عندما تتجسد الثورة فى رجل.
2013-01-17 | منذ 6 سنة
عمرو صابح
عمرو صابح

أنا لست هنا عن طريق الحكم ولكن عن طريق الثورة.
الحكم هو البحث عن الذات والثورة هى البحث عن الشعب.
وأنا اخترت طريق البحث عن الشعب .. طريق الثورة.
أنا اخترت طريق الشعب .. طريق الثوار وهو الطريق الصعب\".

 القائد المُعلم "جمال عبد الناصر"
لأنه لا يصح إلا الصحيح فالتاريخ يصر على إنصاف جمال عبد الناصر وثورته ومشروعه النهضوى العربي تأتى ذكرى ميلاد القائد الخالد هذا العام لتضفى مزيداً من المجد على إنجازاته التاريخية فالانتفاضة المصرية التى أطاحت منذ عامين بالرئيس حسنى مبارك تكاد تصل إلى طريق مسدود وهناك إحساس طاغى لدى الجميع بفشلها بل هناك الكثيرين الأن للأسف يشعرون بالحنين لأيام مبارك لأنهم لم يستفيدوا شيئاً من الإطاحة به سوى مزيد من الفقر المصحوب بانفلات أمنى كامل وتشاؤم من المستقبل مصحوب بمخاوف من انقسام مصر، تبدو تلك المحصلة محزنة لانتفاضة شعبية مثلت ملحمة بطولية لشعب يبحث عن الخلاص من الطاغية كما أن تلك المحصلة البائسة لانتفاضة 25 يناير 2011 جاءت نتيجة طبيعية لعدم قراءتنا لتاريخنا المعاصر وإصرار البعض على تصوير انتفاضة 2011 وكأنها جاءت ضد ثورة 23 يوليو 1952 وكأن هناك صلات بين العهد الناصري وما تلاه من عهود مثلت نقيضه .
انتفاضة 2011 ليست أولى المحاولات الثورية المصرية الفاشلة فى المائة عام الأخيرة بل لقد سبقتها ثورة 1919 التى قامت لتحقيق الجلاء عن مصر والخلاص من الاحتلال البريطانى وانتهت باستقلال منقوص بتصريح 28 فبراير 1922 الذى سقط وبعد انتفاضة شعبية ضخمة عام 1935 وقع النحاس باشا زعيم الأمة وقتها معاهدة 1936 والتى قال عنها أنها جاءت بالاستقلال لمصر !!!.
وفى 8 أكتوبر 1951 كان النحاس باشا بذاته هو من ألغى معاهدة 1936 التى وصفها وقت توقيعه لها بأنها جلبت الاستقلال لمصر!!
فى الواقع أن الحسنة الوحيدة لمعاهدة 1936 هى أنها مكنت أبناء الطبقات المتوسطة والفقيرة فى مصر من الالتحاق بالكلية الحربية فاستطاع جمال عبد الناصر ورفاقه من الضباط الأحرار أن يدخلوا تلك الكلية التى كانت حكراً على أبناء الطبقة الارستقراطية.
فى 26 يناير 1952 تحترق القاهرة ويحترق معها النظام الملكى والمرحلة شبه الليبرالية التى فشلت فى تحقيق أى إنجاز على كل الأصعدة فلا استقلال سياسي جلبت ولا عدالة اجتماعية حققت ولا نمو اقتصادى صنعت .
كان البكباشى جمال عبد الناصر الذى أسس تنظيم الضباط الأحرار وعاد غاضباً من حرب فلسطين عام 1948 ضمن قوات الجيش التى نزلت لشوارع القاهرة لحفظ الأمن وإنقاذ النظام بعد انفلات الأمور عقب الحريق وبعد رؤيته للقاهرة محترقة قرر أن العد التنازلى للثورة قد بدأ.
فى فجر يوم 23 يوليو 1952 يفجر جمال عبد الناصر الثورة ولأنه ثورى راديكالى يؤمن بالحلول الجذرية ولا يحب المساومات فلم تمض ثلاثة أيام إلا وقد تم طرد الملك فاروق ولم يمض شهر ونصف إلا ويصدر قانون الإصلاح الزراعى فى 9 سبتمبر 1952 ليوجه به ضربة قاسية للاقطاع والاحتكار ولأنه رجل ثورة من الدرجة الأولى ولضمان ولاء أجهزة الأمن للثورة يتولى بنفسه منصب وزير الداخلية لمدة 3 شهور يقوم خلالها بإعادة ترتيب الأجهزة الأمنية لتخدم الثورة الوليدة وبعد أن يطمئن لنجاح مهمته يسلم الإشراف على الأجهزة الأمنية لواحد من أذكى رفاقه هو \"زكريا محيي الدين\" ، وقبل مرور عام على الثورة يقضي على النظام الملكى ويحول أقدم مملكة فى التاريخ إلى جمهورية ،ولتحقيق الجلاء لم يقبل عبد الناصر بالمفاوضات فقط كسبيل وحيد لطرد الإنجليز من مصر بل يخوض ضدهم حرب شعبية بواسطة الفدائيين وتتكلل مساعيه بالنجاح بعقد اتفاقية الجلاء فى 19 أكتوبر 1954 وعندما يرفض الغرب إمداده بالسلاح يكسر احتكار السلاح ويعقد صفقة الأسلحة التشيكية الشهيرة وعندما يسحب الغرب تمويله للسد العالى يقرر تأميم قناة السويس فى 26 يوليو 1956 وعندما تتعرض مصر للغزو يقرر المقاومة والقتال حتى أخر رجل وعندما تخرج مصر منتصرة وتسترد قناتها يقرر الاستيلاء على كل ممتلكات الدول التى شاركت فى العدوان على مصر وعندما يطرح إيزنهاور مبدأه لملء الفراغ بالشرق الأوسط يرفضه ويسقطه وعندما تتعرض سوريا لمحاولة لغزوها يتصدى لها ثم يوافق على الوحدة الاندماجية معها وعندما تنفجر ثورة العراق فى 14 يوليو 1958 يؤيدها وهكذا كانت كل سياساته تحكمها رؤيته كثائر ومحرر للعرب ولكل الشعوب المستعبدة فقد ساند كل حركات التحرر فى أفريقيا وأسيا وأمريكا الجنوبية كان جمال عبد الناصر تجسيداً حياً لفكرة الثورة لذا كان طبيعياً أن يقول كاسترو وجيفارا ومانديلا أن عبد الناصر هو أستاذهم وملهمهم كان منطقياً أن يرتبط عبد الناصر بصلات وطيدة بالثائر الفيتنامى الأسطورى هوشي منه وبالرئيس التشيلي اليسارى الشهيد سلفادور الليندى حتى الخمينى كان عبد الناصر هو أول من ساعده فى نضاله ضد الشاه وكان ضرورياً أن يغضب بريجنيف لتشبيه عبد الناصر بسوكارنو ويقول لمحدثه \" عبد الناصر لا يمكن تشبيهه إلا بماو تسي تونج\"
وبعد ضربة الانفصال أصبح عبد الناصر أكثر راديكالية فى الداخل وفى الخارج فيقيم أقوى اقتصاد مصري فى القرن العشرين ويبنى أكبر قاعدة صناعية فى العالم الثالث ويحقق قفزات فى مشاريع التسليح المتعلقة بالطيران والصواريخ ويساند ثورة اليمين ويهز العرش السعودى وينشئ منظمة الوحدة الأفريقية وعندما جاءت ضربة الهزيمة العسكرية فى 5 يونيو 1967 عقاباً له على نجاحه كان رد فعله متسقاً مع تكوينه فقد تحمل المسئولية كاملة وقرر الاستقالة وعندما ترفض الشعوب العربية قراره يتحمل مسئولية رد العدوان ويبنى جيش النصر ويرفض أن يتم الجلاء عن سيناء فقط ويصر على الحل الشامل للصراع العربي الإسرائيلى.
كان جمال عبد الناصر رجل دولة وزعيم أمة من طراز ثورى للأسف لم يظهر مثيل له قبله ولا بعده حتى الأن على الأقل فى عالمنا العربي ، حكمت رؤيته الثورية قراراته لبناء مصر ولتحرير كل المستعبدين فى العالم لذا سيظل ظاهرة تاريخية ومثال صعب تكراره وتظل ثورة 23 يوليو 1952 هى الثورة الحقيقية الوحيدة فى التاريخ العربي الحديث بما أحدثته من تغيرات جذرية طالت كل مناحى الحياة فى مصر وفى الوطن العربي وامتد إشعاعها للعالم كله لم تكن الثورة لتنجح لولا جمال عبد الناصر الذى استطاع بحسمه وبثوريته أن يقود أعمق تغيير عاشته مصر وأمتها العربية لو تحلينا بفضيلة قراءة تاريخنا وتحليل حوادثه لنجت انتفاضة 25 يناير من مأزقها المؤلم الحالى لقد واجه عبد الناصر أحداث شبيهة بما واجهته مصر بعد انتفاضة يناير ولكنه رفض أى حل يمكن أن يؤدى لقتل ثورته وإجهاض نتائجها لذا أستحق تلك المكانة المتفردة فى تاريخنا كأخر وأعظم ثائر واسطع شهاب مر فى ليل العرب الحالك الطويل.
فى تلك الذكرى الخالدة فى نفوس الأحرار أقول له \"فى ذكرى مولدك مصر قادرة من تانى توجدك\" أو هكذا أتمنى.



مقالات أخرى للكاتب

  • جمال عبد الناصر والأورويليون الجدد
  • قضية مصطفى أمين بين محمد حسنين هيكل, وصلاح نصر
  • خطة الخلاص من جمال عبد الناصر - خفايا الدور السعودى فى حرب 5 يونيو 1967

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    25,089,682