عـــــــاجل:      تحليق كثيف لطيران العدوان فوق العاصمة صنعاء

د. عيدروس النقيب لـ(البديل نت): المبادرة الخليجية نصوص هلامية مائعة ومن وقعوا عليها تعرضوا لضغوط دولية قوية

البديل - خاص
2013-10-06 | منذ 4 سنة

قال الدكتور عيدروس النقيب رئيس الكتلة البرلمانية للحزب الاشتراكي اليمني ان اليمن واقع تحت وصاية دولية بعد ان فشل اليمنيون بصورة متكررة في إدارة أزماتهم والخروج منها بأنفسهم ، مشيرا الى ان الحضور الاقليمي والدولي في اليمن وان كان عيبا كبيرا الا انه بات كالشر الذي لا بد منه. وانتقد النقيب وبشدة المبادرة الخليجية وووصفها بالنصوص الهلامية المائعة وقال انه اقترح مع اخرين ربط المبادرة الخليجية اذا كان لا بد منها باعتزال العمل السياسي لكل من تشملهم الحصانة لكن ذلك لم يتم.

وكشف عيدروس النقيب في حواره مع (البديل نت) عن تعرض من وقعوا على المبادرة الخليجية لضغوط دولية قوية اجبرتهم على القبول بالنص الهلامي للمبادرة وهو ما دفعه لمقاطعة التصويت على مشروع المبادرة الذي وصفه بمشروع الجريمة.

البديل نت

أكد القيادي الاشتراكي بأن مستقبل اليمن يتوقف على الحل العادل للقضية الجنوبية، وأن الفيدرالية الثنائية هي الضمان الوحيد لبقاء اليمن كيانا واحدا بعيد عن هيمنة مراكز القوى ومخاطر التفكك والتشظي، كما حذ ر من  أن يأتي يوم يصبح فيه مطلب تقرير المصير منتشرا في معظم مناطق اليمن وأشار إلى أن  التباهي بالانتماء للكيانات الأصغر يعكس عجز الكيان الأكبر ـ الدولة ـ عن التعبير عن هوية كل اليمنيين.

وحول ما اذا كان بقاءه في الخارج منذ عدة اشهر ناتج عن موقف سياسي معين قال النقيب ان له عشرات الملاحظات والمواقف الاحتجاجية على اشياء عدة في اليمن تتعلق بالثورة الشبابية والتسوية السياسية وفي مقدمتها موضوع الحصانة، وتغييب شباب الثورة الا انه لم يرغب في تحويلها الى جدل سياسيا، موضحا ان تواجده في بريطانيا بسبب مشاكل صحية كبيرة بعد ان بينت الفحوصات الطبية انه يعاني من خلل في وظائف الكلى وضعف في نشاط القلب وانزلاقين في العمود الفقري فضلا عن السكر والضغط والكولسترول.

 

وانتقد النقيب اداء حكومة الوفاق الوطني ووصفه بالفشل مرجعا ذلك الى انشغال الحكومة ببرنامجين متعارضين وخضوعها لرأسين متواجهين، حد تعبيره.

 

كما تحدث د. عيدروس النقيب عن الاخطار المحدقة بالوحدة اليمنية والحوار الوطني وقيم تكتل احزاب اللقاء المشترك فضلا عن قضايا عديدة تجدونها في طيات الحوار التالي:

 

حاوره خليفة المفلحي 

- بداية كيف تقيم عمل مؤتمر الحوار الوطني الذي انهى فترته المحددة؟

أولا اسمح لي أن أشكر القائمين على موقع البديل نت هذا الموقع المحترم الذي يمثل واحدة من الصور الجميلة للاعلام الإلكتروني القائم على المهنية والحرص على تقديم المعلومة والخبر للمتابع على نحو مهني ودقيق وموضوعي.

بالنسبة لمؤتمر الحوار أعتقد أن المهم اليوم ليس الانضباط للوقت المحدد في النصوص أو المبادرات أو اللائحة الداخلية، المهم هو ماذا سينتج عن هذا المؤتمر وإلى أي مدى سيساعد في انتشال اليمن من مستنقع الأزمات الماوالية التي أوصلها إليه الحكام الفاشلون.

أعتقد أن مؤتمر الحوار حقق خطوات كثير مهمة أولها كسر قانون المحرمات والسماح باقتراب أصحاب الآراء المتباينة من بعضهم، والاستماع إلى بعضهم البعض، وثانيها كشف الغطاء عن عيوب ومثالب وعورات ظل مجرد الحديث عنها يدخل في قائمة الممنوعات، وثالثها انتزاع القداسة من أدعيائها وتقديم المشاركين في المؤتمر بصفتهم الأهم وهي المواطنة بعيدا عن الألقاب والأنساب التي إن لم تضر فهي لم تنفع قط، وفي تصوري أن مزيد من الانفتاح والقبول المتبادل بالمشاريع الأكبر والأوسع سيقرب المؤتمر من تحقيق الحد الأدنى من مبتغياته.

لا يمكننا تصور أن المؤتمر سيحل كل قضايا اليمن المعقدة والمزمنة بوصفة سحرية وإذا ما تصورنا محاولات البعض إعاقة أي توصل إلى حلول جادة نظرا لتضرر هذا البعض من تلك الحلول فإنه يمكننا تفهم أسباب تباطؤ أعمال المؤتمر، ومع ذلك ما زلت أراهن على إن المؤتمر (مؤتمر الحوار) هو الصيغة المثلى للخروج باليمن من معضلاتها المتراكمة وأزماتها المزمنة إذا ما خلصت النيات واتجه الساسة نحو المستقبل، وأداروا ظهورهم للماضي ومآسيه.

- وماذا عن المخرجات التي لم تتضح حتى اليوم رغم انقضاء المدة المحددة لأعمال المؤتمر؟
لا يمكن الرهان على أن مؤتمر الحوار سيضع حلول لكل المشكلات بمجرد انتهاء أعماله، أتصور أن على المؤتمر والمشاركين فيه تقديم الخطوط العريضة والرئيسية للعقد الاجتماعي الجديد، والذي في ضوئه يمكن تحديد شكل الدولة ، شكل نظام الحكم، العلاقة بين المركز والأطراف، شكلا النظام الانتخابي، معالجة المظالم السياسية والاقتصادية من خلال العدالة الانتقالية ونظام المصالحة الوطنية، وبقية التفاصيل ستكون من مهمات المؤسسات الرسمية التي ستتمخض عنها المرحلة اللاحق.

- استغرب الكثير من رؤية الحزب الاشتراكي اليمني لشكل الدولة والقائمة على دولة فيدرالية من اقليمين شمالي وجنوبي.. ما سر هذا التحول الذي وصفه البعض بالمفاجئ؟

كان العبد الفقير إلى الله قد طرح فكرة الفيدرالية الثنائية أثناء مشروع التشاور الوطني الذي أداره المشترك وشركاؤه منذ العام 2008م ويومها ووجهت بحملة مسعورة من قبل أفضل أصدقائي فضلا عن المختلفين معي.

علينا جميعا أن نتفهم عمق الجرح الذي تركته حرب 1994م لدى الجنوبيين، وهو ما يجعل الغالبية العظمى لا تشعر بالطمأنينة لأي مشاريع غامضة أو مطاطة أو قابلة لأكثر من تأويل.

الدولة الأحادية فشلت والفشل لم يكن في 1994م، بل إن الحرب هي نفسها أحدى نتائج فشل الدولة الاندماجية، ونحن الآن لسنا بصدد معاتبة أحد على شكل النظام المعلن يوم 22 مايو، لكن المشروع الوحدوي لو بدأ بخطوات تدريجية لكان اليوم قد حقق عوائد مثمرة على كل اليمنيين بيد إن الوحدة المرتجلة والمستعجلة وغير المدروسة كانت نتيجتها هذه الدولة المشوهة التي لا حفظت تلاحم الوطن ولا حمت مصالح المواطنين ولا حتى احتفظت بمستوى معين من السيادة والكرامة الإنسانية بسبب فشل من أداروها وحولوها إلى مركز لحصد الغنائم، بدلا من أن تكون مشروعا وطنيا لكل الوطن ولكل المواطنين، أعتقد أن الدولة الاتحادية الثنائية ستكون أداة لطمأنة طرفي المشروع الوحدوي، من ناحية ولحفظ البلد من التشظي والتفكك ومن ناحية أخرى لرد الاعتبار لضحايا الإلغاء والتهميش ووقف مسلسلات الاستحواذ والاستعلاء من ناحية ثالثة.

- ألا تخشون من ان تقسيم اليمن الى اقليمين شمالي وجنوبي سيكون مقدمة للانفصال؟
السؤال الأصلي هو هل هناك وحدة يمنية حقيقية، حتى نخاف من الانفصال، أو بمعنى آخر: هل البلد ليست في حالة انفصال، للأسف معظم أدعياء الوحدة يتحدثون عن وحدة الأرض (الجبال ، الرمال، السواحل وغالبا مصادر الثروة) لكنهم ينسون أهم عنصر في الوحدة، وهو الإنسان: الوحدة غائبة عنه، الانفصال بعد حرب 1994م ترسخ في النفوس، وفي الوجدان وفي العقل الباطن والواعي، لأن السلطة سلكت سلوكا انفصاليا بامتياز، يكفي أن تعلم أن أكثر من 160 ألف موظف مدني وعسكري وأمني (هم تقريبا 90%) من موظفي الدولة الجنوبية صاروا خارج أعمالهم وحل محلهم وافدون من المنتصرين، هذا وحده انفصال كامل أما إذا ما أضفنا إليه ما تعرض له الجنوب والجنوبيون من نهب وسلب وحرمان وتمييز فإن الانفصال يغدو مضاعفا، ولذلك ففي نظري علينا التصدي لعوامل الانفصال القائمة والحاضرة وليست المفترضة.

لقد قدمت الوحدة الاندماجية نتيجة مخيبة للمواطنين، وأعتقد أنه حتى المواطن الشمالي نفسه خسر كثيرا ًبسبب استفحال الفساد والطغيان واستئساد مراكز القوى بعد 1994م وتغول النافذين إلى درجة لم يعرفها المواطن في الشمال قط أما في الجنوب فبرغم عيوب النظام السابق فإن المواطن كان يشعر بأنه معزز مكرم حقوقه مصانة، يتمتع بالأمان والتأمين الصحي والاجتماعي، يعلم أولاده مجانا يحصل على العلاج المجاني والسكن شبه المجاني وفرصة العمل التي لا يضطر معها إلى ممارسة الرشوة والتملق، وحماية مصالحه من قبل الأمن والجهاز القضائي،  . . كل هذا خسره المواطن الجنوبي بين عشية وضحاها.

- هناك من يقول بانكم تحاولون العودة الى تمثيل الشارع الجنوبي بطرح مثل هذه الرؤية؟
الشارع الجنوبي لا يمكن احتكاره من أحد، والحزب الاشتراكي لو أراد احتكار تمثيل الجنوب ما تمسك بالتعددية الحزبية وأصر عليها وفرضها حينما كان  الآخرون يتهربون منها أو يماطلون بشأنها، بل إنه لو أراد استمرار السيطرة على الجنوب لما أتى أصلا إلى الوحدة المعلنة في 22 مايو. . . اليمن اليوم لم يعد يمن السبعينات والثمانينات، والتعددية الحزبية صارت حقيقة غير قابلة للتعديل أو الإلغاء واللاعبون السياسيون اليوم كثر، لكن الأهم أن لا يدعي أحد أنه هو صاحب الحق في احتكار الساحة لا في الجنوب ولا في الشمال،  والحزب الاشتراكي بالتأكيد ليس من هؤلاء الأدعياء، لكنه لا يمكن أن يتخلى عن واجبه الوطني والأخلاقي في الانتصار لقضايا المواطنين المقهورين وأصحاب الحقوق المهدرة وضحايا الحروب والتعسف والاستباحة.

- هناك قيادات جنوبية تتمسك بطلب اقليمين على طريق تقرير حق مصير الجنوب في وقت لاحق.. ما موقفكم ازاء هذه المواقف؟
الوضع في الجنوب ليس بيد قوة سياسية واحدة وكما قلت اللاعبون السياسيون كثر، وفي تصوري إنه من أجل تجنيب البلد الوقوع في مطب التفكك والتشظي ينبغي إزالة أسباب نزوع الناس نحو الرغبة في البحث عن هويات بديلة للهوية الكبرى، للأسف الشديد لم يستطع حكام 22 ما يو، ناهيك عن حكام 7/7 أن يبنوا منظومة حكم تعبر عن هوية جامعة لكل اليمنيين، وعندما يغيب الشعور بالانتماء إلى الكيان الكبير فإن الإنسان بطبيعته ككائن اجتماعي يبحث عن كيان بديل يعبر عن هويته وانتمائه، ولذلك نلاحظ التفاخر بالانتماء للقبيلة أو العشيرة، أو المنطقة، مقابل تضاؤل التباهي بالانتماء للوطن الأكبر، وفي اعتقادي أننا يجب أن نميز بين مطلب دولة اتحادية بإقليمين، وبين مطلب تقرير المصير، هذان شيئان منفصلان، إذا نجحت الدولة الاتحادية في التعبير عن هوية كل اليمنيين ستغني الناس عن مطالب تقرير المصير أما إذا ما أصرت مراكز القوى و(أهل الحل والعقد) على الاستمرار في الهيمنة على مصير البلد فقد نسمع أكثر من مطلب لتقرير المصير، ليس فقط في الجنوب، بل وفي مناطق شمالية كثيرة من تلك التي دمرها النهب والتهميش والتجاهل والإقصاء.

- في حال تم التوافق على الفيدرالية باقليمين شمالي وجنوبي .. ما وضع الجنوبيين في الشمال والعكس؟
هناك عدم فهم لمعنى الدولة الفيدرالية، بل هناك تشويه متعمد لهذا المفهوم، الدولة الفيدرالية ليست دولتين ولا نظامين بل هي دولة واحدة بأقاليم تساهم سلطاتها الإقليمية في تحمل المسئولية، أو هي نقل لكثير من الصلاحيات والسلطات من المركز إلى الأقاليم، وتخفيف قبضة المركزية على حقوق الأطراف في المساهمة في صناعة القرار وفي التنمية والخدمات، الدولة الفيدرالية لن تكون لها نظام تأشيرة أو احتكار التنقل أو بناء المصالح أو الا ستثمار أو الوظيفة الحكومية، هذه الأمور ستظل كما هي اليوم ما عدا ما أخذ منها بغير  وجه حق وهو ما تجب معالجته في إطار إزالة آثار السياسات الخاطئة، وأعتقد أن على السلطة أن تتبنى نهج سياسة التعويضات العادلة لكل المتضررين وفتح آفاق المصالحة الوطنية وبناء المصالح المشتركة لكل المواطنين وهذا ما يجعلهم يتمسكون بالدفاع عن المستقبل المشترك، أما وحدة السالب والمسلوب، والناهب والمنهوب، أو وحدة الجلاد والضحية فهي إلى زوال حتى لو جملت بأحدث وأقوى وسائل وأدوات التجميل، . . .وردا على سؤالك: سيكون وضع الجنوبيين في الشمال والشماليين في الجنوب مثل وضع ابن دبي في الشارقة أو ابن أم القيوين في أبو ضبي، أو ابن دلهي في حمومباي، أو ابن ميتشجن الأمريكية في نيويورك، أي مواطن كامل الحقوق والواجبات.

- هل تتوقع ان يخرج الحوار بحلول لمشاكل اليمن ام انه سيعمل على تعميق الجراح؟
حل مشاكل اليمن يتوقف على صدق النوايا والرغبة الجادة في مغادرة سياسات الخداع والاحتيال والنزوع إلى الهيمنة وتكريس المصالح الفئوية والمناطقية والقبلية مغادرة كل هذا والانتقال إلى مصالح الوطن العليا، التي ينال كل فرد وفئة وجماعة نصيبه منها وعليه فإن مخرجات مؤتمر الحوار الوطني يمكن أن تكون جميلة جدا في شكلها لكن جمالها هذا لا يساوي شيئا إذا لم تتحول إلى وقائع عملية على الأرض، أي ما لم تتحول إلى تشريعات وقوانين ملزمة للجميع، الكبار قبل الصغار، والحكام قبل المحكومين، الجراح يمكن أن تزداد عمقا إذا ما أصر البعض على اعتبار الأمر الواقع هو الحالة المثلى التي لا يمكن تغييرها، أو الاكتفاء بإجراءات مخادعة تفعل فعل المسكن المؤقت الذي يوقف الألم لبعض الوقت لكنه يجعل الجرح أكثر قابلية للتعفن والتعمق لأن هذا الأمر الواقع هو جرح كبير ينبغي أن يندمل ومجرد عدم معالجته يعني الإيذان بذهابه نحو الأسوأ.

- في ظل الاختلاف حول شكل الدولة بين القوى السياسية كيف يمكن الوصول إلى نقطة إلتقاء؟
كان الحزب الاشتراكي اليمني قد كرر مرارا سواء من خلال بياناته، أو وثائقه أو تصريح قادته وعلى لسان أمينه العام د. يس سعيد نعمان: أن الدولة الشطرية قد فشلت حتى في ظروف التركيز على السيادة الوطنية والدعم الخارجي السخي، كما فشلت الوحدة الاندماجية التي أوصلت إلى حرب 1994م وأدت إلى وحدة الحرب، التي هي وحدة بالإكراه وهي وحدة فاشلة بطبيعة الحال، وبالتالي فإن الخيار الأفضل لليمنيين هو البحث عن تسوية تاريخية تعبر عن الحالة الأمثل والأقرب للقابلية للحياة وهي الدولة الاتحادية التي تحمي الكيان الوطني من التمزق والبلد من الحروب والخصومات من ناحية وتحمي الأطراف من هيمنة المركز أو بالأصح الأقاليم من تسلط وتنفذ مراكز القوى والعصبيات المختلفة، أعتقد أن التخويف من الفدرالية بالتلويح بالانفصال هو محاولة للإبقاء على حالة اللادولة التي يلتهم فيها المركز، والنافذون ومراكز القوى المهيمنة، كل شيء وتبقى الأطراف ومعها السواد الأعظم من السكان مجرد ملحقات ومراكز جباية لصالح هذا المركز العاجز عن تقديم أي شيء لا للتنمية ولا للأمن ولا للمواطنة ولا للخدمات التي  يحتاجها المواطن.

- هل هناك أي نوع من الوصاية الإقليمية او الدولية على مؤتمر الحوار؟
يمكنك أن تسميها ما شئت، وربما كان العبد الفقير إلى الله هو أول من قال أن اليمن قد دخلت تحت الوصاية الدولية، وعلى العموم لقد فشل اليمنيون في إدارة أزماتهم والخروج منها بأنفسهم وأصبح وجود شركاء دوليين ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها في ظل الفشل المتكرر في إدارة أزمات ومشاكل البلاد، وعلينا أن ننظر إلى هذا الأمر وإن كان عيبا كبيرا على إنه كالشر الذي لا بد منه، لأن هناك عيب أكبر منه وهو انهيار اليمن ودخولها مرحلة التفكك والتشظي إذا ما استمر الحال على ما هو عليه، والأهم اليوم ليس وجود وصاية دولية من عدمه، بل المهم هو هل الشركاء الأقليميون والدوليون يقدمون ما يعود بالفائدة على الوطن والمواطن أم إن هذه الشراكة تلحق الضرر بالوطن وبمواطنيه؟ تلك هي المسألة.

- د. عيدروس.. هل ترى ان الوحدة اليمنية في خطر؟
للأسف الشديد هناك من يبحث عن الخطر على (الوحدة اليمنية) في مكان غير مكان الخطر الحقيقي . . . . الخطر على الوحدة اليمنية بدأ يوم إعلانها في 22 مايو وتوسع وتكرس أكثر فأكثر بعد الحرب نتيجة لتنامي نزعة الهيمنة والاستحواذ والغلبة، وغياب روح الشراكة الوطنية الحقيقية، الخطر على الوحدة يكمن في السياسات المعوجة التي اتبعت منذ العام 1990 وتفاقمت بعد 1994م، حيث جرى تغييب المواطن منها واستحوذت مراكز القوى على الثروة والسلطة والتحكم في توجيه دفة المسار نحو المستقبل.

علينا أن نتخلى عن النظرة الرومانسية للوحدة وكأنها معشوق جميل يتقاطر عليه الهائمون ويتبتل في محرابه المغرمون، الوحدة اليمنية ليست كائن خرافي معلق في الهواء بعيدا عن مصالح واحتياجات الناس، الوحدة اليمنية إذا لم تعاظم مصالح الناس فلا قيمة لها، لك أن تتخيل يا أخي أنهم يقولون لنا : كان المواطن قبل الوحدة لا يستطيع السفر من عدن إلى صنعا والعكس واليوم صار بإمكانه أن يتنقل كما يشاء. . . .، وكأن الناس نادوا بالوحدة وناضلوا في سبيلها من أجل أن يتنقلوا بين المدن اليمنية، الوحدة يجب أن يكون لها مضمون اقتصادي وإجتماعي وثقافي وتنموي وإنساني، يجب أن يشعر اليمني أن مكانته ومصالحة وقدراته تنامت بفضل الوحدة وليس العكس فهل حصل هذا؟ لا بالعكس المواطن البسيط لم يلمس إلا المزيد من الخسائر نتيجة للسياسات غير الحكيمة وغير الوحدوية وغير الحضارية، . .  لذلك، الخطر على الوحدة قائم حتى لو لم يكن هناك من ينادي بالانفصال، أما استمرار  هذه السياسات فهو سيؤدي إلى الانفصال الفعلي بعد أن تجسد الانفصال الوجداني والذهني والنفسي وتفاقم لدى الناس، أو بعبارة أخرى إن الدعوات إلى الانفصال ليست سوى انعكاس لانفصال آخر هو قائم بالفعل في السياسات والتعاملات والممارسات اليومية التي تكرست على مدى ما يزيد على عقدين من الزمان.

- بعد اعتذار الحكومة ،هل ترى ضرورة الاعتذار للجنوبيين بشكل خاص من القوى التي ساهمت في حرب 94 وتحديداً من حزبي المؤتمر والإصلاح ؟
الاعتذار الحقيقي للجنوب لا ينبغي أن يكون بيانا صادرا من هنا أو هناك بل إنه يتمثل في تغيير نتائج الحرب، وفي تصوري أنه كان الأولى قبل الاعتذار اتخاذ مجموعة من القرارات السياسية العاجلة التي تنصف الضحايا وتردع الجلادين، إن المعتذر هو طرف لا علاقة له بما جرى في 1994م، بل إن بعضا من أعضاء الحكومة هم من ضحايا 1994م، ثم إنه ليس بمقدور الحكومة أن تفعل شيئا ذا قيمة فعلية على الأرض من الاعتذار، علينا هنا أن نقدر القيمة الأخلاقية الرفيعة لموقف الحكومة والاعتذار الشجاع، بغض النظر عن ركاكة واهتزاز مضمون البيان الذي تضمنه، لكن الأهم من هذا هو إعادة الحقوق إلى أصحابها ورد المنهوبات لمن نهبت منهم، وإعادة الناس إلى أعمالهم وتعويضهم عن فترة الإذلال والمهانة التي تعرضوا لها، والأهم من كل هذا هو إجراء تصحيح معمق لمهوم الشراكة الوطنية من خلال رد الاعتبار لقيم المواطنة وتفعيل الحياة المؤسسية وإعادة الاعتبار لمن تم تخوينهم أو تكفيرهم أو اتهامهم في وطنيتهم، واستعادة ألق وروح وحدة اليمن التي وئدت بفعل الحرب، وفي هذا السياق سيكون من الذكاء والحصافة على القيادات الحزبية التي حضرت بقوة في الحرب ونتائجها أن تقر بخطأ ما فعلته، والأهم أن تعيد حقوق الناس إليهم وتثبت فعلا أن حرصها هو على اليمن وليس على الغنائم، أما أن أقتل أولادك وأنهب أملاكك وأسلبك مقتنياتك ثم أقدم لك مقابل كل هذا اعتذارا شفويا أو مكتوبا وأنا أحتفظ بممتلكاتك في مخازني فالاعتذار يغدو مجرد استخفاف بمشاعرك واستغفال لعقلك وإهانة لذكائك.

- برأيك لماذا لم ينجح الشباب في تكوين كيان مستقل قادر على إدارة الثورة بدلاً  من ترك فراغ سدته أحزاب المعارضة والقوى التقليدية ؟
لعلك لاحظت أن هذه تكاد تكون حالة لازمت جميع بلدان الربيع العربي، الشباب كانوا القوة الأساسية التي أشعلت فتيل الثورة والقوى السياسية هي التي أخذت تسيير دفة الأحداث، وهذا في نظري أمر طبيعي، لأن الشباب كان ملهمهم الروح الثورية الوطنية التغييرية، لكن غير المنضبطة لبرنامج سياسي محدد أو موقف نظري (لكي لا أقول أيديولوجي) واضح، لكنهم كانوا أكثر حماسا وراديكالية ونزوعا نحو التغيير الجذري أما الأحزاب السياسية (في أي بلد) فإنها تتصف بالقدرة على التنظيم وصياغة البرامج والمبادرات، ورسم السياسات في ضوء خبراتها السابقة، لكنها تتصف بالرتابة والمحافظة، بمعنى، انخفاض منسوب الثورية الراديكالية لديها وتلك هي المحصلة التي توصلت إليها معظم بلدان الربيع العربي، ليس صحيحا أن الثورات اختطفت، لكن الصحيح أن صانعي الثورات تراجع حضورهم في صناعة التغيرات اللاحقة بسبب غياب التنظيم (أو التنظيمات) التي تؤصل لرؤاهم وتعبر عن برامجهم وخطابهم السياسي، لكنني أتوقع نشوء قوى سياسية وتنظيمات سياسية جديدة تستلهم روح الشباب وتطلعاتهم، لأنه حتى التكوينات التي ظهرت هنا وهناك، هي ليست سوى انسلاخات، موجهة أو غير موجهة من القوى القوى السياسية التقليدية.

- هل هناك ثغرات أو مداخل قانونية يمكن من خلالها نزع الحصانة عن الرئيس السابق وبقية من شملتهم الحصانة بموجب المبادرة الخليجية أم أن العمل بها سيبقى نافذاً؟
الحصانة مخالفة قانونية وأخلاقية ودستورية، لكي لا أقول جريمة سياسية بحق الوطن والتاريخ، ولذلك فمن حق الشعب وبالذات المتضررين من سياسات أصحاب الحصانة المطالبة بإلغائها، وإنني هنا أدعو إلى تنظيم فعاليات وطنية شاملة ومتواصلة لمطالبة البرلمان (الراهن أو المستقبلي) بإلغاء هذا القانون (العار) على تاريخ اليمن، المتضررين من هذا القانون ليسوا فقط شباب ثورة 2011م بل إنه الشعب اليمني كله، في الشما لوالجنوب على السواء، هذا الشعب الذي سرقت أحلامه ووئدت ثورته ونهبت ثرواته وعبث بتاريخه وزورت حقائق هذا التاريخ وفي تصوري أنه طال الزمن أم قصر لا بد أن يأتي يوم تلغى فيه هذه الحصانة (العار) وترد الحقوق إلى أصحابها ويرد الاعتبار للضحايا ويدان المدانون ولو بعد حين.

– ولماذا وافقتم على هذه الحصانة وصوتتم لصالحها؟
أنا سأتحدث عن هذا الموضوع (لأول مرة) لقد اعترضت على فكرة الحصانة منذ طرحها أثناء مناقشة المبادرة الخليجية التي أعدها علي عبد الله صالح، وكنت مع الزميل حميد الأحمر وآخرين قد اقترحنا ربط مثل هذه الحصانة (إذا ما هناك ضرورة لها) باعتزال السياسة والحياة الوظيفية العامة من قبل كل من يستفيد منها، لكن يبدو أن الموقعين على المبادرة تعرضوا لضغوط قوية أجبرتهم على القبول بهذا النص الهلامي المائع، وكانت النتيجة ما نراه اليوم، يومها قررت عدم المشاركة في جلسة التصويت على هذا المشروع ـ الجريمة ـ وعموما أنا لم أحضر بعد هذه الجلسة أي جلسة للمجلس، وفي الحقيقة أنا لا أزايد على أحد هنا لكنني احترم تقديرات زملائي في اللقاء المشترك وفي البرلمان، وعلى من أقر هذا القانون أن يتحمل مسئولية النتائج المترتبة عليه.

ـ ما هي أبرز التحديات أمام مشروع الدولة المدنية وما مدى إمكانية تنفيذ مشروع فريق الحكم الرشيد بإلغاء مصلحة شؤون القبائل؟
مصلحة شئون القبائل ليست المعبر الوحيد عن غياب الدولة المدنية لكنها دليل على قبول الدولة في التعايش مع اللادولة، الدولة المدنية هي مجموعة مقومات أساسية ينبغي حضورها وجعلها جزء من حياتنا اليومية أهمها: التشريعات، المؤسسات، الثقافة المدنية والصرامة في تطبيق التشريعات والقوانين، وطبعا قبل كل هذا وبعده المواطنة المتساوية بين الناس، بلا تمييز بسبب الجنس أو العرق أو العقيدة أو الانتماء القبلي أو الفكري أو السياسي أو لون البشرة، أعتقد أن اليمن لن تصلح له إلا الدولة المدنية، التي هي عكس الحكم القبلي أو العسكري أو الطائفي، وهي أداة للخروج باليمن من ربقة الارتهان لمراكز القوى وأدعياء التفوق أو الوصاية على اليمن بسبب انتمائهم الجغرافي أو المناطقي أو حتى المهني أو الحزبي أو الثورية.

- هل يمكن للدولة العلمانية أن تكون حلاً يستوعب التنوع والتعدد للنعرات المختلفة الموجودة في المجتمع أم أن الدولة الدينية أقدر على ذلك وكيف يمكن تحويل هذا التنوع إلى عامل قوة كما في المجتمعات الغربية بدلاً من كونه عامل ضعف وتقسيم ؟
هناك شيطنة وتشويه لمفهوم العلمانية، مثل التشويه والشيطنة التي اتبعت مع مفهوم الفيدرالية، فهناك من يتعمد المساواة بين العلمانية والإلحاد، ويعتبر الحديث عن العلمانية يعني الكفر والارتداد، ويعرف هؤلاء (الذين يروجون لهذا المفهوم) أن أنصع مثال للدولة العلمانية على مقربة منا هو تركيا التي يحكمها من أكثر من عقد من الزمن حزب إسلامي عقائدي هو حزب العدالة والتنمية.

العلمانية لا تعني الكفر ولا تعني الإلحاد، العلمانية تعني فصل الدين عن السلطة، تعني الحرية الحقيقية لجميع المواطنين، تعني الاحتكام للقانون والدستور الذي يساوي بين المواطنين ولا يفضل أحد على أحد بسبب عقيدته أو مذهبه أو طائفته أو قبيلته.

قد لا يكون موضوع العلمانية هو القضية الملحة والعاجلة في اللحظة الراهنة فنحن أولا بحاجة إلى الدولة أولا وبعدها فلتحدد المقتضيات ومتطلبات المراحل اللاحقة مسألة مضمون هذه الدولة لكن بالتأكيد اليمن بتنوعه وتعدد مذاهبه وأطيافه السياسية لا يمكن أن يحكم بدولة دينية أو عسكرية أو قبلية وبالتالي فالمستقبل هو للدولة المدنية الديمقراطية، دولة المواطنة، دولة المؤسسات، دولة النظام والقانون.

التنوع الديني والفكري والطائفي والسياسي يمكن أن يكون عامل إثراء وازدهار وتطور للمجتمع إذا ما أدير إدارة حكيمة يتعايش فيها أصحاب المذاهب والطوائف والمنابر المختلفة وتتلاقح فيها الأفكار وتخصب فيها الإبداعات، لكن هذه التنوع يمكن أن يكون عامل تدمير وتفكيك إذا ما اكتسى عباءة التعصب والتمترس والعدائية بين أطيافه وأطرافه.

- ما حقيقة موقف الاشتراكي من ادراج جريمة اغتيال الرئيس الحمدي ضمن الجرائم السياسية في تقرير فريق العدالة الانتقالية؟
لا أعلم كثيرا من التفاصيل المحيطة بموضوع العدالة الانتقالية لكنني أعتقد أن العدالة الانتقالية يجب أن تتناول جميع الجنايات والأخطاء السياسية التسي شهدها الجنوب والشمال على السواء، وكنت قد تقدمت بمقترح أن تشمل كل ما يتعلق بالفترة منذ 1962م وأن تشمل هذه القضية أولا رد الاعتبار للضحايا ثانيا جبر الضرر للضحايا وذويهم، ثالثا إعلان الحقيقة للناس وأخيرا تجريم تكرار أي انتقام سياسي أو عقاب قائم على خلفية الخلاف السياسي.

- كيف ترى مستقبل اللقاء المشترك بعد أن زالت أسباب التحالف وبدأت مرحلة التنافس من جديد ؟
علينا أن نتفق أولا أن اللقاء المشترك ليس كيانا مقدسا وإنما هو تحالف سياسي عريض اقتضته ضرورات تاريخية وسياسية معينة، وأعتقد أنه ما يزال بإمكان اللقاء المشترك أن يقدم الشيء الكثير لليمن واليمنيين. . . . لا يمكن القول أن اللقاء المشترك التأم على خلفية الصراع مع النظام السابق فقط، فربما كانت تلك إحدى مهمات اللقاء المشترك حين تأسيسه، لكن هناك معركة أهم أمام اللقاء المشترك إذا ما اراد الاستمرار وهي معركة بناء الدولة، وهي مهمة أصعب وأخطر من معركة تغيير النظام او مواجهته، وبالتالي أعتقد أنه سيكون من مصلحة هذا التحالف ومن مصلحة اليمن أن يواصل اللقاء المشترك عمله المستقبلي لكن هذه المرة يجب أن تتغير الأسس وفي مقدمتها الاتفاق على بناء دولة كل اليمنيين وليست دولة لون أو حزب أو طائفة أو جهة أو منطقة، وعند إرساء مداميك هذه الدولة والتأكد من سلامة بنيانها، وإرساء مؤسساتها بعدها يمكن أن تأتي الظروف الجديدة بمتطلبات جديدة هي من سيحدد مصير هذا التحالف، . . لكن حتى في الظروف الراهنة إذا ما ارتأى أحد أطراف المشترك أنه يستطيع بمفرده تنفيذ برنامجه السياسي فلا عيب ولا ضير أن يعلن انسحابه من هذا التحالف مع يقيني أن التحالفات السياسية في اليمن تظل ضرورة ملحة لمواجهة نزعات الطغيان والاستبداد والانفراد بالحكم الذي ظل وما يزال معضلة اليمن الأبدية.

- ما مدى دقة القول بأن التجمع اليمني للإصلاح يهيمن على بقية شركائه في اللقاء المشترك وأنه يستخدمها (أحزاب التكتل)  لتنفيذ أجنداته الخاصة ؟

الحقيقة لا يمكن إنكار إن التجمع اليمني للإصلاح هو أكبر أحزاب اللقاء المشترك وأقواها قدرات مادية ولوجستية ومالية، وأكثرها قدرة تنظيمية، وهو بالمناسبة الحزب الوحيد الذي خرج من كل المعارك غانما ولم يخسر قط في أي معركة من تلك التي شهدتها البلد، . . . وعموما هو حزب له وزنه السياسي والاجتماعي الذي لا يمكن الجدال فيه.

موضوع الهيمنة لا أظن أنه موضوع وارد، لأن اللقاء المشترك له لوائح ومواثيق مبني عليها ويمكن لمن يرغب في الخروج عنها أن يغادر هذا التحالف، وطالما قبل الجميع بهذا التحالف فينبغي التمسك بضوابطه ومواثيقه ولوائحه.

هناك جزئية لا بد من التعرض لها وهي تتعلق في الأوضاع القائمة على الشراكة في الحكم وتتمثل المشكلة في وجود رغبة لدى البعض في الاستحواذ على أكبر قدر من مواقع الإدارة وصناعة القرار بحجج وأسباب مختلفة، في تصوري أن النهم إلى السلطة ليس فضيلة يمكن التفاخر بها بل ليس مكسبا يمكن الإثراء من ورائه ولا أفهم لماذا يتسابق البعض على المراكز الإدارية والوزارات والمحافظات والإدارات، في حين يفشل الكثير منهم في أداء 10% من المهمات المطلوبة منهم.

اليمن بحاجة إلى تعاون كل القوى السياسية للخروج بها من دائرة الأزمات وتطبيع الأوضاع وإشعار المواطن بأنه فعلا ينتمي إلى هذا الوطن وإن له مصلحة في هذا الانتماء وهذا لن يتم من خلال ماراثون التسابق على المناصب والاستحواذ على الوظائف بل بتقديم البرامج الملموسة للناس ورفع مستوى معيشتهم وتوفير متطلبات حياتهم الأساسية التي فشلت كل الحكومات السابقة في توفيرها واكتفت بتعويض المواطن بدعايات إعلامية فاضية.

هناك مشكلة تستدعي التوقف وهي مشكلة نتائج السياسات التي تلت حرب 1994م، وما تعرض له الجنوب والمواطنين الجنوبيين، هذا الوضع ربما مكن شركاء الحرب من بناء مجموعات عملاقة من المصالح بوسائل النهب والاستيلاء وجميع الوسائل غير المشروعة لا بل لقد أمعنت السلطات بعد 7/7 في إذلال الجنوب والجنوبيين والتعامل معهم كأعداء ومع الأرض والثروة كغنيمة.

هنا تكمن المفارقة، وهي الجمع بين ادعاء الثورية والانتصار للثورة من ناحية وبين استمرار بناء المصالح على أساس الفساد والنهب والاغتصاب، وعندما يضاف إلى هذا شعارت الورع والزهد والخوف من الله والتقوى وخشية عذاب الآخرة عندما تقترن بالتسابق على نهب الغنائم واستباحة الأراضي والمنشآت والسيطرة على التوكيلات التجارية (خارج السياق القانوني) فضلا عن عمليات الفساد غير المعلنة، فإن هذا يقدم الحزب (أي حزب يسلك هذا السلوك) على إنه عكس ما يعلن عن نفسه وهو بهذا وإن كسب ماديا لكنه يخسر كثيرا على الصعيد المعنوي وعلى صعيد السمعة والخيارات السياسية.

وعموما أعتقد أن الإخوة في التجمع اليمني للإصلاح يدركون أن تجربة الاستحواذ والهيمنة هي تجربة فاشلة، وفي اليمن حيث تجربة الشراكة خلال فترة عمل اللقاء المشترك قدمت دروس مثمرة يمكن استلهامها سيكون من المهم أن تتجسد هذه الشراكة خلال الفترة الانتقالية، التي قد تطول أكثر مما هو مرسوم لها في المبادرة الخليجية، أي حزب يتوهم أنه وحده يستطيع الهيمنة على الرقعة السياسية اليمنية أو الانفراد بالتحكم في توجيه دفة التغيير اللاحقة هو واهم حتى لو كان هذا الحزب فائزا بأغلبية 90% من السكان، وعلى اليمنيين أن يتعلموا من تجربة الإخوان في مصر.

- برأيك هل هناك تدخل إيراني فعلي في الشأن اليمني وبالحجم الذي يصوره خصوم إيران أم أنها مجرد فزاعة كفزاعة القاعدة تتيح من خلالها فرصة التدخل لأطراف أخرى ، وكيف تقيم رد الفعل اليمني ولهجة هادي نحو إيران
الجدران المتصدعة تجعل البيوت مفتوحة على كل الرياح والروائح الخبيثة والسامة، للأسف الشديد الذين حكموا البلد عرضوا كل جدرانها للتصدعات والتشققات المختلفة وجعلوا منها ساحة لمنازعات القوى الإقليمية والدولية، ليست إيران الدولة الوحيدة التي تجد لها أيادي خفية أو معلنة في اليمن، اليمن بفعل فشل حكوماتها وحكامها المتعاقبين ليست محصنة ضد التدخلات، هناك تدخلات تأتي من خلال الوسائل الناعمة، وهي تتحكم في سلوك ومواقف الحكام، وأطرف المواقف وأسوأها عندما دعا الرئيس (السابق) لعقد مؤتمر قمة عربي طارئ عن غزة، أثناء العدوان الاسرائليلي عليها، وبعد أن التم عدد من القادة العرب إلى الدوحة، اعتذر (صاحب الدعوة) عن الحضور وصار اسم اليمن نكتة على كل لسان لأن هناك من ضغط على الحاكم وربما هدده بملفات قد لا نعلمها.

أيران دولة إقليمية مهمة صحيح لا تربطنا بها حدود برية أو بحرية، لكن تربطنا معها روابط الجغرافيا والتاريخ والدين الإسلامي، وإيران تبحث عن أي وسيلة لكسب مساحات سياسية في الوطن العربي الذي يناصبها (أي إيران) حكامه العداء، لأسباب وبلا أسباب، وإذا ما وجدت ثغرة للتدخل أو منفذ للحضور فهي ستفعل، السؤال هو لماذا لا نسد هذه المنافذ ونردم الشروخ والتصدعات التي منها تتسرب رياح التدخل وروائحه، أعتقد أنه ليس من مصلحة اليمن معالجة العلاقة مع إيران من خلال الاصطفاف مع التحالف المعادي لإيران ومشروعها النهضوي والعلمي، لكن هذا لا يعني السكوت عن أي أنشطة تلحق الضرر بمصالح اليمن واليمنيين، سيكون من المفيد أن يتميز الموقف اليمني بالوضوح والاستقلالية والصراحة مع الأشقاء في إيران وليس بالضرورة من خلال المواجهة والمجابهة، فلا نحن سنضيف شيئا إلى ما تعانيه إيران من حصار ولا نحن سنخسر إذا ما طوقنا أسباب التصادم معها فنحن لا ينقصنا أسباب الصداع.

– في رأيك لماذا لم ينجح الحراك الجنوبي في الوصول إلى نتائج ملموسة على الأرض بالرغم من إنه أقدم ثورات الربيع العربي كما يقول قادته؟
من الإنصاف القول إن حركة الاحتجاجات في الجنوب والتي بدأت في العام 2007م وتنامت لتشمل كل الجنوب، واصطلح لاحقاً على تسميتها بالحراك الجنوبي السلمي ـ وهي عبارة فضفاضة تعبر عن عدم الاتفاق على التسمية ـ من الإنصاف القول أن هذه الحركة قد ولدت ونمت وكانت معظم الشعوب العربية ما تزال تعيش حالة من التعايش مع حكامها الطغاة، ولم يعد بمقدور أحد من اليمنيين اليوم تجاهل هذا الحضور الطاغي لتلك الحركة الجماهيرية العريضة التي تحتشد بالملايين للتعبير عن رفض سياسات السلطة التي اتبعتها تجاه الجنوب منذ العام 1994م.

أعتقد أن الحراك السلمي الجنوبي ألهم الكثير من الثوار العرب، وعلى الأقل ألهم شباب الثورة اليمنية في ارتياد الخط السلمي وتقديم التضحيات المتواصلة والتركيز على هدف التغيير، أما لماذا لم يحقق نتائج ملموسة فالأسباب كثيرة، وسأشير سريعا إلى نوعين من الأسباب:

النوع الأول يتعلق بطبيعة القضية الجنوبية ويتمثل في قداسة موضوع الوحدة لدى الكثير من القوى السياسية اليمنية والعربية لكن معظم هؤلاء لا يدركون أو لا يريدون أن يقروا بأن (الوحدة) الحقيقية قد انتهت وإن القائم اليوم هو وحدة الاحتلال والضم والإلحاق، وعلينا أن لا ننسى القمع المفرط الذي ووجه به الحراك وتقديمه آلاف الشهداء والجرحى، وما يفرض عليه من حصار إعلامي يمنع صوته من الوصول إلى الأوساط الإقليمية والدولية وتغييب الحقائق المتصلة بالوضع في الجنوب عن هذه الأوساط، كما إن خوف المحيط الإقليمي والدولي من تقسيم اليمن يجعل الكثير يغضون النظر عن مظلومية الجنوب خشية ما يترتب على تقسيم اليمن من تبعات قد تكون مفزعة بالنسبة لهؤلاء.

أما النوع الثاني من الأسباب فيتعلق بالعنصر الذاتي للحراك: وأهم ملامحه تتمثل في غياب المركز القيادي الواحد للحراك السلمي وتعدد منابره، وغياب البرنامج السياسي الذي يقدم القضية الجنوبية للناس بمضمونها وحقيقتها العادلة ومظلومية الجنوب والجنوبيين، وعدم الحرص على استقطاب الأنصار من كل اليمن والمحيط العربي، بل إن الخطاب الإعلامي البائس لبعض منتسبي الحراك الذي يقدم الشمال على إنه شر مطلق وإن الجنوب خير مطلق، أو إن كل الشمال ظالم وكل الجنوب مظلوم، بينما يعلم الجميع بأنه  لا ذنب لملايين المواطنين الشماليين البسطاء في ما تعرض له الجنوب من ظلم واستباحة وتهميش وإقصاء وسلب ونهب، إن هذا السلوك يجعل هؤلاء مثل المحامي الذي يدافع عن قضية عادلة بوسائل غير عادلة، أو كالمظلوم الذي يسلك سلوك الظالم، هناك بعض العجرفة والشطحات غير العقلانية لبعض المحسوبين على الحراك، وهناك خطاب ضعيف عند تقديم حقائق القضية الجنوبية، ويأتي الرهان على قيادات متقادمة كل ما يميزها أنها تلعن الماضي الذي ساهمت في صنعه في الجنوب، وتكتفي بإدانة الحزب الاشتراكي على قضايا قد أدانها هو نفسه وكانت (هذه القيادات) جزءا من صانعي تلك القضايا ليجعل حتى المتعاطفين مع القضية الجنوبية ينفرون من هكذا صنف من القيادات عندما يتخيلون أنها ستكون مسئولة عن الجنوب في مستقبله، كما إن غياب روح الابتكار في تنشيط فعاليات الحراك والاكتفاء بنوع واحد من الفعاليات هو المسيرات، والذهاب إلى (عصيان مدني) مفروض بقوة التهديد والسلاح في بلد لا تنتج شيئا ولا يخسر فيها الحكام من العصيان بقدر ما يخسر الأهالي والناس البسطاء، كل هذا جعل الحراك يتوقف عند نقطة واحدة دون أن يخطو خطوات أكثر نحو مزيد من الحضور وحصد النتائج الفعلية، ولو أن الحراك بكل فصائله ساهم في الحوار الوطني لربما قدم الكثير من الخدمة للقضية الجنوبية.

ومع كل ذلك فعلينا التمييز بين مشروعية وعدالة القضية الجنوبية وأحقيتها بالحل العادل وبين أخطاء الأفراد والجماعات الذين هم مثل سائر البشر يصيبون ويخطئون، وهو ما يجعلني أُؤكد أن مستقبل اليمن يتوقف على الحل العادل للقضية الجنوبية وبدون الحل العادل والمقنع لكل الجنوبيين فإن مستقبل اليمن كل اليمن يذهب باتجاه مجاهيل لا يعلم آخرها إلا الله وحده. 

- ما سبب بقائك خارج اليمن وإقامتك في بريطانيا منذ حوالي 6 أشهر وهل للأمر علاقة بتعليق عضويتك في مجلس النواب ، وهل يفهم من هذا أي نوع من الاحتجاج أو الرفض لسياسة ما أو التمهيد للبقاء في المنفى الإختياري ؟
من حيث الملاحظات أنا لي عشرات الملاحظات الاحتجاجية على أشياء كثيرة في اليمن تتعلق بالثورة الشبابية والتسوية السياسية وفي مقدمتها موضوع الحصانة، وحكومة الوفاق التي أعتقد أن سبب فشلها هو اشتغالها ببرنامجين متعارضين وخضوعها لرأسين متواجهين، وتغييب شباب الثورة أصحاب الفضل في قيام هذه الثورة، وهذا ما كنت تحفظت عليه منذ البداية لكنني لم أرغب في تحويله إلى موضوع جدل سياسي.

لكن إقامتي في بريطانيا تتصل بحاجتي للعلاج، لقد اكتشفت إنني طوال 58 سنة التي هي كل عمري لم أرقد في مستشفى ولم أخضع لتشخيص متكامل وبعد إجراء مجموعة من الفحوص اكتشفت أن لدي خلل في وظائف الكلى وضعف في نشاط القلب وانزلاقين في العمود الفقري فضلا عن السكر والضغط والكولسترول وهي أسباب كافية لاعتزال العمل والمكوث في المنزل، وأنا بانتظار استكمال برنامج العلاج وأستطيع القول أنني أساهم في الحياة السياسية اليمنية بوسائلي المتوفرة وبمستوى لا يقل عن ذلك الذي كان أثناء إقامتي في البلد.

- هل تجد نفسك سياسيا أكثر من أديب أم أديبا أكثر من سياسي ؟
يمكنني القول أنني لست سياسيا محترفا، كما لست أديبا متميزا، كلما في الأمر أننا نمارس الحياة، التي هي نفسها سياسة، أما الأدب فإنني في أحيان متباعدة أنفس من خلاله عن مكبوتات لا أستطيع أن أعبر عنها بالوسائل واللغة المباشرة أو قل هو طاقة مختلفة تعبر عن نفسها بطريقة مختلفة عن السياسة، أنا لا أجد نفسي في السياسة أو الشعر أو القصة القصيرة والمسرحية التي لي فيها العديد من الكتابات، يمكنني أن أجد نفسي في البحث الفلسفي التاريخي الذي تضاءلت حصته من اهتمامي في الآونة الأخيرة لكنني بصدد إعداد مجموع من البحوث الفلسفية في الفكر العربي الإسلامي ورواده في العصر الوسيط.

د. عيدروس النقيب في سطور

د:  نصر ناصر نقيب بن معبد

 

ـ من مواليد 21 يناير 1955م في منطقة العمري مديرية رصد –يافع محافظة أبين.

 

عمل في الحقل التربوي



إقراء أيضاً


التعليقات

إضافة تعليق

مقالات الأعداء

إستطلاعات الرأي

فيس بوك

إجمالي الزيارات

18,416,278