اليونيسكو والمونديال: رسائل سياسية
2017-10-12 | منذ 2 شهر
عبدالله السناوي
عبدالله السناوي

 

 

فى يومين متتالين وجدت مصر نفسها أمام سباقين دوليين لكل منهما طبيعة تختلف عن الآخر ومدى اهتمام عام متفاوت بفداحة ورسائل سياسية لها وقع وظلال.

الأول ـ سباق التأهل إلى مونديال (٢٠١٨) فى موسكو.. والثانى ـ سباق منظمة اليونيسكو لنيل منصب مديرها العام فى باريس.

لكل سباق قواعده وحساباته وشفراته الخاصة.

عندما حسم ـ مساء الأحد الماضى ـ المنتخب الوطنى بطاقة التأهل إلى نهائيات كأس العالم لكرة القدم سادت الميادين والشوارع والبيوت حالة استثنائية من الفرح العام.

كانت تلك رسالة لا تخطئ أن المصريين فى شوق بالغ إلى شىء من الفرح يخفف من وطأة الأزمات المستحكمة، التى تكاد تخنق الأنفاس وتسد أى أمل فى المستقبل.

لم يختلف مصرى مع آخر فى ذلك التوصيف ـ كأنه حقيقة مطلقة لا تقبل نقاشا.

كان يمكن أن تنسب الانفجارات العاطفية التى عمت المصريين إلى أن بلادهم غابت لثمانية وعشرين عاما عن المسابقة الدولية الأكثر أهمية فى كرة القدم رغم نيلها الرقم الأكبر فى البطولات القارية، أو إلى أنها حصدت بطاقة التأهل للمونديال فى الثوانى الأخيرة من المباراة مع الكونجو بعدما خيم الصمت الحزين يأسا من الذهاب إلى موسكو.

هذا كله صحيح لكنه لا يستوفى المشهد المصرى وخلفياته الاجتماعية وعمق تفاعلاته.

الترجمة المباشرة لذلك الاعتقاد أن هناك ضيقا اجتماعيا بلغ ذروته وانسدادا سياسيا لا يمكن تجنب عواقبه.

الإقرار الجماعى من رئيس الدولة إلى أصغر مواطن بحاجة المصريين إلى الفرح هو إقرار آخر بأننا لسنا على الطريق الصحيح.. والكلام عن أنهم يستحقونه يفتقد إلى صدقيته ما لم يرتبط بتصحيح أسباب الكآبة العامة.

الفرح ـ بطبيعته ـ فعل مؤقت، فإذا لم يستند على حقائق تتبدد بأسرع ما يمكن فوراته العاطفية.

التعبيرات الإنسانية الفضفاضة، مثل الفرح والسعادة والأمل، يمكن تأويلها على أوجه مختلفة بمقتضى المصالح المتضاربة.

ما هو صلب ـ بالحساب الأخير ـ مستوى الرضا العام على السياسات المتبعة ومدى اقتناع أغلبية المواطنين أن هناك أملا فى نهاية النفق الطويل.

بصياغة أخرى فإن مثل هذا الأمل تعكسه سياسات وخيارات ورؤى تنتسب إلى عصرها فى طلب الدولة الديمقراطية الحديثة وقيم العدالة الاجتماعية وشفافية القواعد التى يدار بها الشأن العام.

لم تكن تلك الرسالة الوحيدة على هامش التأهل للمونديال، فقد تجلت رسالة ثانية بوحدة المشاعر العامة للمصريين بالداخل والخارج على السواء، خاصة فى العريش بشمال سيناء، التى تقع فى قلب الحرب على الإرهاب ويئن أهلها من الطريقة التى يجرى بها التعامل معهم ـ كما لو كانوا إرهابيين مفترضين حسب تفلتات إعلامية متكررة على شاشات الفضائيات.

المشهد الأكثر أهمية تظاهرهم بالأعلام المصرية أثناء فترات حظر التجوال.

كانت هناك تظاهرات مماثلة فى غزة تماهت مع الفرح المصرى وهذه رسالة ثالثة لمن يريد أن يقرأ ويتعلم ويصحح الأخطاء التى ارتكبت.

لم تكن غزة بمفردها، فقد انتشرت الروح نفسها فى أرجاء كثيرة من العالم العربى.

ثمة شىء من الرهان على مصر لا يفارق المخيلة العربية رغم كل الاحباطات التى جرت وتجرى.

قوة المشاعر العربية رسالة رابعة إلى المستقبل لكن الألغام تحيطها من كل جانب وتنفجر فى وجوهنا بين حين وآخر.

كانت معركة اليونيسكو التى بدأت جولاتها الانتخابية فى اليوم التالى للتأهل المصرى للمونديال كاشفة لبعض تلك الألغام.

بحكم الإرث الحضارى لمصر الموغل فى القدم والدور الثقافى الذى لعبته فى عالمها العربى بالقرن العشرين هناك اعتقاد راسخ لدى دوائر عديدة بأحقيتها فى تولى منصب مدير عام اليونيسكو المنظمة الدولية المعنية بالتعليم والعلوم والتراث ممثلة للمجموعة العربية، التى لم تحظ بهذا المنصب ـ حتى الآن ـ على عكس المجموعات الأخرى.

غير أن المناصب الدولية لا تحصد بالأقدميات، أو اعتبارات الجدارة التاريخية وحدها.

أول ملاحظة رئيسية على سباق اليونيسكو أنه لم يكن هناك تنبه عام إلى الحدث نفسه بأى درجة وبدت التغطيات الإعلامية شحيحة كأداء واجب ثقيل فى أفضل الأحوال.

ثم كانت تلك التغطيات فقيرة إلى حدود بعيدة فى المعلومات التى وفرتها للقارئ العام عما يجرى فى الكواليس.

ثانى ملاحظة رئيسية أن درجة من التنبه جرت فى أعقاب الجولتين الأولى والثانية من انتخابات اليونيسكو بتصدر المرشح القطرى «حمد الكوارى» للسباق بفارق كبير نسبيا عن المصرية «مشيرة خطاب» التى حلت ثالثا.

بدا الأمر أقرب إلى الصدمة وأفلتت عبارات تنسب الأمر كله إلى رشى انتخابية دون نظر إلى مجمل ما يجرى فى المنظمة الدولية من صفقات وحسابات وتوزيع مصالح ونفوذ ومدى كفاءة المرشحين لتولى المنصب الأممى الرفيع بغض النظر عن أحجام بلدانهم.

ثالث ملاحظة رئيسية أن منسوب التسييس فى هذه الانتخابات وصل إلى ذروة غير مسبوقة على خلفية الأزمة القطرية مع أربع دول عربية بينهم مصر حتى كادت أن تكون مسرحا لتصفية الحسابات بين أطراف عربية متنازعة التوافق بينهم مستحيل تماما فى ظل المعطيات الحالية.

إذا وصل المرشحان العربيان مساء الجمعة المقبل إلى جولة الحسم الأخيرة، وهذا احتمال لا يمكن استبعاده، فإن تلك الأطراف المتنازعة سوف تلقى بثقلها المالى مهما تكن التكاليف لمنع الجانب الآخر من أن يكسب السباق الأممى حتى لا تكون هزيمة سياسية باهظة.

وإذا وصل أحدهما لهذه الجولة منافسا لوزيرة الثقافة الفرنسية السابقة «أودرى أوزلاى»، اليهودية من أصل مغربى وكان والدها مستشارا للملكين «الحسن الثانى» و«محمد السادس»، فباليقين أن الطرف الذى يغادر السباق عند محطته الأخيرة سوف يقف بكل ما يستطيع من قوة ونفوذ لحجب فرصة الفوز عن العربى الآخر.

حسب المعلومات المتاحة لا تحظى «أوزلاى» بدعم كاف من وزارة خارجية بلدها، فقد حازت بطاقة ترشحها فى نهاية رئاسة «فرنسوا أولاند» وكان ذلك الترشح أمرا واقعا أمام فريق الرئيس الجديد «مانويل ماكرون».

هذا أحد تفسيرات تراجع حظوظها إلى المرتبة الثانية حتى الآن، ربما تتغير المعادلات والحسابات بصورة جذرية إذا ما وصلت إلى جولة الجمعة الحاسمة.

كما هى عادة انتخابات اليونيسكو، التى تجرى فى خمسة أيام متعاقبة، فإن الحظوظ تصعد وتهبط من جولة إلى أخرى كأوراق «كوتشينة» يجرى «تفنيطها» حتى تستقر اللعبة على كاسب أخير.

إلى حين إشعار آخر المباراة ما زالت مفتوحة على كل الاحتمالات والسيناريوهات والمفاجآت غير مستبعدة.

رابع ملاحظة رئيسية أن الاستراتيجية المصرية فى إدارة انتخابات المنظمة الدولية افتقدت إلى أية خبرة يعتد بها، كالتعويل على أصوات المجموعة الإفريقية التى تبلغ (١٧) صوتا فى المكتب التنفيذى كأنها مسألة مضمونة بالنظر إلى قرار الاتحاد الإفريقى حتى بدت النتائج صادمة، فقد حصد المرشح القطرى أضعاف ما حصلت عليه المرشحة المصرية من أصوات القارة السمراء.

هذه رسالة أخرى كاشفة للخلل الهائل فى العلاقات المصرية الإفريقية.

وخامس ملاحظة رئيسية الاعتبارات المالية، بغض النظر عن شرعية أو عدم شرعية استخدام سلاحها، مسألة حاسمة فى منظمة تعانى ضائقة مالية تعجزها عن الوفاء بمتطلبات أدوارها ورواتب موظفيها والعجز المالى فى حدود (٥٠٠) مليون دولار.

بمرة سابقة حسمت اليابان الموقع بقدر ما لوحت بقدرتها المالية على حساب مرشحين عربيين متنافسين هما المصرى «إسماعيل سراج الدين» والسعودى «غازى القصيبى».

واعتبارات الصورة العامة تدخل فى ملف ترجيح مرشح على آخر، وباليقين فإن ملف حقوق الإنسان والحريات العامة نقطة ضعف جوهرية فى فرص السفيرة «مشيرة خطاب».

رغم انتهاكات قطر بدرجة أخرى فى الملفات نفسها وما هو منسوب إليها من تمويل الإرهاب فإن صدى الانتهاكات المصرية لها صدى مختلف أكبر وأخطر.

هذه كلها رسائل سياسية بالغة الحساسية فى وقت يحتاج فيه المصريون إلى استعادة ثقتهم بأنفسهم ومستقبلهم، ولو من ثقب إبره.

عبدالله السناوي

صحفي مصري - رئيس تحرير صحيفة العربي الناصري

عن موقع التجديد العربي



مقالات أخرى للكاتب

  • الزلزال الكردي في الإقليم
  • وديعة «حماس»
  • كلام في الدستور ودوره

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    20,537,907