عـــــــاجل:      تحليق كثيف لطيران العدوان فوق العاصمة صنعاء

النخب الوطنية لا تقوم بدورها ونسمع خطابا مخيفا وحملات كراهية

البديل نت -
2013-02-25 | منذ 4 سنة

حذر السياسي المعروف والقيادي في اللقاء المشترك محمد يحيى الصبري، عضو الأمانة العامة للتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري في اليمن  من الاستسلام لنخبة أنانية قليلة تسعى إلى بناء نفسها بدلاً من بناء الوطن في ظل غياب ما سماها بالنخب الوطنية الحقيقية وعدم نهوضها للمشاركة في رسم ملامح مستقبل الوطن. وقال إن هناك خطاباً مخيفاً يريد أن "يعزل التنظيمات السياسية عن بعضها ويقود حملات كراهية ضد الأحزاب". البديل نت

 

وقال الصبري في حوار مع صحيفة (الجمهورية)، انه إذا لم يبادر أصحاب المنطق الوطني فإن أصحاب المنطق التفكيكي سيكونون هم المبادرين.. مشيدا بما أنجزه الرئيس عبدربه منصور هادي حتى الآن قياسا بظروف تسلمه سلطة يحكمها نظام فوضوي وليس نظام حكم حقيقي.. متحدثاً عن كثير من المواضيع ذات الصلة بالوضع السياسي والحوار الوطني والتي نترك لكم فرصة قراءتها كما جاء على لسانه تالياً.. (البديل نت) يعيد نشر نص الحوار
حاوره - عبدالله محمد العسلي: 

 

استحقاقات

>>.. بداية أستاذ محمد نحب أن نعرف قراءتك للمشهد السياسي الراهن في بلادنا؟

أهم ما يمكن أن يتم التحدث عنه حول المشهد الراهن هو حديث الاستحقاقات القائمة، فهناك استحقاقات عديدة يفرضها الوضع الحالي، وإن لم يتنبه لها المعنيون بمعالجتها فقد تتفاقم وتتحول إلى مشكلات وإلى أزمات ثم تتحول إلى مخاطر وأولى تلك الاستحقاقات التي تفرضها الذكرى الثانية لثورة 11فبراير استحقاق الشهداء والجرحى والمعاناة التي خرج الناس ثائرين من أجلها، وأهم استحقاق للثورة بعد هذه القضية هي عملية بناء الدولة فالناس ثاروا من أجل أن تجري تسوية كل العوائق التي حالت دون بناء الدولة اليمنية الحديثة ومن ثم فإن أبرز استحقاق هو عملية بناء الدولة، وهناك استحقاقات أخرى كثيرة لا مجال لسردها، فطالما هناك ثورة هناك استحقاقات.. لا نريد للثورة أن تفرض استحقاقاتها السلبية، لأن كل ثورة بقدر ما تفرض استحقاقات إيجابية تفرض في نفس الوقت مشكلات وأزمات ومخاطر كبيرة وهائلة..

 

البعض ربما لأسباب التمني أو لأسباب التطلع والطموح يعتقد أن الثورات مثل القراءة في كتاب، وكتقليب صفحات واحدة بعد أخرى، أي يعتقد اليوم إسقاط نظام وبكرة بناء.. الأمر لا يؤخذ بهذه الطريقة فاستحقاقات الثورة فيما يتعلق بتحقيق أهدافها لها ارتباطات وصلة بحجم الموروث والمشكلات الاجتماعية التي ترثها الثورة ويرثها النظام السياسي بعد الثورة، لكن إن لم تكن الأولويات واضحة فإن استحقاقات الثورة تتحول من استحقاقات إيجابية إلى استحقاقات سلبية ومن ثم إلى مخاطر ومشكلات.. وهذا هو ابرز الاستحقاقات في المشهد الراهن..

 

الاستحقاق التالي هو استحقاقات الإدارة الانتقالية .. يعني نتائج الإدارة الانتقالية بموجب الآلية التنفيذية للمبادرة الخليجية وقرارات مجلس الأمن وهذه الآلية تفرض مجموعة من الأعمال يجب على المكونات الوطنية إنجازها.. على الحكومة الاستمرار في عملية نقل السلطة بطريقة سلمية كما تنص عليها الوثيقة ووضع القواعد التشريعية والقانونية التي تؤسس لحكم رشيد بما فيها إصدار التشريعات وترتيب وضع الإدارة العامة للدولة فهناك استحقاق اسمه بناء القوات المسلحة وإعادة هيكلتها وقد صدرت قرارات جريئة وشجاعة في إطار هذا الموضوع، هناك أيضاً استحقاق الحوار الوطني ضمن استحقاقات الفترة الانتقالية.. أي أننا أمام رزمة من الاستحقاقات التي رتبتها الوثيقة الانتقالية.. والنوع الثالث من الاستحقاقات هو الاستحقاق الخارجي الذي يتضمن العلاقات الخارجية لليمن والشركة الدولية مع اليمنيين فيما يتعلق ببناء الدولة، الأوضاع الداخلية في اليمن وما تمثله من تهديد لمصالح العالم.

 

ما الذي تحقق؟

>>.. بعد مرور عام على نقل السلطة وانتخاب الرئيس/عبدربه منصور هادي، وكذا مرور عامين على انطلاق ثورة التغيير الشبابية الشعبية.. من وجهة نظرك كسياسي ما الذي تحقق حتى الآن وما الذي لم يتحقق، أو ما الذي تغير بنظرك، وما الذي لم يتغير؟

ـ الإجابة على هذا السؤال تعتمد على رؤيتك للأولويات.. يعني إذا كانت الأولويات بهذا الحجم الذي ذكرناه سابقاً وهي أولويات ذات محطات متشعبة.. ونقول بإنصاف أن ما تحقق على يد الرئيس عبدربه منصور هادي خلال عام من انتخابه ليس هيناً بالنظر إلى الأوضاع المؤسسية والقانونية واللوائحية والمالية والإدارية للدولة.. فأنا أعتقد أن الرئيس لم يتسلم نظام حكم، وإنما تسلم نظام فوضى ومع ذلك فإن حجم القرارات التي اتخذت هي كبيرة وليست هينة خصوصاً أن هذه القرارات لامست استراتيجية عملها الرئيس لنفسه فيما يتعلق به كرئيس من حيث ترتيبه للأولويات.. وقد ركز على المؤسستين العسكرية والأمنية، وأعتقد أن ما أتخذها من قرارات شجاعة في هذا الموضوع هو أمر طيب جداً ويكفي أن تلك القرارات وضحت حقيقة ما كان قائم وأعطت الأمل للناس لما يجب أن يكون.. وقرارات من هذا النوع ذات طابع استراتيجي إذا لم توجد لا تستطيع أن تتحدث لاعن دولة ولا عن نظام ولا عن قانون ولا عن حداثة ولا عن مدنية دون أن تركز على هذا الملف.. ونتيجة أن هذا الملف (ملف الجيش والأمن) موروث ليس من ثلاثين سنة وإنما من خمسين سنة فإن إجراءاته لاتزال تواجهها بعض الصعوبات لكن أنا أعتبر أن ما أنجز خلال سنة في هذا الملف هو أمر طيب.. وكذا ما أنجز في موضوع الحوار والتهيئة للحوار ما تحقق هو جيد.. صحيح يوجد عدم رضى لكن يجب التفريق بين عدم الرضى وما بين ما هو متاح وممكن وتستطيع أن تعمله.. أنا لا أبرر القصور ولا أقول إن ما تم نكتفي به لكن علينا أن نبحث عن الطرق المناسبة التي تكمل ما هو ناقص في الموضوع.. أن يُحدد موعد المؤتمر هو خطوة شجاعة وجريئة لأننا ومن خلال التجربة التي خضناها من عام 2008م وحتى عام2011م نعرف تعقيدات إجراء حوار وطني.. هذا بالإضافة إلى أن موضوع الحوار الوطني هو موضوع جديد غير مسبوق وله تحدياته ومشاكله غير المألوفة.. يعني أنا أنجح في عمل أنا متعود عليه لكن في عمل لم يسبق لي أن خضته من قبل تكون المشكلات الموجودة مدعاة للبطيء ولعدم الفهم والغموض فالملاحظ أن المؤسسات الوطنية المعنية بالحوار الوطني وكل المكونات لا تواكب هذا العمل الوطني بالقدر اللازم..

 

يعني التوعية ليست جيدة ولغة الحديث الجديدة عن الحوار ليست جيدة .. الناس يتحدثوا عن محاصصة وعن تقاسم ممثلين.. نسوا الفكرة الرئيسة للحوار ويتحدثون عن المحاصصة؛ لأن ثقافة الماضي كانت ثقافة محاصصة؛ ولذلك الناس يستسهلون حديثا يعرفونه تجاه موضوع لا يعرفونه.. فالحوار المرتقب هو حوار تأسيس كما قال الرئيس قبل أسبوعين عند إعلانه موعد الحوار وبالفعل أن هذه هي التسمية الصحيحة للحوار الوطني بأنه حوار تأسيس لوطن جديد، وهذا هو المفهوم الطبيعي والشرعي في ظل الظروف القائمة.. فالحوار المطلوب إجراؤه يجب أن يتجه مفهومه نحو مفهوم التأسيس، فهو ليس حوار سلطة ومعارضة، وليس حوارا بين أطراف مختلفة وليس حوارا حول مشاكل اعتيادية وإنما هو حوار تأسيس لمستقبل.

 

قصور حكومي

• وعلى الصعيد التنموي والاقتصادي، وما يتعلق بعمل الحكومة ما الذي تراه قد تحقق، وما الذي تجده لم يتحقق؟

ـ على الصعيد الاقتصادي والتنموي فيما يتعلق بالحكومة أكيد أن لدى الناس كثيرا من الغضب والنقد لأدائها في هذه الفترة، وأنا لا أريد أن أبرر لها أي قصور لأن قصور الحكومات في القضايا العامة تتحول تلقائياً إلى أخطاء جسيمة.. فالمسألة ليست مسألة عائلية ولا مسألة شخصية فأنت في موقع المسؤولية قصورك يتحول إلى خطأ جسيم؛ لأنه يمس كثير من الناس.. لكن من وجهة نظري كانت هذه الحكومة تستطيع أن تعمل لنفسها برنامج محدد وفق الألية التنفيذية وقرارات مجلس الأمن.. لكنها– بسبب تركيبها التناصفي ذهبت إلى محاولة الموائمة بين نصفيها.. وهو أمر صعب تحقيقه.. ولذا لم يتم الانطلاق.. هذه الحكومة لا هي حكومة مشترك ولا هي حكومة مؤتمر.. فالمفترض أن تكون هذه حكومة وطنية انتقالية، والمسئولية فيها تضامنية، لا تستطيع أن تركز فيها على وزير وتترك الوزير الأخر.. صحيح أن كل وزير مسئول عن وزارته ويستطيع أن ينجز فيها أشياء كثيرة لكن عمل الحكومات مثل ركوب السفينة، يعني إذا خرق وزير بنصيبه أغرق السفينة، ولذلك أقول إن أي حديث عما أنجزته الحكومة بعد مرور أكثر من عام على تشكيلها هو فرصة بالنسبة للحكومة بأن تترك فرصة للناس أيضاً بأن يقيموا ولكن بموضوعية وفهم.. هناك أمر جرى في الماضي ولابد أن نسأل عليه بصواب ومصداقية وكان يجب أن تعلنه الحكومة يوم استلمت مهامها، وذلك بأن يقولوا للناس ما الذي استلمناه وما الذي ورثناه وما هو جدول عملنا الذي سنمارسه وسنطبقه في الفترة القادمة، ولكن جرى تجاوز لهذا المنطق فأصبح كثير من الناس يعتبرون أن هذه الحكومة هي لاتزال امتدادا للحكومة السابقة وهو منطق متعسف وفيه كثير من التعسف.

 

 

روح جديدة في حياة اليمنيين

>>.. وعلى الصعيد الثوري والشعبي ما الذي تجده؟

ـ الذي تحقق هو أن هناك شيئا مهما جداً أهم من كل الأشياء وهو وجود روح جديدة تتكرس في حياة اليمنيين، روح فيها أمل روح فيها ثورة، روح فيها جيل جديد متطلع لكن هذه الروح تتصدى لها موروثات الماضي بطريقة فيها إشكالية كبيرة جداً فيما يتعلق بالهدف المستقبلي لليمنيين في بناء الدولة، وله صلة بدور النخبة الوطنية وأنا هنا لا أقصد هنا النخبة السياسية فقط، وإنما أعني النخبة كل الذين في الواجهة من السياسيين والإعلاميين والمفكرين والاقتصاديين والوجاهات الاجتماعية، هذه النخبة في اليمن مرات تعطيك إشارة أنها قديمة وتنتمي إلى وضع قديم ومرات تحاول أنها تستجيب للجديد ولكن ليس لديها إلا تجربتها القديمة، وهناك كثيرون اليوم يطالبون بضرورة استنهاض هذه النخبة الوطنية لكي تكون شريكة، لأن أي بلد في الدنيا حين يُنظر إليه يُنظر إليه من خلال نخبته، الذي في الخارج ينظر لك من خلال نخبتك والذي في الداخل ينظر للبلد من خلال نخبتك، وهذه النخبة هي مثل الجلد الذي يعطي للبلد مظهره وشكله.. وهذا الجلد إما أن يكون ممزقا فلا نرى إلا الأعصاب والدم والعروق المشبوحة واللحم المتعرض للاحتراق، ومرات نجد أن الأبرز في هذه النخبة هو القديم الذي يحاول أن يغطي هذا الجسد ولكنه قاصر على ذلك وليس لديه القدرة على أن يغطيه، ولذلك إن لم نستنهض النخبة ونحن على مشارف الحوار وفي الذكرى الثانية للثورة ومرور عام على تشكيل الإدارة الانتقالية إن لم يتم استنهاض هذه النخبة لكي تقوم بدورها الوطني، لأن ما يجري اليوم ليس عملية صناعة سلطة لهذا الطرف أو ذاك.. اليوم يجري صناعة بلد ومستقبل للأجيال القادمة.. وأحياناً يستغرب المرء أنه كيف ترى الآخرين يصنعون مستقبل أولادك وأحفادك وأنت تتفرج وعندك مساحة متاحة جدا لأن تقول رأيك وأن تقوم بدورك في ما تستطيع لكي تحمي مستقبل الوطن.. أنا أخشى أنه إن لم نستنهض النخبة الوطنية أن نستسلم لنخبة ثانية غير مكترثة لبناء البلد وبناء الدولة والنظام السياسي، أن نستسلم لنخبة أنانية همها بناء نفسها وهي موجودة في كل مكان ولكنها قليلة؛.. هذا الاستسلام إن حدث وتمكنت النخبة الأنانية أو الأقلية منها فإننا سنقع في مشكلة كبيرة.

 

استنهاض دور النخبة

>>.. كيف يمكن استنهاض هذه النخبة الوطنية وتفعيل دورها في ظل مجتمع مازالت أغلبيته منقادة لقادة رأي تقليديين؟

أنا لم أقل استنهاض الناس وإنما استنهاض دور النخبة؛ لأن الثورة جلبت إلى ميدان الشأن العام ملايين من البشر، وهذا الزخم الذي أدخل ملايين من الجيل الجديد وممن كانوا في البيوت إلى ميدان الاهتمام بالشأن العام هذا يرتب استحقاقات لا يمكن الهروب منها لأن هناك معادلة تتمثل في وجود من يريد أن يتجاهل كل هؤلاء الملايين..

وأنا حين أتحدث عن النخبة لا يعني ذلك أنني أدعوا إلى تجاهل هذه الملايين من الناس، لأن هناك من يريد أن يتجاهل هذا الكم من البشر ويحصر المشكلة في رأس فلان وعلان ، وهذا الحزب وهذا الطرف؛ وأنا أعتبر أن هذا تفكير قديم وغير صحيح.. أنا أقول أن هذه الجماهير والملايين من الناس هي بالأخير ليس مطلوبا منهم أن يكونوا فلاسفة ولا مفكرين ولا اقتصاديين، هؤلاء خرجوا وهم على ثقة أن في هذا البلد نخبا وقادة ومتخصصين، بعد ذلك يأتي دور هؤلاء المتخصصين في البناء.

 

صمم النخبة الوطنية

>>.. وما هو تقييمك الحالي للنخبة التي ترى ضرورة استنهاضها؟

ـ هناك نوع من الصمم الآن عند النخبة الوطنية، هناك نوع من تجاهل صوت الشعب وهذه هي المشكلة لذلك أنا أقول إنه لن يتم شيء من البناء إذا أصمّت النخبة آذانها وغَيبت وعيها عن النداء الجماهيري.. والذي سيجري أننا سنستغرق وقتا زمنيا أطول إلى أن تُخلق نخبة جديدة وقيادات مجتمعية جديدة لأن المجتمعات حين تنفض يدها من نخبها السياسية تقوم بثورة ولكن في نفس الوقت تمهد لجيل جديد أن يستلم مهمة النخب التي لم تستطع القيام بأدوارها.. المعادلة الاجتماعية في علم الاجتماع وعلم التطور البشري على مدى التاريخ تقوم على الصراع حول الأدوار فالشعوب تتعاقد بشكل ضمني مع مجموعة منها بأن تعطي هذه المجموعة حق الريادة والوجاهة مقابل أن يبلوا ويوفروا الأمن والاستقرار فإذا فشلت هذه المجموعة في هذا الأمر تقوم الثورة وتستمر وتأتي بنخب جديدة.. لكن نحن اليوم نقول أن المجال متاح في ظل هذا الانفتاح والتواصل العام الذي قامت الثورة في ظله، وهو انفتاح غير مسبوق في تاريخ اليمن وفي تاريخ البشرية، وهو ما يجعل من أمر نقل الرسائل أمر سهل.. يعني أن هذه النخب لو أن هذه الثورة قامت مثلا قبل مائة عام على مدى ما يسمعون أصوات الناس بين كل فترة وأخرى يحتاجون زمنا لكن اليوم بالثانية يستطيعون أن يسمعوا مطالب الناس وحاجاتهم.. هناك نوع من البلادة موجودة وكأنها آلية دفاع ذاتية .. يعني وكأن هذه النخب تسمع، ولكن لا تتحرك وتستخدم هذا الأسلوب وكأنه آلة للدفاع بينما الأمر يحتاج إلى حركة.

 

اختيار الشعار الأفضل

>>.. وما الذي يمكن أن تبادر به هذه النخبة.. بمعنى آخر ما الذي يمكنها أن تصنعه في ظل التعقيدات الحالية؟

ـ عليك أن تتذكر أن الذين بادروا بالبدء بالثورة كانوا عددا محدودا من الشباب كانوا بالعشرات ولم يكونوا لا بالألاف ولا بالمئات، لكن هؤلاء بادروا وصنعوا بعد ذلك أحداثا قوية لكنهم اختاروا الشعار الأفضل والقضية الاجتماعية، نفس الكلام يمكن أن تعمله النخب الوطنية التي تستطيع أن تبادر من كل المواقع، من الموقع السياسي، من الموقع التجاري، من الموقع الإعلامي، من الموقع الثوري، أن تبادر بمجموعة من الأفعال والأعمال ومن الدعوات ومن الإعلانات ومن التجمعات، وأن تقوم بكل أشكال؛ ولكن عليها أن تختار القضية الأفضل والقضية الاجتماعية،.. يعني لا يجيء واحد يبادر لك ويقول لك أنا أريد الانفصال ويسمي هذه مبادرة وإلا واحد يدعو إلى قيام دولة هنا ودولة هناك، لا ..

فالمجال متاح لكل الأعمال والمبادرات الخيرة.. الله سبحانه وتعالى قال وهو يخاطب أعظم ثوار التاريخ (ولتكن منكم أمة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) تحريض على المبادرات ولكن قالها “أمة” يعني العمل في الإطار الجماعي، ولا يعني ذلك ترك العمل الفردي فالنبي(ص) يقول: (من رأى منكم منكر فلغيره بيده....إلخ الحديث).. نحن اليوم كل مجالات المبادرة والتغيير متاحة أمامنا.. هناك تحذير أطلقه عظماء مفكري السياسة قبل واحد وعشرين قرنا وهو أنه إذا ترك الفضلاء المبادرة العامة فسيقوم السفهاء بها ولكن بطريقتهم (السيئة).. لذا علينا أن نستنهض أنفسنا بدعوة ومن غير دعوة لكي ننظر للموضوع بشكل كلي.. يعني هل لدينا اليوم كيمنيين خيار في المستقبل أن نكون أقساما أو مجزأين أو مشطرين..

 

كل الحقائق الموضوعية وكل المؤشرات تقول إن هذا خيار انتحاري ولكن هناك من يبادر للحديث ويتحرك ويتصرف ويريد أن يفرض هذا الموضوع على الناس حتى بالجبر والقسر.. وهناك خيار آخر أفضل هو خيار البناء الوطني، خيار الشراكة الوطنية، خيار التحديث، خيار التطوير، خيار الحوار ولكن حجم من يتفاعلوا مع هذا الموضوع حتى ممن هم في موقع المسؤولية ضعيف جداً.. وهذه مفارقة العجيبة وتتمثل في أن أصحاب المبادرات السيئة والغير مقبولة وغير ذات إجماع وطني موجودون في الميدان ويتحركوا، صحيح هناك عوامل كثيرة تساعدهم كالمال وغيره لكن ما عمر المال ولا عمر القوة كانت هي المحدد الرئيسي لكي تنتصر قضية معينة، بل بالعكس إن لم تكن لقوتك حجمها من القيم والمبادئ فإن القوة ليس معنى.

 

خطاب مخيف

>>.. لكن النخب التي تدعو إلى استنهاضها مازالت أسيرة تأطيرات سياسية وتخوض الصراع السياسي المستمر من قبل ثورة الشباب والذي رغم تغير حدوده إلا أن جوهره لم يتغير ما رأيك؟

 

أنا قلت من البداية لنتحرر من الحديث عن النخبة من الزاوية السياسية، صحيح أن النخبة السياسية عليها مسؤوليات وعلينا أن نركز عليها، لكن أنا أتحدث عن نخب وطنية عن نخب مجتمعية.. السياسيون اليوم نسمع منهم خطابا مخيفا يريد أن يعزل التنظيمات السياسية عن بعضها ويقود حملات كراهية ضد الأحزاب ولا نعرف لصالح ماذا.. يعني من حقك أن تنتقد الأحزاب والنخب السياسية وتنتقد كسلها وخنعها وبلادتها لكن ليس على حساب هدم الفكرة..

 

بمعنى أن الحياة السياسية في أي بلد من البلدان ومنطق الدولة الحديثة والمدنية لا تقوم إلا على أساس فكرة تكريس التنظيمات السياسية والتعددية الحزبية وإلا لن توجد دولة مدنية أصلاً لكن أنا قصدي أننا في مرحلة انتقالية والمراحل الانتقالية مراحل خطرة؛ لأن كل الأشياء تكون فيها غير واضحة المعالم والمسؤوليات غير محددة بشكل مضبوط والتصرفات والسلوكيات تكون في أغلب أجزائها هو الغالب الأعم من القديم وغير قادرة على استيعاب الجديد.. ولذلك هنا لابد أن تستنهض كل مجالات القوة الاجتماعية لديك لكي تغطي جوانب القصور والعجز الموجود.. أنا معك لو لم نكن في مرحلة انتقالية فمن حق الناس أن يوجهوا كل سهام النقد للنخبة السياسية والنخبة الحزبية بالذات لكن هذا في الظرف الطبيعي حين تكون الأمور مستقرة والقواعد ثابتة، لكن نحن اليوم في مرحلة انتقالية أفرزتها ثورة، ولذلك أنا قلت لك الاستحقاقات الثلاثة السابقة هي استحقاقات مرحلة انتقالية والخروج عن هذا المنطق إما فيه شطحة مليئة بثقافة الكراهية للأحزاب التي كرسها النظام السابق الذي كان يكره الأحزاب من منطلق أنها تنافس على السلطة وكأن السلطة حكر له فقط.. لكن منطق الكراهية هذا يجب أن نتخلى عنه.. نحن بإمكاننا اليوم أن نقول إننا نختلف مع السياسيين ومع الحزبيين بسبب قصورهم لكن ليس على حساب كراهية المؤسسة الحزبية.

 

ثانياً هناك نخبة اقتصادية ونخبة تجارية ونخبة رجال أعمال وهؤلاء بيدهم المال وبيدهم القوة، ماذا يعمل هؤلاء اليوم؟.. لا تدري ما دورهم؟ لكن هل تستطيع أن تتخيل دولة مدنية دون أن يكون هذا القطاع شريكا في بناء المرحلة القادمة.. عندك نخبة كبار موظفي الدولة وكبار القادة العسكريين وهؤلاء لديهم من التجربة ومن المعرفة أكثر من أي طرف آخر، يفهمون تقاليد الدول ويفهمون بالخبرة.. لكن أداءهم يكاد يكون فوق الصفر بقليل، فهم منتظرون موضوع العزل أو التدوير ناسون واجبهم الوطني والاجتماعي تجاه ما قدمه لهم المجتمع.

 

وعندك أيضاً نخبة متعلمون ومثقفون وصحفيون...إلخ.. لذلك أقول هنا نحن نحتاج إلى استنهاض هذا المعنى، فنحن أبناء بلد واحد وهذه القضية الرئيسية التي تجمعنا لابد أن يكون لدينا اتفاق ووفاق وطني جامع عليها.. ما يتفق مع هذه القاعدة نحن معه وما يختلف معها نحن ضده من دون ما نحتاج جدل.. بمعنى أن المراحل الانتقالية تقتضي من المجتمعات مع نخبها أن تتحمل المسؤولية.. اليوم المجتمع قام بالثورة ولا يزال يقدم تضحيات كبيرة من أجلها لكن هل من المعقول أن هذه الملايين من البشر التي اصطفت في الثورة لابد أن يجتمعوا في ميدان عام لتقرير ما هي التسويات والتوافقات التي تجري؟.. بالأخير هناك نخبة بشرية من المجتمع موكل لها بحكم التخصص والممارسة والاتفاق المسبق أن تتولى هذا الموضوع لكن اليوم هناك من يريد أن يحشر القضية فقط بالنخبة السياسية بـ(ياسين سعيد نعمان والآنسي والعتواني) وهذا أمر غير صحيح.

 

مشاريع صغيرة

>>.. النخب التي تقصدها بادرت بعضها، ولكن في إطار مشاريع صغيرة وضيقة ومحصورة تتسم بالمناطقية والتجزئة.. حتى تعز التي كان لشبابها شرف المبادرة بإطلاق شرارة الثورة نسمع اليوم بعض نخبها تدعو إلى حراك تعزي؟

 

ـ نعم.. ولذلك أنا أحذر من هذا وقد قلت سابقاً إن لم يبادر الخيرون وأصحاب المنطق الوطني فسيبادر أصحاب المنطق التفكيكي والمنطق التجزيئي.. ولذلك نحن نقول مثلاً ما يجري في تعز من هذه الزاوية أنا أعتبره جزءا من تداعيات المرحلة الانتقالية، جزءا من ضبابية الرؤية، جزءا من أن الناس خرجوا كمن خرجوا من السجون، عميان مجهّرين لا يعرفون ما الذي يجري، يأسرهم موضوع المناصب والتعيينات والقضايا، ويحسون أن هناك تهميش؛ لكن بعد فترة تعز باعتبارها روح الثورة، هي روح المبادرة الوطنية، هي روح المشروع المدني، هي روح الحداثة، ستعود تلقائيا إلى هذه الروح وإلى هذا المشروع، لكن نخبها اليوم مستفزة مما يتم ملاحظته من الإقصاء والتهميش من التعيينات ومن القرارات، لكن هذا أنا أعتقد أنه منطق وأي منطق يحصر القضية في المصلحة ومن حق الناس طبعاً أن يفكروا بمصالحهم وخصوصاً عندما تأتي التعيينات في غالبها وكأنها نوع من المراضاة وكأنها نوع من العجلة وكأنها نوع من تغطية فراغ لكن في الأخير نحن بحاجة إلى استنهاض النخبة المدنية، نخبة الثقافة، نخبة الفكر، نخبة الإعلام؛ لأن هؤلاء اليوم هم العربة الأولى في الاستنهاض.. لذلك أقول لك يجب أن نعذر الناس فتصرفاتهم مفصلة على قدر ما يرونه، ورؤيتهم رؤية الخارج من السجن وعلى قدر ما يعانوها من مشاكل ومصالح، لكن ثمة في كل نخب المجتمع نخبة ثقافية وفكرية وإعلامية وسياسية واقتصادية عندها البعد الأعمق والأوسع وهي التي تقود الناس.. ولذلك نحن سنقع في مشكلة إن لم تبادر هذه النخبة القائدة ذات الرؤية الأوسع فستبادر غيرها ذات رؤى أضيق.

 

فرص الحوار

>>.. ونحن على مشارف مؤتمر الحوار الوطني.. هل ترى توافر فرص حقيقية وكافية لنجاح هذا المؤتمر؟

ـ أولاً دعنا نتفق على النجاح بأي معنى.. فكما أشرت في البداية لايزال لدينا نوع من اللبس حول قضية الاتفاق على مفهوم هذا الحوار.. ما هو؟ هل هو حوار سياسي؟ أم حوار تفاوض اجتماعي؟ أم حوار على مشاكل سياسية؟ أم حوار تأسيس لدولة؟.. يعني لا يزال عندنا نقص في هذا الموضوع ولذلك إذا غطينا أستطيع إجابتك وأقول هل سينجح أو لا!؟ لدينا أيضاً نقص في الشكل الذي هو جزء من الموضوع وبالذات في الأعمال الكبيرة.. الشكل القادم للحوار كمؤتمر البعض يستدل بما لديه من معرفة وخبرة قديمة ليسقط ما لديه من مفاهيم على الشكل الراهن؛ لأن الشكل الراهن أفرزته ظروف وعوامل جديدة.. صحيح أن الطريقة التي جرى بها التحضير للحوار يمكن أن تعطي إيحاءات أن الماضي ممتد بشكله.. لكن أنا أعتقد أن هناك تعقيدات كثيرة فيما يتعلق بالشكل ولابد أن تستكمل.

 

والأمر الثالث والأهم هو الهدف الذي نحن سائرون نحو تحقيقه.. أين سنسير؟.. يعني أن ما تم التحضير له فيما يتعلق بالقضايا أعتقد أن هناك قضيتين في غاية الأهمية يجب التركيز عليهما وهما قضية بناء الدولة وقضية بناء الحكم الرشيد؛ لأن ما عداهما من مشكلات هي إفراز لهذا العجز الذي يجري في اليمن.. يعني نحن نعمل أحيانا على طريقة التمرجي وليس على طريقة الطبيب الماهر، التمرجي أو الصحي المبتدئ يركز على أعراض ومظاهر المرض، بينما الطبيب الماهر يركز على أصل وجذر المرض؛ إذ لا تستطيع أن تعالج المظاهر دون معالجة جذر المرض، وأحياناً التمرجي ممكن يقتل المريض لأنه يعالج مظاهر المرض دون مصدرة.. هذا بالإضافة إلى نقطة رابعة موجودة في المناخ العام الذي سيجري فيه الحوار، وهو مناخ متوتر، وغير طبيعي، مناخ انتقالي، مناخ فيه تدخلات كثيرة داخلية وخارجية.. بمعنى أن هذا المناخ المؤطر للحوار يمكن أن يفسد الحوار بحد ذاته حتى لو صدقت كل النوايا.. فإن لم يجري ضبط لمجموعة وقائع معينة تحيط بالحوار فإنه من الممكن أن يتعثر مؤتمر الحوار، وممكن أن تتعثر النخب المتحاورة لأنها ستكون في جهة والمناخ المحيط بها في جهة ثانية.. يعني من المفترض أن يجري نوع من التوافق والتساند بين من هم داخل المؤتمر ومن هم خارجه، وحين تُتخذ قرارات أو توصيات لابد أن تكون كل المؤسسات والحوافظ جاهزة لاستلام هذه القرارات والعمل والشغل عليها.. لكن تترك المؤتمر يشتغل في ناحية والخارج يشتغل في ناحية أخرى هو أمر غير مرغوب..

 

يعني مثلاً لابد من تطوير أداء الحكومة، لابد من السير في موضوع استكمال هيكلة الجيش والأمن، وهذا أثناء فترة الحوار، لابد من إعادة الحقوق وإنصاف المظلومين، لابد من التعاطي مع موضوع العدالة الانتقالية بجدية شديدة لأنها إحدى محطات الدعم الرئيسية للحوار، فموضوع العدالة الانتقالية يجري التعامل معه بفهم عجيب وبطريقة فيها تركيز على التعويضات أكثر من التركيز على معنى العدالة الانتقالية، يعني فيها تركيز على الشق المادي، وفيها إغفال للمعنى المتمثل في منع تكرار الانتهاكات التي جرت خلال الفترة الماضية.. أعتقد أنه لابد من النظر إلى الحوار حسب الآلية التنفيذية وقرارات مجلس الأمن وأهداف الثورة أنه مؤسسة؛ ونحن لأول مرة سنخوض تجربة حوار مؤسسة بهذا الحجم والنوع.

 

ضامن وطني

>>.. هل ترون إمكانية نجاح المؤتمر دون استكمال هيكلة الجيش والأمن كون المؤسسة العسكرية ضامنا أساسيا للحفاظ على أمن واستقرار ووحدة الوطن إذا ما حاولت بعض الأطراف المتحاورة الخروج عن مسار التحاور واللجوء إلى استخدام العنف لفرض رؤاها؟

ـ أنا موافق على هذا الموضوع مع تحفظي على بعض الأشياء.. يعني أنا قلت إن هيكلة الجيش والأمن أحد ضمانات وروافد الحوار لكن هناك إشكالية فيما يتعلق بمفهومنا لهيكلة الجيش، فالذي لديه معلومات أو خبرة أو معرفة بأنه يمكن خلال الستة الأشهر المقرر إجراء فيها الحوار، إعادة هيكلة الجيش لكي يصبح بالمعني الذي تقول عليه فليقل وليطرح بالحقائق، المسألة ليست مسألة شعار..

 

الدولة الضامنة

• لكن أستاذ محمد أنت تعلم أن هناك أطرافا وقوى قد تدخل الحوار وهي مستندة في الواقع إلى القوة والسلاح.. فمن يضمن عدم خروجها عن نطاق الحوار ولجوءها إلى العنف لفرض رؤاها؟

ـ كلامك صحيح وهذا أمر آخر؛ لذلك نحن في المشترك كنا نطرح منذ فترة لابد أن تكون لدينا ضمانات دولة، ليس في الجانب العسكري فقط، بل في جوانب أخرى، الجانب الإداري والجانب الأمني، يعني الدولة الضامنة كما سماها الدكتور ياسين، والتي تجعل من موضوع التعسف في الحوار أمرا مقدورا السيطرة عليه، وتجعل من موضوع عدم اتخاذ أي طرف المؤتمر للتفاوض فقط لكي يرتب حاله.

وهذا هو الموضوع الذي قلت عليه إن الحوار يحتاج إلى استكمال هذا الموضوع.. وأنا أعتقد أنه على صعيد ما نسمع أن الرئيس لديه نوايا جادة في هذا الموضوع.. لكن السند السياسي والسند الثوري الوطني لابد أن يكون متوافرا في هذا الموضوع.. يعني مثلاً اليوم حين أقول كسياسي إن الحوثي مسلح أو طرف في الحراك مسلح، يؤخذ في الذهن العام ـ وفقا لثقافة الماضي ـ ليس كمنطق منطقي يدعو إلى السلامة أو يدعو إلى نبذ العنف، بل ينظر إليه أنه منطق مناكفة حزبية ومنافقة سياسية، لكن حين تتصدى النخبة الوطنية بكل تفاصيلها لهذا الموضوع فإن الأمر يختلف،.. يعني نحن نحتاج إلى صوت وطني موحد لنبذ العنف ورفض امتلاك السلاح لأي حركة من الحركات وتظل الدولة هي الوحيدة مباحا لها احتكار السلاح واستخدامه وفق القانون لما يخدم المصلحة العامة، وهذا لابد أن يكون ضمن قضايا الإجماع، ولخلق هذا الإجماع فإنه يحتاج إلى مبادرات من الناحية السياسية والناحية الإدارية، والناحية الإعلامية، والثقافية.. فالبلد مجدب على الصعيد الثقافي بشكل مخيف.



إقراء أيضاً


التعليقات

إضافة تعليق

مقالات الأعداء

إستطلاعات الرأي

فيس بوك

إجمالي الزيارات

18,413,794