أفِيقِي شَآمُ و الغُوطَةُ الغنَّاء
2017-11-03 | منذ 1 شهر
د. علي عقلة عرسان
د. علي عقلة عرسان

 

 

دمشقُ.. دمشقُ..

أَما زالَ يغريكِ ذَوْبُ الكلامِ نُضَارا..

فتَمْشينَ شَهراً، وتَبكينَ دَهراً..

ويُشعِلُ فيكِ حَنينُكِ نارا؟!

أَحِنُّ إليكِ.. أَخافُ عليكِ..

 

وأَلْمحُ في اللَّيلِ آثارَ نُورِكِ..

 

فَوقَ الهِضابِ، دِثارا..

وفوقَ انسدالِ ذوائبِ حَوْرِكِ في المَاءِ،

أَلْمَحُ دمعَ العَذارى.

نشيجٌ، مَدى البَرِّ، هُنَّ،

ويُشْعِلْنَ في الحُرِّ، وَجْداً ونَارا..

تَضيقُ بهِنَّ القِفارُ، يَضِقْنَ بِها،

ويَبقَين في القَهْرِ، بؤسَ القيودِ، وبُؤْسَ الحَيارى.

ويُلقِينَ في الناسِ أَلفَ سُؤالٍ، عَن الشَّامِ..

كيفَ تصيرُ شِعارا..

وكيفَ تسيلُ بهنَّ الدُّروبُ،

وتبقى صُراخَ العِدا، والسُّكارى..

فيُعلِنَّ للكونِ موتَ الشَّهامةِ،

موتَ الرِّجالِ..

وما يَمْلأُ المَرءَ عَارا.

- 2-

وألمَحُ، يا شامُ، ضَوءاً هناكَ،

بحُضْنِ الحَواري.. سَنا مِسْرَجَة،

خيالَ عَمَارٍ.. غُبارَ رِجالٍ..

وأَشياءَ تَبدوا لَنا مُحْرِجَة..

خيالاتُ مَنْ يا تُرى.. يا شَآمُ..

خيالاتُ ماذا، ومَنْ، ولمَاذا..

على مَتْنِ مَرْجَتِكِ المُرْهِجَة..؟!..

أزحفُ حديدٍ، وإقبالُ عيدٍ، ورَعدُ نشيدٍ..

وخيلُ النَّشَامى، تُرى مُسْرَجة؟!

أَشُبِّه لي يا تُرى، يا دمشقُ؟!

أَشُبِّه لي.. أَمْ تُراهُ سَرابُ ضِياء..

سَرابُ عَمارٍ.. سَرابُ رجالٍ..

وأَنَّك في الدُّنَا مِضْرَجَة.؟!

تَمُدِّينَ بُسْطَ الرَجاءِ..

وليسَ هنالكَ مِنْ مٌرْتَجَى.

تُراكِ، تَلاشَى صَباحُكِ، عَزْمُكِ، ضوؤكِ..

حلَّ الظَّلَامُ، بساحِكِ،

صِرْتِ سُبَاتاً، ورُحْتِ إلى غُربةٍ، مُدْلِجَة؟!

أَسِيلِي الكُلُومَ بَياناً، دمشقُ..

وكُوني كَما أَنتِ، يا جَنَّةً مُبْهِجَة..

ويا دار عزٍّ، ويا موئلٍاً مُرتَجى.

- 3-

بريقاً خَفيفاً، كلَمْعةِ سَيفٍ صَقيلٍ، لَمَحْتُ..

أَسَيْفَاً لِخالدَشُفْتُ، وشَفَّتْ بِهِ الَأزْمِنَة؟!

يكادُ يُكسِّرُهُ الغَزْوُ، غَزْوُ الطُّغَاةِ،

وأَمْوِيّكِ، تَحْتَلُّهُ الأَلْسِنَة..

وثوبَ الغِفَارِيِّ خِلْتُهُ، يَرْشَحُ بؤساً ويأْساً،

يُعَلِّقُهُ العَسْكَرُ، رَدْعاً، على المِئذَنَة..

ومِسْرَجَةً لابنِ عبدِ العَزيزِ،

تَنُوسُ، وتَشْهَقُ مُسْتأذِنَة..

فلا زيتَ فيها،

ولا مَنْ يقولُ اشْعلُوها،

ولا مَنْ يبادرُ، فعلَ الغَيَارَى، إلى أنْسَنَة..؟!

وعندَ السّفوحِ التي أثقَلَتْها الجِراحُ..

رأَيتُ شِعاراً، وزَهراً، وناراً..

ومَثوىً، على رَبْوةٍ، من ضياءٍ..

رأيت شَهيداً، على صَهْوةٍ من فَضاءٍ..

يضِجُّ بأقوالِه المُحْزِنَة،

يصيحُ بنا.. “يا سُكارى:

خُذوا مِنْ دَمِي ثَوبَ عَزْمٍ، وأَحيوا الدِّيارا..

ولا يقْتُلَنْ واحدٌ نفسَهُ، فيُرضي العَدوَّ جَهارا..

ويُفْلِسُ، يُطفِئُ شَمعَةَ روحِهِ،

يغدو، لَدَى الرَّوْعِ، شِبْهَ طيور الحَبَارى.. ؟!

تعالوا إلى دَمنا واقرأوهُ، تَرونَ وضوحَ الدُّروبِ، وضوحَ العِبارَة.

فما بَأْسُنا، إن يكن بيْنَنا، سوى قَتْلِنا، يا سُكارَى..

أَفيقوا، أَفيقوا، أَفيقوا..

طَما الخَطْبُ”، ها هوَ..

يُرْسِلُ أَلْفاً، وأَلْفَ إشارة.”.

يصيح الشَّهيدُ، يقول..

ولا مَنْ يُجيبُ الشَّهيدَ،

ولا مَنْ يَراها البلادَ، دَمارا..

ولا من يَراها سَبايا، تُعَرَّى، العَذارى.؟!

ولا مَنْ يَرى نفسَه، ثَوْبَهُ، في الدِّماءِ..

ولا مَنْ يرى في الكلامِ، إثَارَة.

دمشق..

بَكَيْتُ بكاءَ الحَيارَى..

بتيه الدُّروب، ولفحِ الصَّحارَى..

أَأنْتِ بثوبِ الدِّماءِ، وثوب السَّوادِ..

وتُطْفَا عيونُ بَنيكِ..

وتبقينَ صَمتاً، سِتارا؟!

كفاكِ التزامَ السُّكوتِ، وسكبَ الدُّموعِ،

كفاكِ فرارا..

وقولي.. يكن، يا دمشق..

فأَنتِ عَلَّمْتِ ما قد يكونُ..

وكيفَ يُصاغُ الظَّلامُ نَهارا،

وكيفِ تكونُ الشَّآمُ العزيزةُ، للعزِّ داراً،

وللعُربِ، نوراً، ونارا.

- 4-

دمشق..

أخاف عليكِ الضِّياع..

أكاد أراهُ الضِّياع..

ومَن ضاعَ يا شام يُفنِي، ويَفنَى،

ومَن ضاعَ يا شامُ ضَلَّ وباعَ..

ومَن باعَ يا شامُ خَانَ وضَاع..

ومَن أدمنَ الصَّمتَ، في النّائباتِ، كَأدمَنَ موتاً..

فصمتٌ وموتٌ، كصاعٌ بصَاع.

تَعَوَّدَ قومٌ سكوت العَذارى،

وأدمن قومٌ لبوسَ القِناعِ،

وقطعَ التواصلِ بينَ اللسانِ وبين البيانِ..

وبينَ الضَّميرِ، وبينَ الذِّراع..

تعوَّد شعبي مضغٌ الكلام، اجترارَ الكلامَ،

وأَنْ يَستطيبَ الخِداعَ،

ويَحيا عليه، بما يُسْتَطاع..

ويُعليهِ باباً، ويبنيهِ دَارا..

ويغزو به العالمِينَ، جَهارا

ويا هولَ يا شَامُ أن يُفتَحَ السُّوقُ..

سوق الكَلامِ، وسوقُ الخِداعِ..

فنهجُالخَديعَةِ يُخفي صَغَارا..

ويا هَولَ يا شَامُ أن يُصْبحَ الدَّمُّ ماءً،

وأَنْ يُصبحَ الناسُ لِلْمَا أَسَارى

يَغورُ ضُحاكِ، ويَبكي حِماكِ على مَنْ حَمَاكِ،

وتبكي عيونُ العَذارى.

أَفيقي شَآم.. أَفيقي.. فإنَّ سُباتَك طال وسَارَ

وأَحرَقَ قلبَ أُباتِكِ، أَشْعلَ ماضِيكِ نَارا،

وصارَ، لكلِّ البُناةٍ، “نِداءُ العُروبةِ” عَارا.؟!

أفيقي.. أفيقي..كَفاكِ اصْطِباراً..

كفاك انبهاراً، كفاك إنهيارا.

//الغُوطَةُ الغَنَّاء:

في الغُوطَةِ الغَنَّاءِ، فيما كانَ مِنْ زمان..

ذَاتَ مَساءٍ دافئٍ، يفيضُ بالحَنان..

مَشَيْتُ في بُستان..

نَرْجِسُه وَسْنان،

في ظِلِّ نارنجٍ، على أكتافِهِ،

عِطْرٌ،وعِرْزَالٌ، ومَهْدٌ للهوى..

يَغفو، ويَحلُم، في أَمَان.

وجَدْولٌ في حُضنهِ جَذلان..

يَحكي حَكايا العِشْقِ، للفِتيان،

لِمَنْ تفتَّحَ وردُها، ومَنْ بِها ولْهان..

بينَ عُيونِ الماِء، والخُضْرَةِ، والوجهِ الحَسن.

في ذلك المَكان.. يغفو المُعَنَّى آمناً،

ويحلُمُ الزَّمان.

- 2 –

في ذلكَ البُستان،

في كان، يا ما كان..

تطيرُ بي أُرجُوحةٌ سِحريّةٌ، مُطلَقة العِنان..

تقاربُ السَّماءَ في تَجْوالِها،

تمسُّها، مسَّ الأشعّةِ وَرقَةَ الرَّيحان،

وفوقَ صَدْرِالمَاءِ، ياسَمين،

وفي السَّما نجمانِ، حائرانِ، يرْقُبان.

هناكَ في بحْبوحةِ الحَنان،

تَوَسَّدَت عيني المُنى..

مَرَّتْ أَمامي غادةٌ، تضجُّ بالألوان،

رَيحانةٌ، يتبعُها الرَّيحان..

كغُصنِ بانٍ أَخْضَرٍ رَيَّان..

يُرَقِّصُ الأَلْحان..

جُلْنارُها، نهرانِ هادئانِ، يَسْبيان..

ويسكبانِ السِّحرَ في البَيان،

ومقلتاها.. كوكبا كونٍ، من الأكوان..

من لُؤْلُؤٍ إهابُها، يَزِينُهُ المرجان..

قوامُها رَيَّان..

ويهتدي بنورِها، الحَيْران.

مثلَ رفيفِ الحُلْمِ مَرَّتْ، غابةُ المرجان..

هَفَّ النسيمُ، ثُمَّ عادَتْ كالقَمَر،

في النِّصف من نيسان..

في كفِّها ضَمَّاتُ بَيْلَسان..

تحنو على وردٍ تَلَفَّعَ بالنَّدى، وَسْنان.

سالَتْ عبيراً، أَتبَعتْه هامِسَ البيان:

شاياًبنعناعٍ تُريدُ،

أَمْ شُعاعاً من نبيذٍ، في لَمَا الرُّمان..

أَمْ ضحكةً للشَّمسِ في فجرِ الهوى.. أَمْ..”؟!..

وأشرَقَت نِيران.

أَومَأتُ.. لكنْ قبلَ ما..

غابَتْ قليلاً بين أَغصانِ الشَّجَر..

خِلْتُ الحَجَر..

يَجري وراها حَافياً.. ونصفُه عريان..

يجنُّ إذ تخطو على بعض الثرى..

يريد أَنْ يبقى لها خَدَّان؟!”.؟؟

عادَتْ، كما زهْوِ القَمر،

في النِّصفِ من نيسان..

في كفِّها فنجان..

شايٌ بنعناعٍ، وشيءٌ يُشْبِه الرُّمان..

مذاقه من جَنَّة الرّضوان..

أَسكرني، حَيَّرني،

أَدهشني بيانُها، وشايُها،

أشعلَني الرُّمَّان،

صًيَّرَني كأَنَّني “مُغامرٌ “من سَالِفِ الزَّمان..

ونجمةٌ قطبيةٌ هِيأَتْ لَهُ، هِيءَ لَهَا..

هَلَّتْ لِتَروي غُلَّةَ الظَّمْآن.؟!

ما أَكرَمَ الزْمان..

ما أَكرَمَ الزَّمان.

ما أَكرَمَ الزَّمان..

- 3-

ها كلُّ شَيئٍ، ها هنا مَكانُه..

في غُوطَةٍ، كانتْ لنا بُستان.

لكنَّما فَقَدَتِ البَهاءَ، والأَمان.

بُستانُها عُريان، وطَيْرُها عَطْشان..

يا ظلّهُا، قيظُ الظَّما،

في عينِها الحِرْمان،

والنارُ ما أَبقَت بهِا، إلا سَوادَ الليلِ، والغِربان..

وبُومةً تصيحُ في خرائب العمران. ؟!

فيا له بُستانُنا،

ويا لَها من غُوطَةٍ، كانتْ لنا بُستان..

ومتعةً، وبهجةً.. يَسْلو بهاالسِّلوان..

ما أَعْجَبَ الزَّمان..

ما أَغْرَبَ الإنسان.؟!

وكان.. يا ما كان..

في حَاضِرِ الزَّمان..

في غوطةٍ كانتْ لنا بُستان..

وأَصْبَحَتْ مَراتِعَ الغِرْبان.

سَماؤها غَضَبْ،

وظِلُّها نَصَبْ،

وأَرضُها تعب..

إنسانها جوعان..

من دمها.. من دَمِنا، يغمُرُها طُوفان..

وهانَ فيها الوقتُ، والعمران، والإنسان..

نَهْنَهَهَا الهَوَان..

نَهْنَهَهَا الهَوَان..

يا عجَبَاً.. يا عَجَبَاً..

ما أَعْجَبَ الزَّمان..

ما أعْجَبَ الإنسان..

ما أَغْرَبَ الإنسان.

د. علي عقلة عرسان 

عن موقع التجديد العربي



مقالات أخرى للكاتب

  • هل مِن حَمِيَّةٍ، لمَحمِيَّة.. “مُقدساتٍ وحُرُمات”
  • الوعد الجريمة.. والافتخار العار

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    20,549,900