مستقبل إسرائيل ومخاوف نتنياهو
2017-10-27 | منذ 6 شهر
د. اسعد عبد الرحمن
د. اسعد عبد الرحمن

 

 

منذ إعلان تأسيس دولة الكيان الصهيوني، يتطرق الإسرائيليون اليهود، ومن قبلهم العرب من مسيحيين ومسلمين، إلى مسألة مستقبل هذا الكيان. ورغم أن موضوع نهاية هذه «الدولة» هي فكرة دينية وتاريخية في الأصل، فإن أحداً في إسرائيل لا يحب مناقشة الموضوع المذكور كلما أطل برأسه في كثير من الأحيان وخاصة أثناء الأزمات، كما حدث مباشرة بعد هزيمة يونيو 1967. يومها، كتب البروفيسور اليهودي المناهض لإسرائيل «يشعياهو ليبوفيتش» قائلاً: «في اليوم السابع، اللاحق لسادس أيام تلك الحرب، ستبدأ نهاية إسرائيل إذا لم تستيقظ». وبعد حرب يوليو 2006، أقر رئيس المعارضة آنذاك ورئيس الوزراء الحالي، بنيامين نتنياهو، بأن «الحرب أعادت سؤال الوجود إلى التلويح من جديد فوق رأس إسرائيل، بعدما أزالته حرب يونيو». ورأى نتنياهو في حينه أن «التساؤل عن إمكانية بقاء إسرائيل لم يعد يقتصر على أعدائها، وإنما شمل أصدقاءها أيضاً».

اليوم، ها هو نتنياهو يعود مجدداً تحت وطأة أسئلة المصير المستقبلي وما يكتنفه من هواجس ومخاوف تطال كثيراً من الإسرائيليين، وذلك خلال لقاء «ديني» في منزله مخصص لطرح مسألة مستقبل إسرائيل وشروط بقائها، وكأني بمسألة زوال إسرائيل أضحت مسألة تناقش علانية على أجندة الجدل الإسرائيلي. فهذه المرة، المتحدث عن ذلك هو رئيس الوزراء بالذات والذي قارن الدولة الصهيونية بمملكة الحشمونائيم، المملكة اليهودية التي أسقطتها الإمبراطورية الرومانية في عام 63 قبل الميلاد، مقارناً: «على مدى 80 عاماً نجح الحشمونائيم في الخروج من وضع صعب جداً.. علينا أن نتعهد بأن تحتفل إسرائيل بمئويتها».

لكن، حقيقة، أين يكمن التهديد الوجودي لإسرائيل في وضع إقليمي خال من أي تهديد حقيقي لها؟! ربما لا يكون التهديد واقع حال في المنظور القريب جداً، لكن ربما على الأمد الأبعد قليلاً، آخذين بعين الاعتبار تقرير وكالة الاستخبارات الإسرائيلية «الموساد» الأخير حين تحدث عن أن «المنطقة تتغير في غير مصلحتنا، خاصة تعاظم الخطر الإيراني في سوريا»، ثم تبعه تصريح رئيس أركان جيش «الدفاع» (غادي إيزنكوت)، الذي قال فيه إن «التطورات السورية خطيرة جداً»، إضافة إلى تصريحات وزير «الدفاع» (أفيغدور ليبرمان) بأننا «نواجه شرقاً أوسط أسوأ بكثير من الشرق الأوسط القديم». كذلك، باتت الدولة الصهيونية تعترف ضمناً بفشل مخططاتها لاستقدام يهود العالم، باعتبار الهجرة رافداً مهماً لاستمرار الكيان، فقد أكدت «الدائرة المركزية للإحصاء الإسرائيلي» أنه، وللمرة الأولى منذ عام 2009، فإن عدد الذين تركوا فلسطين المحتلة كان أكثر من الذين هاجروا إليها. وأظهر التقرير الأحدث للدائرة أنه في عام 2015 غادر فلسطين المحتلة نحو 16.7 ألف إسرائيلي، غالبيتهم عائلات، في حين استوطنها 8500 يهودي.

ودون أن ننسى الجيل الإسرائيلي الحالي الذي أدرك كذب الأساطير التي تربى عليها من نوع «أرض الميعاد» و«الشعب المختار»، يمكن اعتبار تصريحات نتنياهو جزءاً من الحالة النفسية التي يعيشها المجتمع الإسرائيلي جرّاء الحروب في المنطقة، فضلاً عن الوضع الاقتصادي السيئ (نسبياً طبعاً)، مثلما يرد في الاعتبار أيضاً كون نتنياهو يواجه قضايا فساد (قد تنهي حياته السياسية إن لم تأخذه إلى السجن)، فلربما هدف من وراء هذه التصريحات إلى إثارة المخاوف، مع توظيفها (كعادته) في خدمة مصالحه الشخصية وبقائه على سدة الحكم في أي انتخابات قادمة! ولطالما قدم نتنياهو نفسه على أنه القادر على ضمان أمن إسرائيل، في وقت يرى فيه العديد من المحللين أن هكذا تصريحات هي جزء من الاستراتيجية الإسرائيلية التي طالما وضعت نفسها في إطار صورة «الدولة الصغيرة» المحاطة جغرافياً بأعداء يهددون وجودها، فتجلب بذلك تعاطف وتأييد العالم. وفي هذا السياق، قالت صحيفة «هآرتس» في افتتاحية تناولت تصريحات نتنياهو خلال «ملتقى التوراة» الذي أحياه في مقره الرسمي: «أقوال نتنياهو توفر إطلالة ما على مزاجه كزعيم، إذ يتبين المرة تلو الأخرى أنه شخص ذو فكر متشائم، دفاعي وبقائي، يترجم في السنوات الأخيرة أيضاً إلى سياسة إسرائيلية هدامة: رفض سياسي عضال، إدارة ظهر لمبادرة السلام الإقليمية، عدم ثقة مطلقة بالاتفاقات الدولية، وارتباط بالقوى الرجعية». وأضافت الصحيفة: «خلال سنوات حكمه، لم يقد نتنياهو نحو تحالفات مركبة أو معارك عسكرية استثنائية بهدف ضمان وجود الدولة، فقد اهتم أساساً بالإبقاء على الوضع وفضّل إدارة النزاعات على حلها، وإرثه هو إرث سلبي: سيفعل كل ما يلزم للحفاظ على حكمه، وسيفضل الانشغال بتخويف الإسرائيليين».

ورغم غياب المشروعين الوطني الفلسطيني والعربي المساند، فإن إسرائيل –واقعياً- تتوفر كل مقومات زوالها كمشروع استيطاني إحلالي عنصري منافٍ للأخلاق والوجود والإنسانية، وذلك بحكم أنها دولة وظيفية عسكرية تعيش كجسم غريب عن المنطقة العربية، الأمر الذي يجعلها تبقى في حالة من القلق الشديد على مستقبلها، خصوصاً أن الأمن بالنسبة لها هو الأمن المطلق. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، فإن قادة إسرائيل يدركون أنها فشلت في أن تكون دولة مدنية متحضرة، وأنها تحولت إلى دولة عنصرية، ما ينعكس سلباً على إمكانية صمودها. أما بالنسبة لنتنياهو فإن مجرد طرح سؤال الوجود يعني الشك وعدم اليقين ومخاوف حقيقية من زوال «الكيان المصطنع».

د. أسعد عبد الرحمن

كاتب فلسطيني

عن موقع التجديد العربي



مقالات أخرى للكاتب

  • أين تتجه إسرائيل فلسطينياً؟
  • محاولات الانتقام من فلسطينيي 48

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    22,912,813