هيكل: مؤتمر نصرة سوريا أشعرنى أن مصر فى القرن الـ18.. و«مرسى» لا يملك قطع العلاقات مع دمش

البديل نت - الوطن المصرية
2013-06-22 | منذ 4 سنة

عندما تتلبد غيوم السياسة، وتتعقد الأمور فى الوطن، يكون الحوار مع الأستاذ ملاذاً لفهم الواقع والتنبؤ بالمستقبل، ففى هذه الحلقة الاستثنائية من حلقات الحوار الممتد الذى تجريه الإعلامية لميس الحديدى منذ بداية العام فى الفترات الحرجة «مصر أين وإلى أين؟» مع الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، على شاشة الـ«سى بى سى»، يقرأ «الأستاذ» الأزمة، قائلاً: إن مهمة أى رئيس الحفاظ على الوحدة الوطنية ومياه النيل باعتبارهما الركن الركين فى الأمن القومى المصرى، فى هذا الحوار قيّم الأستاذ أداء الرئيس محمد مرسى لأزمة مياه النيل التى وصفها بالارتجال الذى أخرج مصر من أفريقيا. وأكد أن شهر يونيو الحالى شهد 3 كوارث كفيلة بإسقاط أى نظام، تمثلت فى اجتماع «مرسى» بعدد من السياسيين حول أزمة سد النهضة، ومؤتمر القوى الوطنية حول أزمة النيل ومؤتمر «نصرة سوريا».البديل نت

وطالب محمد بديع، مرشد تنظيم الإخوان، بالخروج والاعتذار للشعب والاعتراف بأنهم تنظيم ليس له علاقة بالسياسة والانسحاب من المشهد.

 

* المشهد الراهن مرتبك فوضوى.. كيف ترى هذا المشهد بعد اقتراب عام على عهد الدكتور مرسى؟

- بأمانة شديدة، شهر يونيو الحالى يعتبر شهراً كاشفاً وخطيراً فى تاريخ هذا البلد وهذا النظام، وهناك 3 كوارث وقعت على مدار 3 أسابيع متلاحقة، كل واحدة منها تكفى لإسقاط نظام بمفردها، كانت البداية فى الأسبوع الأول من الشهر الحالى، بمؤتمر الحوار الوطنى لمناقشة أزمة النيل الذى أذيع على الهواء، وعندما شاهدته حزنت وأحبطت، وعندما جاء الأسبوع الثانى، فوجئنا بالمؤتمر الذى عقد بقصر المؤتمرات حول قصر النيل الذى بدأ بأغنية عن النيل وهذا غريب، ولا أعلم لماذا اختيرت هذه الأغنية، وانتهى المؤتمر بأن كل الخيارات مفتوحة، ولا أعلم لماذا استعار قصيدة ليس لها علاقة بالنيل وكان الأحرى أن يستعين بقصيدة لا تخطئها عين، وهى قصيدة أحمد شوقى الشهيرة عن النيل التى غنتها «أم كلثوم» وهى «أيها النيل»، بدلاً من استخدام قصيدة لا تمت للموضوع بصلة، وأرى أنه اجتماع غريب انتهى بعبارة غريبة، وهى أن كل الاحتمالات مفتوحة، وهى عبارة لا يملك أن يقولها ولا يملك أحد فى العالم أن يقولها، ثم جاء الاجتماع الثالث تجاوز فيه الرئيس الخط المسموح.

 

* هل هناك خطوط مسموح بها لأى رئيس؟

- هناك عدة مسائل، أولاها أنه لا يملك أى رئيس أن يتجاوز حدود الأمن القومى المصرى، والأمن القومى لأى بلد محدد باستمرار بالجغرافيا والتاريخ أو بالممارسات المتبعة التى لا يملك فرد أو نظام حتى أن يغير فيها، والأمن القومى المصرى يستند إلى الوجود فى سوريا والعلاقة بها لا تقبل المناقشة، وإذا خرجت من سوريا وفقدت التأثير على الوضع فى سوريا، ستخرج مصر من آسيا بالكامل، إضافة إلى انحسارنا فى أفريقيا، وأرى أنه اتخذ قراراً يخالف القرار الاستراتيجى المصرى يتعلق بالأمن القومى المصرى.

 

* قطع العلاقات مع سوريا؟

- لا يملك الرئيس أن يخرج مصر من سوريا، ومن أغرب الأمور التى حدثت أن الدولتين الكبار اجتمعتا، ومندوب الجامعة العربية فى الأمم المتحدة قال لا حل لهذا الصراع الدائر فى سوريا سوى تدخل القوتين، وهذا موقف متشابك ولا أريد الولوج فيه بالتفصيل لكن الموضوع عند القوتين أفضى إلى أمور هامة، أولاً أن هناك مفاوضات وهناك حل سلمى، وليس ثمة مناقشات فى شىء غير ذلك، إضافة إلى مؤتمر «جنيف2»، وأن هناك محاولة تدخل وأنه يجب أولاً أن يتوقف الاقتتال هناك، ما حدث فى تركيا والمشهد السورى يضع لنا صورة عامة بأن الأزمة السورية ستحل أو على الأقل فى طريقها للحل.

 

* هل حاول ربما إرضاء الأمريكان؟

- ما قيل لى إنه حاول إرضاء أطراف نفطية تصور أنها بإمكانها أن تساعده.

 

- هل تقصد قطر؟

- قطر أو السعودية أو غيرهما، على أى حال القرار الاستراتيجى المصرى، خاصة إذا اتصل بالأمن القومى، لا يملكه رئيس الجمهورية، ولا يمكن أن يكون موضعاً لصفقة مهما كانت الأمور، وقيل لى إنه يحاول إرضاء السلفيين وهو شىء غريب جداً، قم بإرضاءالسلفيين كما تشاء، لكن ليس فى مثل هذه الأمور، ويكفى أن المشهد العام للمؤتمر جعلنى أشعر وأن القرن الـ18 أطل من شاشات التليفزيون على الرغم من أننا فى القرن القرن الـ21.

 

* كيف قرأت دعوته للجهاد؟

- شىء لا يُتصور، وأنا أريد أن أحيله إلى ما قاله «أوباما» من تصريحات مؤخراً بأنه لا يريد أن تجد الولايات المتحدة الأمريكية ولا يستعد أن يجدها فى صراع بين السنة والشيعة فى العالم الإسلامى، وعندما يتلفظ رئيس جمهورية بلفظة «النظام الرافضى» فهذه كارثة، وأنا أتصور فى ضوء ذلك أن إيران قوة فى المنطقة يجب أن يحسب حسابها، سواء أردت أن تكون صديقاً لها أم عدواً، وعليك وأنت ترسم السياسة أن تأخذ أموراً فى اعتبارك، أولاً أن تحدد الأطراف اللاعبة فى المنطقة، ثم تقرر ماذا تريد أن تفعل، وسأذكر لكِ قصة كيف يدار الأمن القومى للبلاد؟ كنت فى زيارة للبيت الأبيض فى عهد الرئيس «كيندى» وكنت مع مستشار الأمن القومى الخاص به جورج باندى، ودخل «كيندى» وعرض علىّ أن أشرب سيجاراً، وكنت لا أحب هذا النوع، وهو سيجار فلوريدا، وحدث ذلك معى مراراً وتكراراً، فما كان منى إلا أن أخرجت السيجار الخاص بى، وبمجرد أن أشعلته انتفض «كيندى»، وقال لى «كوبى» فقلت نعم، قال أطئفه لو اشتُمت رائحته فى المكان ووصل إلى الخارج قد يفرض الكونجرس سحب الثقة منى، لأن كوبا دولة عليها عقوبات وعليها حصار، وأنا أذكر المثال هنا لأكشف لكِ كيف تكون الحسابات.

 

* من يسائل الرئيس إذن؟

- هذه مسألة مهمة جداً وأنا أرى أننا فى موقف خطير جداً، وأرى أن الرئيس تصرف تصرفات خاطئة وعليه أن يراجع نفسه، فقراره يختلف مع قواعد الأمن القومى المستقر عليها، فهو ليس قراراً عادياً يمكن التغاضى عنه، فقد عزلنا عن آسيا وجعل مصر محاصرة فى أفريقيا، وأود أن أشير إلى أن قراراته متناقضة فهو من دعاة رفض التدخل الأجنبى فى سوريا، ومع ذلك يطلب فرض حظر على الطيران الجوى الذى لن يتحقق إلا بضرب الدفاعات الأرضية لسوريا، أنت أمام مشهد جديد أنت وضعته ورسمته وستستمر هذه التداعيات.

«مرسى» عزلنا عن آسيا وجعلنا محاصرين بالمشكلات فى أفريقيا

 

* من يحكم مصر؟

- «مرسى» قادم من حزب الحرية والعدالة، وتنظيم الإخوان، وهو جاء رئيساً وبدعمهم وبأموالهم، وإذا لم يكن هناك من يحاسب أو من يراجع أو يعدل فهناك أمر خطير.

 

* هل يحاسبه محمد بديع مرشد التنظيم؟

- كنت أريد ما هو أكثر منذ لك، وهم أخبرونى فيما مفاده أنهم اكتشفوا أنهم تورطوا فى الحكم ولم يكن لهم فيه، وقلت هذا جيد، إذن ماذا لو خرج المرشد وقال ولا أجد فى ذلك غضاضة، ولأن «مرسى» منهم، وهم المرجعية، ماذا لو قال الدكتور بديع: «اكتشفنا أننا أهل فكر ومبادئ لكننا لسنا أهل سياسة»، ونحن سوف ننسحب من المشهد كله، فمن الممكن أن نتركه لحق التجريب وحق المعرفة والتعلم لكن لا يمكن أن نترك اختراق الأمن القومى المصرى إما أن نصحح أو نعتذر عنه أو يساءل عنه؟

 

* هل تنصح «مرسى» أن يتنازل ليس فقط عن هذه القرارات بل وعن الحكم؟

- أنا واحد من الناس التى تفرق دائماً، خاصة فى ضوء التطورات الأخيرة، بين «الشعبية» و«الشرعية»، فالشعبية بطبيعتها تتـأرجح صعوداً وهبوطاً، وهى لا تؤثر فى الشرعية لأنه يحاسب عليها فى نهاية المدة، لكن المشكلة أن الذى حدث فى الأسابيع الثلاثة الماضية تجاوز كبير لدرجة لا يمكن معها أنه لا يمكن التساهل فيه، أو ورَدّه للتجربة والخطأ ما لم يصحح.

 

* هل تلك القرارات تهدد مستقبله؟

- أعتقد أنها تهدد مستقبل البلد أكثر مما تهدد مستقبله، وأنا أعتقد أن ما حدث فى هذه الأسابيع يهدد الدور المصرى والقيمة المصرية والقوة المصرية، وأعتقد أنه حتى الوجود المصرى.

 

* هل كان المؤتمر بالفعل لنصرة سوريا أم إنه كان للحشد الموجه للداخل؟

- فى كل الأحوال يكفينى جداً ما رأيت، وهو كان مهيناً جداً لهذا البلد ولتاريخه ولمستقبله، وفى كل الأحوال خارج الزمن وخارج السياق وخارج الضرورات وخارج الأمن القومى المصرى وهذا ما يعنينى.

* كيف رأيت وجود التيارات الجهادية فى المؤتمرين «النيل وسوريا»؟

- فى كل الأحوال، حتى فى تعيينات المحافظين الأخيرة، أرى أنه غلّب المصالح والرؤى الضيقة والمتخلفة على مستقبل ضرورى وفاعل لهذا البلد وبلا حساب أو تقدير، وهذا ما يفجعنى

 

* لا يمكن أن أنهى هذه الفقرة دون التعرض لتظاهرات 30 يونيو المرتقبة، هذه الطاقة من الشباب التى ظهرت فى مجموعة «تمرد» التى دعت إلى الانتخابات الرئاسية المبكرة وتلاحم الناس معها، كيف ترى ذلك؟

- أنا أرى أن كل الأطراف الموجودة فى الساحة إما حائرون من الموقف أو أقل قدرة من الموقف، الجزء الذى يسعدنى فى هذا المشهد هو الطاقة المتجددة لهذا الشباب، لأنه كان موجوداً فى 25 يناير وكان موجوداً فى الميادين، وكنت أتصور أن الروح خملت فى هذا البلد لكن الشباب أدهشنى جداً لأننى وجدت فيه طاقة متجددة وأفكاراً تلائم كل مرحلة، وأنا خائف جداً من عناصر الانفلات لأن الإخوان من الممكن أن تعمل حسابها والمؤسسات أيضاً وأنا آسف جداً أننى لن أستطيع أن ألوم انفلات الشارع ما دامت السلطة منفلتة تتخذ مثل هذه القرارات ومشهد الاجتماعات، فكيف أحزن على طفل أو ولد صغير يلقى الطوب على المبنى، وأنا أرى أحدهم يقوم بحرق البلد، وإذا أحببتى أن تتحدثى عن الانفلات، فالانفلات الحقيقى فى هذا البلد هو انفلات سلطة.

 

* كانت لك مقولة شهيرة بأن مسئولية أى حاكم مصرى هى الوحدة الوطنية والحفاظ على مياه النيل؟

- ليس لدى أى رئيس مهمة إلا هاتين القضيتين.

 

* هل تُحمل الرئيس مرسى مسئولياته فى ذلك؟

- أنا خائف جداً لأننا نواجه موقفاً فى غاية الصعوبة ولا أحب أن أستخدم هذه الاألفاظ والتعبيرات وأتمنى أن يقول أحدهم للرئيس أنت أمام شيئين، أنت أمام قضية كبيرة جداً لكن نزلت عليها أزمة طارئة، وأرجوك قبل أن تقارب القضية قم بحل الأزمة الطارئة، بمعنى أن لديك مشكلة مياه النيل التى عالجها «مبارك» بالإهمال، و«مرسى» يعالجها بالارتجال، وبين الإهمال والارتجال ثمة مصالح حيوية لهذا البلد حياة أو موت تضيع فأنت أمام أزمة محتقنة نظراً لإساءة التصرف مرات كثيرة جداً، وأزمة الدكتور مرسى أنه لم يقرأ الملفات أو يطلع على أوراقك بالقدر الكافى، ومن الممكن أن تكون السلطة جذبتك بأكثر مما قامت بشدك المسئولية، لكن فى هذه المشكلة، مشكلة مياه النيل، أرجو أن تنحى السلطة جانباً، وأن تنظر للأزمة أولاً، ومطلوب الآن تخفيف حدة التوتر مع إثيوبيا، الرئيس مرسى سافر مرة إلى جدة، وقال لقد استعدنا موقفنا فى المنطقة العربية، وسافر مرة ثانية إلى أفريقيا، وقال استعدنا دورنا الأفريقى، القضايا لا تحل بهذه الطريقة أبداً، لا أحد يقول لى إن زيارة لوزير خارجية أنهت الاحتقان، الحقيقة أن الأوضاع محتقنة جداً لأسباب معقدة أكثر مما تبدو على السطح، وأريد أن أقول له: راجع ملفاتك جيداً وأوراقك، لأننا كنا فى عام 2007 أو 2008، على وشك أن نحل هذه الأزمات أو على الأقل نتوصل إلى حل فى ذلك الوقت، ووفقاً للوثائق الموجودة أمامى، فإن الحكومة الأمريكية حذرت الحكومة المصرية فى هذا الوقت، وقالت: «خلى بالكم مياه النيل قنبلة موقوتة وستنفجر ما لم تتقدموا لعلاجها» وبالفعل ضربت أجراس الإنذار، وبدأ الناس يتقدمون، بشكل من الأشكال دخلنا فى مفاوضات أدت إلى اتفاقية «عنتيبى» بما فيها الاتفاقية الإطارية لدول حوض النيل واتفق على كل شىء، لكن ظلت هناك مادة واحدة وهى المادة «34» أو «35» لم يتفق عليها، الخاصة بالتعهدات التاريخية والحقوق الموروثة عن الاتفاقيات.

 

* فيما أخطأ الدكتور مرسى فى التعامل مع هذه الأزمة وماذا كان يجب أن يفعل؟

- عليه أن يقرأ ملفاته وأن يعى أن مياه النيل فى خطر، وأن إثيوبياً أعطنت فرصة، وأجلت الأمر لمدة 6 أشهر حتى نكون منصفين، وعندما زار الوفد الشعبى إثيوبياً وقال لهم «زيناوى» وقتها سننتظر بعض الشىء لكن نحن لم نفعل شيئاً.

 

* أزعجك الاجتماع الذى أذيع على الهواء ومن يتحدث عن العبث بالأمن القومى ومن يتحدث عن فكرة الطائرات؟

- هذا المؤتمر عرّى مصر، بمفهوم التعرية تحولنا من التجريف إلى التعرية، هذا الكلام لا يليق، وهذه الثلاثة أسابيع الكارثة الفظيعة.

 

* إذاعته على الهواء كانت مقصودة أم ليست مقصودة؟

- لا أعرف وعلى أية حال إذا كانت مقصودة فهى مصيبة وإذا لم تكن مقصودة فالمصيبة أكبر، حيثما تولى وجهك ستجدين الكارثة، ولو كان قرأ الملفات ووجد خطاب موسيفين لم يكن سيفعل ذلك، وكنت أتصور أن يقترح أحد مستشاريه عليه أن يوسط دولة عربية، ولتكن الجزائر، مثلاً وتدعو إلى مؤتمر قمة لأن الأزمات لا يمكن أن تحل إلا بلقاءات على مستوى الرؤساء، وفى إطار أفريقى أوسع من أن تكون على مستوى وزير خارجية يزور إثيوبيا.

 

وكان على «مرسى» أن يحادث رئيساً أفريقياً يثق فيه ويفضل أن يكون عربياً، ويقول إن مكانة مصر ودورها لا يمكن أن يقبل فيه هذا، ويجدد الدعوة ويأتى بفريق مستعد على مستوى القمة، وليس الموظفين، الذين أرسلوا وتعلموا بهذه الطريقة الكارثية، ويذهب الرئيس بعد أن يدرس الملفات ويحاول تخفيف الاحتقان لأن وقت الأزمات قد يكون هناك عناد، والرئيس مرسى يتحدث عن العلاقات التاريخية مع أفريقيا، وأود أن أقول له إن العلاقات مع أفريقيا كان بها الكثير من المشكلات وتتطلب جهوداً مضنية للتعامل لبناء الجسور مع أفريقيا، لكن على مدار الوقت تاريخياً كانت الأنظار تتوجه إلى الشمال دون الجنوب طوال الوقت، ونحن فى حقيقة الأمر لم نصل إلى قلب أفريقيا، وأمامنا خريطة، وسنتحدث عن الحركة عبر التاريخ، بأننا تحركنا عبر البحر الأحمر إلى مضيق باب المندب الممر البحرى ودخلنا على بحر العرب، والطريق الثانى عن طريق درب الأربعين أو درب الأربعين حالياً يبدأ من أسيوط فى صعيد مصر ويمتد حتى الواحات الخارجة ثم يسير جنوباً ماراً بواحة سليمة وبئر النطرون، ويستمر حتى يصل إلى الفاشر فى غرب السودان من عند أسوان كان يمتد الطريق إلى مالى ثم سلجماسة ماراً بدنقلة، وهى من البلاد الكبيرة فى السودان ومنها إلى سول، وهى آخر بلاد مالى، ثم على قاعدة كوكو فى بلاد البرتو وتمبكتو فى مالى، لكن المجرى الحقيقى لنا لم تبدأ الحركة عليه إلا فى القرن التاسع عشر فى زمن محمد على، وكان هدفه البحث عن الذهب أو المقاتلين ليجندوا، والحقيقة لم يجد الاثنين وجاء الخديو إسماعيل بنفس الطريقة، بمعنى أننا دخلنا فى التباسات شديدة جداً ثم خرجنا بطريقة مذرية بمعنى أننا فى عام 1924-1925 أثناء خروجنا من السودان، ونحن دخلنا إليها بطريقة خاطئة، حيث دخلنا بحثاً عن أشياء لم نجدها، ووصلنا قرب منابع النيل، ولم نكن نحن من وصلنا بأنفسنا من خلال الجمعية الجغرافية الملكية لاستكشاف منابع النيل فى وقت اقتسام منابع أفريقيا وقت مؤتمر برلين الذى عقد فى القرن التاسع عشر، طوال الوقت الصراع المحموم على أفريقيا، وتسارعت الدول لاقتسام مستعمرة أفريقيا ووجدت دول أوروبا وقتها أنها تحتاج لإبرام اتفاق عام 1985 فى برلين ثم وزعت القارة بينها وقيل للخديو إسماعيل وقتها وغيره فلتخرجوا من القسمة.

 

* دعنى أعود بك إلى مشهد وقوف الرئيس وهو يقول كل الخيارات مفتوحة ماذا يعنى هذا؟

- أنا أعتقد أن هذا تعبير سيئ، أولاً لأنه لا توجد دولة بوسعها أن تقول إن كل الخيارات مفتوحة فى أى شىء، ونحن نتعامل معه لا بد أن نقدر أولاً حجم المصلحة، ثانياً ما الوسائل للعمل فيها، وهل هى مقبولة من عدمه؟ لا بد أن ينسى كل من يتحدث العمل العسكرى لأنه مستحيل، لأسباب أولها لا يليق أخلاقياً على فرض أنه ممكن لكن هو غير ممكن، العمل الوحيد المسموح هو أن تفعلى مثلما فعل الراحل عمر سليمان، عندما كانت هناك محاولة لاغتيال «مبارك» فى أديس أبابا، من خلال محاولة عمل حرب عصابات من خلال إريتريا لكى تزعجى النظام الإثيوبى، لكن السؤال هل أستطيع عمل ذلك والدخول فى حرب عصابات مع إثيوبيا وإلى أين ستذهب بى الخطوة؟ موضوع مياه النيل ليس جديداً، وموضوع العمل العسكرى غير مقبول لغياب مدى الطيران، وعلينا أن نفكر إذا كان بين دول حوض النيل وهى 11 دولة، 10 منها ضدنا ونحن بمفردنا، وجنوب السودان أيضاً؟

 

* هل فشلت السياسة؟

- سياسة الارتجال التى تبناها «مرسى» أوصلتنا للأسف الشديد إلى مأزق لا بد أن نجد لنفنا مخرجاً منه، وهو مؤتمر على مستوى القمة الذى أتحدث عنه يزيل الاحتقان أولاً قبل التفاوض، من خلال عزل الأزمة عن الموضوع، وأول الأمور فى إدارات الصراعات هو الفصل بين الملح والضرورى والضاغط والتوتر، ثم تقدمى إلى الموضوع وكيفية حله، وما الوسائل التى يمكننا استخدامها، وعلينا ألا نتحدث خارج المكان

 

* هل السد خطر؟

- على وجه اليقين فإن هذا السد ليس بمفرده، لكنه سيخلق سابقة بالانفراد بالعمل فى أفريقيا، وأنا أرى هناك ملامح للحديث عن مشروعات أخرى، ودعينى أقول لكِ ونعترف بأن السدود أصبحت لغة هذا العصر منذ أن أسس سد الميسيسيبى والبولدردام، ونحن بدأنا فى أفريقيا ببناء السد العالى، ولا يمكن أن تتصورى حجم الفقر فى إثيويبا. وقد شاهدته بنفسى عام 1950، ولا أريد أن يبنى هذا السد خارج الموافقة المصرية، لا أريده أن يكون سابقة لمشروعات أخرى لا نستطيع أن نصدها، ولا أريده أن يكون بمثابة خروج لمصر من أفريقيا، لأننا فعلياً لا نستطيع تحمل هذا.

 

* خروج من آسيا وخروج من أفريقيا.

هيكل: "سد النهضة" ليس خطرا بمفرده لكنه سيخلق سابقة في الانفراد بالعمل في إفريقيا

- بل وخروج من العالم أو العصر بأكمله.

 

* على الرغم من أهمية نهر النيل فإننا لانعرف عنه الكثير كيف كان التعامل طوال العهود والسنوات السابقة مع النيل؟

- هذا كلام مهم جداً وتحضرنى الآن مقولة شهيرة لـ«تشرشل» يقول فيها: من أراد أن يتحدث فى السياسة فليقرأ التاريخ قبل أن يعرج على السياسة، ولكن رد عليه أديب آخر اسمه «ساموسيت» قائلاً إذا تكلمنا فى التاريخ ربما ندخل فى أمور كثيرة ونتوه جداً، لكن على من يقرأ التاريخ أن يجد لنفسه بداية، وأن يجد لنفسه النهاية، ويحاول وهو يتابع أن يركز على عصر أو فكرة أو شخصية، وعودة إلى النيل نحن أخذناه فى عصور قديمة، ويجب أن نعرف أن نهر النيل ينبع من حيث لا تعرفين ولا يمكن أن تتخيلى منابعه، والفكرة التى ظلت سائدة أن هذا النهر ينزل من السماء وتحديداً من القمر، وفى العصر الإسلامى أن هذا النهر هو من أنهار الجنة، ولم يبدأ بحث حقيقى لاكتشاف منابع النيل.

 

* هل اهتمت مصر الملكية بقضية النيل؟

- الملك فاروق كان مهتماً بالكشوفات الجغرافية، وأعتقد أن الملك فؤاد كان مهتماً بالكشوفات بشكل أو بآخر، ويحكى كاتب ألمانى هو إميل لودفنغ المشهور، أن مصر سنة 1107 تعرضت لشح فى المياه، وأحدهم ذهب وأخبر الخليفة الآمر بأحكام الله، آخر حكام الفاطميين، قال له أحد الملوك موجود فى الجنوب عند منابع النيل، وجاء الحاكم بآمر الله بأحد السادة الأقباط قريب من البابا، ويدعى «ميخائيل» وأرسله بكثير من الهدايا للملك فى الجنوب، ويبدو أنه ولم يكن هناك موانع سدود أو غيره، لكن يبدو أن زلزالاً قد حدث وهشم بعض الصخور التى سدت مجرى النيل فانقطعت المياه، والملك فؤاد كتب كتاباً عن النيل على مدار 3 سنوات، وتعامل معه وكأنه إنسان، وأنه حياة يقوم بمعالجتها، وقابل الملك فؤاد 4 مرات، وهو يكتب هذا الكتاب، وكل هذا لم يؤثر لكن أوروبا الاستعمارية بدأت تتحدث عن مياه النيل والخديو إسماعيل تطوع بأننا ننفق، وكان فى ذهنه أمور غريبة جداً، بأن بنوك أوروبا فى ذلك الوقت كانت لديها مستعمرات ملك الدولة، فهم يريدون أن تكون لهم مستعمرات مملوكة بشكل خاص لهم مثل مستعمرة الكونجو لملك بلجيكا فتصور الخديو إسماعيل فى ذلك الوقت وإبان إفلاس الخزينة المصرية أن بإمكانه أن يبحث ويجد مستعمرات هناك تكون ملكيته الخاصة، لكن عندما اتفقت الدول فى مؤتمر برلين على اقتسام كل شىء، طلبت منه الخروج، فخرج، وبمقتضى ذلك حصلت إنجلترا على مصر والسودان وكينيا وأوغندا وهى كل المناطق، وألمانيا كانت فى تنزانيا وكانت إنجلترا هى المهتمة بمياه النيل، وفى هذه الفترة كان محصول القطن هو الغالب، وكانت ترتب وقتها، وبالتالى من نظم اتفاقية النيل هى القوى الاستعمارية الإنجليزية، وأنا أعطيها الفضل من هذا، ولدى كتاب من 30 جزءاً يتحدث عن أى حركة للمياه فى نهر النيل، بكل شىء وبكل تفاصيل.

 

* يعنى لا أسرار فى مياه النيل

- لا توجد أسرار عندما يقولون ثمة أسرار أضحك، ما الأسرار، المنابع كلها تحت، وليس لدينا سوى التصرف الذى يبدأ عند أسوان، ولا يزيد حجمه على 60 مليار متر مكعب، ماذا لدينا؟ المهندسون القدامى الكبار قدموا لنا رصداً مهماً لذلك، ولكن على أية حال إنجلترا كانت مهتمة بمياه النيل.

 

* وأول اتفاقية كانت عام 29؟

- أول تكليف كان محمد باشا محمود سنة 28 أبلغه الإنجليز أن مصر لديها حق ومكتسبات، وكانت لها مصلحة وقتها، وهم يتحدثون عن مياه النيل والحقوق التاريخية، ونحن اتفقنا على هذه الحصة التى تصل إلى أسوان، ولا يمكن لأحد أن يمسها، هى تعهد، وبعد السد العالى صب جل اهتمامنا على وضع اتفاقية مع السودان، وكان شرط البنك الدولى وما لدينا عن نهر النيل كان إجراءات



إقراء أيضاً


التعليقات

إضافة تعليق

مقالات الأعداء

إستطلاعات الرأي

فيس بوك

إجمالي الزيارات

18,448,264