية التي تتطلبها الأنظمة الديمقراطية الناجحة.  ففي تاريخنا يظهر أن العدالة والتعاطي الأخلاقي، المتباعد عن الغزو وعن الغرق الكامل في الحاجات والملذات المادية، نما في الفترات التي كان التركيز فيها على الجماعة، كما في العصور الأولى للإسلام.  وما نراه في بعض مجتمعاتنا الحاضرة هو أفرادًا سمحت لهم ظروف الانطلاق من الجماعة إلى الفردانية فاستبدوا وأمعنوا في السعي وراء الأهواء والملذات .  فكأن بعد الفرد عن الجماعة يعيده إلى البداوة الخشنة والوعي البدائي، وفق توصيف هيغل ووفق ما يحذّر منه الحديث النبوي.  فالفردانية لمن لم يعوا بعد أبعادهم الفكرية والروحية قد تؤدي إلى غير ما تتطلبه الديمقراطية أو تطمح اليه.

وفي النهاية، أحب أن أستجيب لتقريع داوود خير اللّه للنخب العربية على عدم اضطلاعها بمسؤولياتها في وضع الخطط من أجل تصويب المسار نحو مستقبل أفضل أو على الأقل من أجل مستقبل يعد بأن يكون أفضل.  وإذ أدلي بدلوي في هذا الصدد، أقتدي بمفكرين اؤمن بنظرتهما للسياسة والتاريخ.  أولهما غاندي، من ينصح المطالب بحق أو غاية أن يوظف الجهد في العمل على استحقاق ما يطلبه.  وثانيهما هيغل، من يعتبر نضج الفرد والمجتمع متوقّف على درجة وعيه لذاته.  فالذات البدائية ترى نفسها مادية فلا تعود تشبع مما يتطلبه الجسد.  وفي رأيي أن كثيرين من أبناء قوميتنا يبدون وكأنهم لا يزالون على هذا المستوى البدائي من الوعي.  فكيف نعمل على ارتقاء الوعي عندنا؟  أرى أن التربية والإصلاح الديني هما المنطلق.  فلو بقي تطلّع الناس إلى منتهى الأمل عبارة عن توق إلى حوريات وطعام وشراب لما عرفنا كيف نترك البدائية ونصل إلى مستويات أعلى من الوعي الحضاري، فكريًا وروحيًا.  والمؤشر على هكذا ارتقاء هو أن نصبح من منتجي الثقافة والعلم وليس مجرّد مستهلكيهما.  أتمنّى أن نبدأ بالإصلاح الديني بالتركيز الفكري على النواحي الخلقية والروحية من الدين، وكتاب الإسلام يحث "ذوي الألباب" على هذا.  وأتمنّى أن نتعظ بمعاني ورموز الأمثلة المذكورة في النص بدل الغرق في حرفيته.  فمن الصعب أو المستحيل الوصول إلى غد أفضل ما لم نصبح أهلاً له.



إقراء أيضاً


التعليقات

إضافة تعليق

مقالات الأعداء

إستطلاعات الرأي

فيس بوك

إجمالي الزيارات

17,666,106