أمريكا وتجريف المنطقة العربية 1-2
2019-07-28 | منذ 4 أسبوع
محمد ناجي أحمد
محمد ناجي أحمد

 

يبدو لي أن إعادة رسم خارطة المنطقة العربية بشكل خاص، وتجريف الدولة بمفهومها السياسي، هو مقدمة وليس غاية، فالهدف من إعادة ترتيب هذه المنطقة من خلال خارطة للصراعات العرقية والطائفية والمناطقية، هو تفرغ الولايات المتحدة الأمريكية لتوسيع أقواس هيمنتها في آسيا الوسطى والقوقاز، حيث الموارد النفطية والغازية البكر، أي مصادر الطاقة التي توازي في حجمها مصادر الطاقة في الخليج، أو تأتي في مرتبة تليها مباشرة.

تدير الولايات المتحدة هلال الأزمات، المتمثل بالعراق وسوريا واليمن وليبيا وإيران وتركيا وباكستان وأفغانستان بما يخدم غايتها في توسيع أقواس هيمنتها في آسيا الوسطى، ممتدة إلى أوكرانيا على حواف روسيا. ويمكن العودة إلى كتاب "هلال الأزمات" لأيفو دالدر ونيكول نيسوتو وفليب غوردن، (ترجمة: حسان البستاني، الدار العربية للعلوم، بيروت، 2006)، لمعرفة أكثر وضوحا عن مسار الاستراتيجية الأمريكية داخل إطار هلال الأزمات الذي تديره من أجل الوصول إلى غاياتها الآسيوية. وهنا يأتي الدور الوظيفي لتركيا في آسيا الوسطى مماثلاً لدور الكيان الصهيوني في الشرق الأوسط، فكلاهما دور وظيفي مساند ومشارك للاستراتيجية الأمريكية واقواس هيمنتها، وهو دور يختلف عن التبعية المطلقة كحافظة نقود ولافتة عربية، المتمثل بدور مشيخات الخليج ودورها التابع والمنفذ للرغبات الأمريكية.

ولذلك فإن الصراع والتحولات التي جرت في تركيا والتنازع بين "الدولة الدينية والدولة المدنية" قد حسم لصالح الدولة المدنية بقيادة حزب إسلامي لم يكن بعيدا عن مشيئة الولايات المتحدة الأمريكيةـ تركيا بين الدولة الدينية والدولة المدنية – الصراع الثقافي في تركيا ترجمة: د. عُلا عادل، (الهيئة المصرية العامة للكتاب-مكتبة الأسرة، 2012).

عن طريق الخوف تشكل الولايات المتحدة تحالفات الضعف الخليجية، فهي تعي أن زوال الخوف يعني تفسخ التحالفات.

لم يتغير نهج الولايات المتحدة الأمريكية منذ إعلان "مبدأ مونرو" الذي حدد دائرة النفوذ والنأي بالنفس داخل القارة الأمريكية، واعتبر الاقتراب من هذه القارة تعديا على سيادة الولايات المتحدة الأمريكية. وفي السياق ذاته تأتي "مبادئ ولسون" الأربعة عشر، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، فما أرادته أمريكا هو خلق حالة فراغ لتملأه بنفوذها، وهو ما انتهجته في تدخلها العسكري في نهاية الحرب العالمية الأولى، ثم العودة إلى سياسة النأي بالنفس، ثم التوجه إلى السيطرة على العالم ضمن أقواس هيمنتها المتدرجة في توسعها. ففي كل هذه المراحل، المبدأ الجوهري في السلوك الأمريكي هو تحقيق أكبر قدر من المصالح دون خسائر.

وفي هذا السياق والمسار يأتي موقف الولايات المتحدة الأمريكية في حرب السويس 1956م.

في كتابه "أقواس الهيمنة" (الصادر عن دار الكتاب الجديد المتحدة، 2005) يقدم الدكتور إبراهيم أبو خزام دراسة شاملة لأقواس الهيمنة الأمريكية المتدرجة من القارة الأمريكية وأوروبا والشرق الأوسط وصولا إلى آسيا الوسطى والقوقاز حتى أوكرانيا على حواف روسيا. فالواقع أن مخططاتها الاستراتيجية مبنية على "ضرورة طرد الامبراطوريات العتيقة، وخلق فراغ استراتيجي، هو الذي أملى تنفيذ سياستها أثناء المراحل المبكرة للحرب الباردة، ولا يشفع لها في ذلك غلاف الأخلاق المزيف" (أقواس الهيمنة، ص 69).

سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وشرق آسيا تقوم على اتباع نهج بريطانيا خلال القرون الأربعة المنصرمة، فهي ضد اندماج وتكتلات وحدوية أو اتحادية في هذه المناطق التي تدخل ضمن أقواس هيمنتها أو تلك التي تسعى للسيطرة عليها. إنها تتحالف مع القوى الضعيفة حفاظا على توازن قوى الضعف التي يسهل إدارتها وتوجيهها. وبالتالي فهي ترى أن أي تقارب بين دول آسيا الوسطى وشرق آسيا مع روسيا وإيران خطر وتحدٍّ وتهديد لمصالحها.

يرى كسينجر أن انبعاث الصين شبيه بانبعاث ألمانيا في القرن التاسع عشر، ولهذا فهو يحذر من هذا "الانبعاث"، ويطالب بأن يتم الانتباه له، من خلال سياسة مبنية على "الذكاء والمثابرة وبرؤية ثابتة وبعيدة المدى"، بعيداً عن "العنتريات" الأمريكية الفظة، التي يمكن أن توقظ مبكرا العمالقة الآسيويين. فما لم يتم الانتباه بذكاء ومثابرة وروية فإن أمريكا "ستعض على نواجذها في المستقبل غير البعيد".

تجسد سياسة الرئيس الأمريكي (ترامب) في منطقة آسيا الوسطى وشرق آسيا التلويح بالعنتريات، والابتعاد عن "توازن القوى" الذي ينطلق منه كسينجر، بل ونهج بريجنسكي القائم على شراكة القوى المساندة للسفينة الأمريكية، في كتابه "رقعة الشطرنج الكبرى" الذي يطرح فيه نظرية تهدف إلى تحقيق الهيمنة الأمريكية، ولكن بأسلوب يقترب جزئيا من نظرية "توازن القوى" التي تبناها كيسنجر. فتفكير بريجنسكي الأساسي هو سيطرة أمريكا مع وجود دور مساند للآخرين. وبالتالي فإن من يقوم بالدور الأكبر له العوائد الكبرى.

إلاَّ أن سياسة الإدارة الأمريكية منذ إدارة بوش الابن تتبنى فكر هنتنغتون، و"هو ليس مفكرا استراتيجيا من طراز كسينجر أو بريجنسكي، ولكنه أقرب -الآن- للتفكير الشعبي الأمريكي، والأكثر جرأة في التعبير عن النوايا تجاه الصين (أقواس الهيمنة)، فتحول الصين في نظر هنتنغتون إلى قوة إقليمية آسيوية سيمس بالمصالح الحيوية للولايات المتحدة. هذا التفكير يحذر أمريكا من نمو الدور الصيني، ويبعث للصين رسالة مفادها أن "الولايات المتحدة الأمريكية لن تتردد من خوض الحرب إذا تجاوزت الصين الخطوط الحمراء في أطماعها الإقليمية" (ص132).

تعاني دول آسيا والقوقاز بعد سقوط الاتحاد السوفييتي من حالة "فراغ الهوية"، وهو ما حاولت أمريكا ملأه بالهوية الوهابية، من خلال التمويل السعودي لبناء المساجد والمعاهد الدينية. بالرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية إعلاميا ترى أن الأصولية الإسلامية خطر على الاستقرار العالمي، لكن دفعها للسعودية لملء الفراغ في هوية هذه الجمهوريات هدفه إيجاد ذريعة للتدخل في هذه المنطقة تحت مبرر "محاربة الإرهاب"، وبالتالي ضمها ضمن أقواس هيمنتها. "وقد بدأت الولايات المتحدة في الاندفاع غير المحسوس نحوها، بالتعاون الاقتصادي والوجود العسكري والتغلغل المخابراتي (ص147).

لم يكن صدفة اهتمام الكيان الصهيوني والسعودي بهذه المنطقة عقب سقوط الاتحاد السوفييتي، فعلى الصعيد الاقتصادي سارع الكيان الصهيوني "إلى الاستيلاء على المنشآت الاقتصادية والإعلامية، مستغلا انتقال هذه الدول من الاقتصاد الشيوعي إلى الاقتصاد الرأسمالي، وضعف الإمكانيات المالية لرجال الأعمال المحليين. وبينما شجع هذا الكيان انتقال العلماء والتقنيين إليه عند فتح الهجرة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، فإنه شجع على بقاء رجال الأعمال اليهود في هذه الأوطان للسيطرة على اقتصادياتها وتشكيل قوى ضغط مؤثرة لصالحه في المستقبل، كما اندفع للسيطرة على القطاع الصناعي والزراعي، بتملك المنشآت الصناعية وتقديم خبرته في المجال الزراعي" (أقواس الهيمنة، ص 150).

من خلال المآذن الوهابية على الأرض والسيطرة الاقتصادية الصهيونية على باطنها تكون هيمنة أمريكا وأقواسها قد أغلقت سيطرتها على آسيا الوسطى والقوقاز. لكن الوصول إلى ذلك يمر عبر تفكيك المنطقة العربية، وإسقاط الدول فيها إلى دويلات وإمارات طائفية وجهوية وعرقية، لتأمين نفوذها هنا، وتحاول أن تحكم قبضتها هناك. وفي كلا المشروعين للكيان الصهيوني والسعودي دور تنفيذي رئيسي. ففي مجال الأمن تغلغل الكيان الصهيوني في هذه المنطقة، وقدم نفسه كخبير في قضايا "مكافحة الإرهاب والمجموعات الأصولية"!

إن إعادة رسم الخارطة الجيوسياسية للمنطقة العربية هي خطوة مهمة في سياق "تنظيف" أقواس الهيمنة القديمة، وإعادة ترتيب أوضاع الشرق الأوسط، "فهي ما لم تفرغ من هذه المنطقة لن تكون قادرة على فتح جبهة جديدة" وقوس هيمنة جديد.

في إدارة بوش الابن كان التصريح بالحرب الصليبية في توصيف حرب الخليج الثانية، وترويج الصحافة الأمريكية لضرورة فرض نظام وصاية شبيه بنظام الوصاية الذي سلكه الاستعمار الحديث، وكانت المقارنة بين محاربة القرصنة في القرن التاسع عشر، والذي كان مدخلا ومبررا للاستعمار آنذاك ومقارنة ذلك بمحاربة الإرهاب، الذي هو في جوهره مدخل وذريعة لإسقاط مفهوم سيادة الدول... كل ذلك يأتي تجسيدا لتوسيع أقواس الهيمنة الأمريكية في القرن الواحد والعشرين.

أطلقت الولايات المتحدة على تدخلها العسكري في شؤون الصومال ما سمته عملية "إعادة الأمل" وذلك بذريعة وقف الحرب الأهلية هناك. وأطلق ما سمي بـ"التحالف العربي" الذي تبرز في واجهته السعودية والإمارات على عملياته الحربية في اليمن اسم "عاصفة الحزم" وهو تحوير شكلي لـ"عاصفة الصحراء" الذي قادته الولايات المتحدة لاحتلال العراق، ثم أطلقت السعودية على عملياتها العدوانية والاحتلالية على اليمن اسم "إعادة الأمل" وهو الاسم الأمريكي في عملياتها على الصومال! وحدة التسميات ودلالتها الهوليوودية تحيل القارئ الفاحص إلى القيادة الأمريكية لهذه العمليات، التي بدأت بشنها على أفغانستان ثم العراق ثم سوريا وليبيا واليمن!

 



مقالات أخرى للكاتب

  • من سمات القيادة الحركية
  • أمريكا وتجريف المنطقة العربية 2-2
  • الكتابة كإرجاء وممحاة لقسوة الذاكرة في “أطياف عدن – هذيان الحطب – شهادات سياسية”

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    32,200,021