تحديات تواجه المصالحة الفلسطينية
2017-09-22 | منذ 3 شهر
د. محمد السعيد ادريس
د. محمد السعيد ادريس

 

 

بكل المعاني يمكن القول إن ما نجحت مصر في تحقيقه من توافق بين حركة «حماس» والسلطة الفلسطينية كان مفاجأة سارة، لكونه يحمل مؤشرات فرصة مؤاتية لاستئناف جهود المصالحة الوطنية ، والانخراط مجدداً في ترميم المشروع الوطني الفلسطيني الذي نالت منه كثيراً الصراعات والانقسامات بين فتح و«حماس»، على وجه الخصوص، لكن رغم ذلك، يجب الوعي بأن هناك عقبات كثيرة قد تفشل هذه الجهود، سواء كانت من جانب الفلسطينيين أنفسهم، أو من جانب القوى الإقليمية والدولية التي قد ترى في هذه المصالحة الفلسطينية ما يؤثر سلبياً في مصالحها.

أهم ما في هذا التوافق أنه جاء في وقت بلغ فيه تراجع الاهتمام العربي والإقليمي والدولي بالقضية الفلسطينية ذروته، في ضوء استحواذ تطورات الأزمة السورية والصراعات الدائرة حول تقاسم نفوذ كل الأطراف في سوريا، وإدراك الكثيرين أن هذا الذي يحدث في سوريا الآن هو الذي سيحدد معالم خرائط التحالفات والصراعات الجديدة في الشرق الأوسط. في ظل هذه الظروف باتت»إسرائيل» غير معنية بشأن أية جهود لتجديد مفاوضات السلام، مع السلطة الفلسطينية، وأكثر ميلاً لتعميق مشروع التحالف مع أطراف عربية باتت حريصة على هذا التحالف من دون شروط مسبقة تتعلق بالقضية الفلسطينية.

كانت محصلة هذا كله غياب أولوية القضية الفلسطينية، ولعل هذا ما ضاعف من أهمية ما تحقق في القاهرة من نجاحات أسفرت عن إعلان وفد حركة «حماس» الذي زار القاهرة بياناً تضمن مطالب كانت لها أهمية كبيرة بالنسبة للرئيس الفلسطيني محمود عباس شخصياً، وللسلطة الفلسطينية، وحركة «فتح»، أولها: التزام حركة «حماس» بحل اللجنة الإدارية، أو «الحكومة المؤقتة» التي كانت «حماس» شكلتها في مارس/آذار 2017 لتعويض غياب «حكومة الوفاق» عن القطاع. وثانيها دعوة حركة «حماس» حكومة الوفاق لتسلم مهامها فوراً في قطاع غزة. وثالثها، الانخراط في تنفيذ اتفاق القاهرة عام 2011 الخاص بالمصالحة الوطنية الفلسطينية، وملحقاته، حيث أكدت حركة «حماس» استعدادها لتلبية الدعوة المصرية للحوار مع حركة «فتح» حول آليات تنفيذ اتفاق القاهرة، وملحقاته، وتشكيل حكومة وحدة وطنية في إطار حوار تشارك فيه الفصائل الفلسطينية الموقعة على هذا الاتفاق.

وأدركت حركة «حماس» أيضاً أن الواقع الإقليمي الجديد، وبالذات مواقف القوى الثلاث الداعمة: قطر وتركيا و»جماعة الإخوان»، أضحت عبئا ثقيلاً عليها، خصوصاً في ظل الأزمة المثارة الآن بين قطر والدول الأربع المقاطعة لها، السعودية والإمارات والبحرين ومصر. وفي الوقت ذاته أدركت السلطة الفلسطينية أن الإدارة الأمريكية ليست معنية بالقدر الكافي بالشأن الفلسطيني، وأن هناك قضايا أخرى باتت لها الأولوية بالنسبة لهذه الإدارة، الأمر الذي دفع السلطة في اتجاهين: التقارب مع مصر والتفاهم مع حركة «حماس»، وهذا كله خلق الفرصة المواتية للمصالحة الوطنية، ولإعادة ترتيب البيت الفلسطيني من الداخل، لكن هذا لا يعني أن فرص المصالحة مبرأة من التحديات.

هناك تحديات فلسطينية - فلسطينية، أبرزها ما يتعلق بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، وما يتعلق بالانتخابات في ظل تمسك السلطة بأن تجرى الانتخابات التشريعية فقط، في حين تطالب حركة «حماس» بإجراء متزامن للانتخابات التشريعية مع الرئاسية مع انتخابات المجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية، بمشاركة حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في انتخابات هذا المجلس.

ويأتي الخلاف بين حركتي «حماس» و«فتح» حول إدارة الملف الأمني في قطاع غزة ليهدد فرص نجاح تفاهمات القاهرة، حيث تصر حركة «حماس» على إدارة الأمن في قطاع غزة لحين تسوية الملف الأمني نهائياً، كما تصر «حماس» على ممارسة العمل المقاوم وتترك للسلطة إدارة المسائل الإدارية.

حركة «حماس» تخشى على دورها المقاوم في حال قيام السلطة بالمهام الأمنية في القطاع في ظل علاقة «التنسيق الأمني» بين السلطة وقوات الاحتلال في الضفة، وفي ظل عداء أبو مازن ل«خيار المقاومة»، ولعل هذا ما دفع «الإسرائيليين» للدخول على الخط لتبديد التوافق الوليد بين حركتي «فتح» و «حماس» بوساطة مصرية، والترويج لمقولة إن حركة «حماس» تريد أن تكون «حزب الله قطاع غزة»، بأن تكون هي قوة المقاومة، على أن تخفف من الأعباء الإدارية وتوكل بها إلى السلطة الفلسطينية، ما يعني أن أبو مازن سيكون أشبه ب«مقاول ثانوي» في حين أن السلطة العليا ستبقى بيد «حركة حماس».

بقاء هذه المسائل الخلافية، وبقاء التشكيك في النوايا لا يعنى أن العقبات فلسطينية فقط. هناك أيضاً ضغوط الأطراف الإقليمية. فإلى جانب الرفض «الإسرائيلي» المطلق لأي تقارب بين السلطة وحركة «فتح»، فإن إيران وتركيا و»الإخوان،» تبقى أطرافاً رافضة لعودة التفاهمات بين «حماس» ومصر من ناحية، وبين «حماس» والسلطة من ناحية أخرى، الأمر الذي يؤكد أن التفاهمات ستبقى معرضة للنيل منها، وهذه مسؤولية أطرافها: مصر و«حماس» والسلطة الفلسطينية.

 

msiidries@gmail.com

د. محمد السعيد ادريس

رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي

عن موقع التجديد العربي

 

 



مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى للكاتب

التعليقات

إضافة تعليق

مقالات الأعداء

إستطلاعات الرأي

فيس بوك

إجمالي الزيارات

20,537,904