مراجعات 23 يوليو
2018-07-25 | منذ 3 شهر
عبدالله السناوي
عبدالله السناوي

 

بأي تعريف كلاسيكي للانقلاب العسكري، فإن «يوليو» الانقلاب الوحيد في التاريخ المصري الحديث، تنظيم سري داخل الجيش ضم وجنّد وخطط قبل أن يتحرك بغتة ويمسك بمقاليد السلطة؛ بعد إطاحة النظام الملكي.

وبأي تعريف كلاسيكي للثورة فإن «يوليو»، الثورة الوحيدة بحجم التغييرات الجذرية، التي أحدثتها في بنية المجتمع الطبقية وطبيعة التوجهات الاستراتيجية، التي تبنتها وغيّرت بها معادلات القوة والنفوذ في العالم الثالث.

كان عميد الأدب العربي الدكتور «طه حسين»، أول من أطلق وصف الثورة على (23) يوليو؛ بعدما كانت تُسمى في بداياتها ب«الحركة المباركة».

استدعاء الصفات من احتياجات مجتمعاتها.. وقد كانت مصر بحاجة ماسة إلى التغيير الجذري في بنية العلاقات الاجتماعية والتوجهات الاستراتيجية، حتى يمكنها تحقيق مطلبيها الكبيرين في جلاء قوات الاحتلال البريطانية، ورفع المظالم الاجتماعية عن أغلبية شعبها.

ككل الثورات المصرية الأخرى جرى إجهاضها بالعمل العسكري ضدها أو بثغرات نظامها.

أجهضت الثورة العرابية، واحتلت مصر عام (1882) وران صمت طويل بأثر الانكسار حتى ارتفع على المسرح السياسي صوت «مصطفى كامل».

أجهضت ثورة (19)؛ بالتلاعب بالدستور والحكومات؛ وحرمان «الوفد»، حزب الأغلبية الشعبية بلا منازع، من حقه في الحكم باستثناء مرات معدودة؛ لكن آثارها في حركة المجتمع والثقافة والفنون والتعليم، جعلت مصر أكثر ثقة في نفسها ومستقبلها.

بروح نقد الثورة في أربعينات القرن الماضي؛ بزغت روح جديدة وتيارات فكرية جديدة، مهدت الطريق ل(23) يوليو، التي حاربت وحوربت، أنجزت وانتكست.

وبروح النقد، التي تولدت بعد نكسة يونيو (1967)، تأكدت قيم المشاركة السياسية ودولة المؤسسات بجوار إعادة بناء القوات المسلحة من جديد على أسس علمية حديثة، وإبعادها عن أي تورط في السياسة الداخلية. وقد كان إجهاض ثورة «يناير» حلقة جديدة في الظاهرة نفسها؛ لكن بصورة أفدح.

لماذا كان تراجع الثورات سمة عامة؛ بعد فورة البدايات المبشرة؟

هذا سؤال في الحاضر وأزماته.

إن أسوأ اقتراب من ملفات التاريخ، الإعراض عن الحقائق والثأر بالتهجم.

باستثناء «يوليو»، فإن ثورة أخرى لم تحكم، وقد تعرضت أكثر من غيرها إلى تحديات ومخاطر ومحاولات اغتيال زعيمها.

لماذا جمال عبدالناصر بالذات؟ في استهدافه حياً وميتاً شهادة على قوة مشروعه وحجم تأثيره.

أي كلام يتجاهل الانقلابات الاستراتيجية والاجتماعية على مشروعه، أو يلحق به سياسات «أنور السادات» و«حسني مبارك»، تجهيل بالتاريخ؛ يستهدف الذاكرة العامة؛ حتى يكفر المصريون بأي معنى حقيقي للثورة، وحقوقهم الطبيعية في التحرر والاستقلال والعدل، أو أية تطلعات للتصحيح والتصويب حتى يمكن بناء دولة مدنية ديموقراطية حديثة، كما طمحت «يناير» المجهضة. لكل ثورة سياقها التاريخي، وأي كلام خارج سياق زمنه تهاويم في الفضاء.

«يوليو» لعبت دورها في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية بقدر ما لعبت ثورة (1919) دورها في عالم ما بعد الحرب العالمية الأولى.

في سنوات يوليو أطلق «عبد الناصر» أوسع عملية حراك اجتماعي نقلت أغلبية المصريين من هامش الحياة إلى متنها، كما تصدر مشهد حركات التحرير الوطني في العالم العربي وإفريقيا ملهماً العالم الثالث كله.

قيمة «عبد الناصر» الحقيقية أنه كان يصدق نفسه ويصدقه الناس ونزاهته الشخصية كرّست صورته في التاريخ، غير أن التناقض كان فادحاً بين اتساع المشروع وضيق النظام.

وصف الشاعر السوداني «محمد الفيتوري» ما جرى في يونيو، وما بعده ب«جلال الانكسار». كان ذلك التعبير قريباً في معناه ودلالته، مما أطلقه الشاعر العراقي «محمد مهدي الجواهري» في وصف «عبدالناصر» ب«عظيم المجد والأخطاء».

لا توجد ثورة واحدة في التاريخ بلا أخطاء جسيمة ارتكبتها، ولا ثورة هدمت قديماً متهالكاً، وأسست لجديد يتطلبه عصره جرت وقائعها في معامل كيمياء تتوافر لتفاعلاتها كل شروط الأمان.

بقوة مشروعه اكتسب صفة «آخر العمالقة» بتعبير الكاتب الأمريكي «سيروس سالزبرجر».

قوة «عبد الناصر» الكامنة في مشروعه السياسي العريض لا في ثغرات نظامه القاتلة.

لم يكن ممكناً أن تأخذ هزيمة «يونيو» (1967) مداها المروع لو لم تكن الأوضاع داخل المؤسسة العسكرية منكشفة بالتجاوزات وقلة الكفاءة، وتتفشى فيها مراكز قوى أضعفت درجة اليقظة لأية مخاطر على الحدود، أو أي استعداد لمواجهة عسكرية، وما لم يكن النظام كله مقفولاً ومنكشفاً لأخطاء جوهرية فيه أدانها «عبدالناصر» نفسه في محاضر رسمية بعد الهزيمة.

تقويض التجربة بإنجازاتها ومشروعاتها وتوجهاتها الرئيسية جرى من داخل النظام.

لم يكن نظام «يوليو» قادراً على حمل مسؤولية المشروع إلى مدى أبعد. تقول رواية متواترة، إن الطالب «جمال عبدالناصر» لعب دور «يوليوس قيصر» في مسرحية «وليام شكسبير»، التي تحمل الاسم نفسه على مسرح مدرسته الثانوية.

لم يكن ممكناً لمن شاهدوا ذلك العرض المسرحي المدرسي أن يخطر ببالهم أن الطالب الذي يُمثل دور «يوليوس قيصر»، أو يصرخ متألماً بعبارته الشهيرة: «حتى أنت يا بروتس» سوف يلقى مصيراً مماثلاً في قادم الأيام، حين يتنكر له بعض رجاله ويطعنون فيه.

عبدالله السناوي

صحفي مصري - رئيس تحرير صحيفة العربي الناصري

عن موقع التجديد العربي



مقالات أخرى للكاتب

  • لحظة مواجهة الحقيقة
  • مئوية ناصر
  • اليونيسكو والمونديال: رسائل سياسية

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    25,393,072