فرض «صفقة القرن» بالأمر الواقع
2018-09-08 | منذ 2 أسبوع
د. محمد السعيد ادريس
د. محمد السعيد ادريس

 

يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأركان إدارته، خاصة هؤلاء الأشخاص المحسوبين على التكتل الصهيوني ويمثلون عملياً كيان الاحتلال «الإسرائيلي» باتوا في عجلة من أمرهم لفرض ما سمي ب «صفقة القرن» التي تعبر عن مشروع الرئيس الأمريكي لحل الصراع «الإسرائيلي»- الفلسطيني عملياً ودون حاجة إلى الإفصاح أو الإعلان الرسمي عن ذلك. فبعد التكتم الاضطراري على مضمون هذه الصفقة لأسباب كثيرة أبرزها الرفض العلني والمطلق من جانب الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) ودعم أطراف عربية لهذا الرفض خاصة بعد فرض ترامب القدس عاصمة للاحتلال، بدأت إدارة ترامب، وخاصة هؤلاء الموالين «لإسرائيل» وعلى رأسهم صهر ترامب ومستشاره جاريد كوشنر وجيسون غرينبلات مبعوث ترامب للشرق الأوسط إلى جانب ديفيد فريدمان سفير الولايات المتحدة لدى «إسرائيل» والعشرات من الصهاينة داخل الإدارة والكونجرس، بدأ كل هؤلاء استعجال فرض مشروع ترامب للسلام، ربما لإدراك كل هؤلاء للظروف شديدة الصعوبة التي تواجه الرئيس داخل الولايات المتحدة والتي تهدد إما بعزله عن الحكم، أو على الأقل عدم التجديد له لولاية ثانية في الانتخابات الرئاسية التي ستجرى بعد عامين من الآن.

فبعد أن فرض ترامب القدس عاصمة «لإسرائيل» عنوة متجاوزاً كل قرارات الشرعية الدولية التي تعتبر القدس الشرقية أرضاً محتلة، وبعد أن أصدر الكنيست «الإسرائيلي» ما يسمى ب «قانون القومية» ليفرض يهودية الكيان وما سوف يقوم بضمه من أراضي الضفة الغربية المحتلة والقدس، بما يعني إعلانها أرضاً ملكاً للشعب اليهودي وحده وفرض الهوية اليهودية على الدولة، بعد هذا كله جاء الدور لفرض الضلع الثالث من مثلث تصفية القضية الفلسطينية، كما تريدها «صفقة القرن» تصفية أمر واقع دون إفصاح عن مسميات، من خلال العمل الأمريكي - «الإسرائيلي» لدفن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم الفلسطيني، والقضاء نهائياً على هذا الحق وهي العملية الخبيثة التي تتم الآن تحت مسمى «تصفية وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)».

فالتسوية التي أقرها «مشروع أوسلو» الذي أعلن عنه عام 1993 كانت قد أرجأت ثلاث قضايا محورية جرى تسميتها ب «قضايا التفاوض النهائي» هي قضايا: الحدود والقدس وحق العودة للاجئين الفلسطينيين، وكان المفترض أن تحل هذه القضايا في غضون عشر سنوات من ذلك التاريخ، لكن يبدو أن قرار الإرجاء كانت خلفيته الانتظار المؤقت لحين خلق الظروف التي تتيح ل«إسرائيل» حسم هذه القضايا الثلاث لصالحها، وهذا ما حدث بالفعل،

فبعد أن حسم الرئيس الأمريكي موقف واشنطن من القدس وأصدر قراره بنقل السفارة الأمريكية إليها بدأ التحرك باتجاه إنهاء حق العودة حسب ما كشفت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية. فقد كشفت المجلة أن الولايات المتحدة تخطط للتخلي عن «الأونروا» في سياق ترتيبها لتمرير «صفقة القرن» والتي تسعى من خلالها إلى سحب صفة «اللاجئين» عن ملايين الفلسطينيين، واعتبار أماكن وجودهم حالياً «أوطاناً بديلة ودائمة»، ومن ثم شطب «حق العودة» والتخلص نهائياً من نحو نصف الشعب الفلسطيني، أي فلسطيني الشتات.

هذه الجهود كانت تتم بموازاة مساع أخرى داخل الكونجرس لإصدار تشريع أمريكي يقلّص عدد اللاجئين إلى 40 ألفاً فقط، وليس خمسة ملايين كما تؤكد منظمة «الأونروا». كان داج لمبورن عضو مجلس النواب يتزعم هذا التحرك، لكن الجديد في الأمر هو هذا الاندفاع والتسارع الأمريكي لإنهاء حق عودة اللاجئين الفلسطينيين بإنهاء وجود الأونروا في مخطط يبدو أنه مدروس بعناية ويعبر عن أجواء التوتر الشديدة داخل الإدارة الأمريكية في ظل أزمات ترامب المتصاعدة.

أخذ ضربة البداية في هذا التحرك جون بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي (صهيوني الهوى) أثناء زيارته الأخيرة ل«إسرائيل» (22/8/2018) حيث أمعن في توجيه انتقادات لاذعة لوكالة الأونروا ووصفها بأنها «آلية فاشلة»، وزعم أنها تنتهك القانون الدولي فيما يتعلق بوضع اللاجئين. ثم جاء الدور على نيكي هايلي، رئيسة الوفد الأمريكي بالأمم المتحدة التي شككت في أعداد اللاجئين الفلسطينيين، وبحق العودة، مبدية الموافقة على «ضرورة إزالة القضية من على الطاولة»، وبررت الناطقة باسم الخارجية الأمريكية هذا القرار في بيان جاء فيه أن «نموذج عمل الأونروا وممارساتها المالية عملية معيبة في شكل لا يمكن إصلاحه»، وأوضحت أن «توسع مجتمع المستفيدين أضعافاً مضاعفة وإلى ما لا نهاية لم يعد أمراً قابلاً للاستمرار».

مبررات مختلقة هدفها واضح ومحدد وهو «إزاحة حق العودة عن طاولة التفاوض» لإكمال مشروع تصفية القضية الفلسطينية لصالح كيان الاحتلال «الإسرائيلي»، وهذا هو جوهر «صفقة القرن» مشروع ترامب للسلام.

mohamed.alsaid.idries@gmail.com

د. محمد السعيد ادريس

رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي .

عن موقع التجديد العربي



مقالات أخرى للكاتب

  • مئوية قائد
  • تحديات تواجه المصالحة الفلسطينية

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    25,015,633