كنّا قبلكم، وسنبقى بعدكم
2017-09-22 | منذ 4 أسبوع
زهير اندراوس
زهير اندراوس

 

في الثمانينيات من القرن الماضي، عندما كنتُ أدرس موضوع الصحافة في العاصمة الإيطاليّة، روما، وصلتني حوالّة ماليّة من عمّي المرحوم، أنيس جريس أندراوس، الذي أوصلته النكبة المشؤومة إلى لبنان، ومن ثمّ إلى قطر. ذهبتُ إلى البنك للحصول على المبلغ، حيث تبينّ أنّ الحوالّة تُصرف في جميع أنحاء العالم، ما عدا إسرائيل، وبما أننّي أحمل جواز السفر الإسرائيليّ، لأننّي أسكن في موطني فلسطين، وليس في دولتي إسرائيل، بدأ الموظّف بالتمحيص، سردت له تاريخ القضيّة الفلسطينيّة ولكنّه لم يقتنع، حتى أجرى الاتصال الهاتفيّ مع قطر، وبعد مرور يومٍ عدتُ أدراجي إليه، فقام بإعطائي المبلغ. أسوق هذه الحادثة غيرُ العابرة، بسبب المُلابسات التي تحدث في الوطن العربيّ حول فلسطينيي الداخل، حيث يذهب البعض إلى اتهامنا بالجاسوسيّة للدولة التي قامت على أنقاض شعبنا العربيّ-الفلسطينيّ، وفي الوقت عينه، يرى بنا الإسرائيليون بمثابة طابورٍ خامسٍ للدول العربيّة، ووصلت الوقاحة والصلف برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى القول الفصل إنّ "عرب إسرائيل" هم قنبلة ديمغرافيّة موقوتة، في حين قال رئيس جهاز الشاباك الأسبق، يوفال ديسكين إنّ العرب في الدولة العبريّة الذين لا يعترفون بيهوديّة إسرائيل يجب معاقبتهم وزجّهم بالسجن، ولديسكين أقول وبالفم الملآن: أعلى ما في خيلك اركب، لن أُقّر بيهوديّة دولتك، التي هي موطني، مهما كان الثمن، ذلك لأنّ السؤال بالنسبة ليّ ليس ما هو الثمن الذي سأدفعه، بل هل أنا على استعدادٍ لدفع الثمن.

                                                          ***

ولكي يعلم أبناء جلدتنا في الوطن العربيّ من مُحيطه إلى خليجه عن "ديمقراطيّة" إسرائيل، وَجَبَ التأكيد والتشديد على أنّه بعد النكبة وإقامة إسرائيل في العام 1948، قامت السلطات الصهيونيّة بفرض الحكم العسكريّ على فلسطينيي الداخل، والذي استمرّ حتى العام 1966، ولو بقي الأمر مُتعلقًا بصنّاع القرار في تل أبيب، لكنّا حتى اليوم نعيش في كنف هذا العقاب الجماعيّ، ولكن في العام 1966 وجّه الأمين العّام لمنظمة الأمم المُتحدّة رسالةً حادّة كالموس إلى رئيس الدولة آنذاك، فايستمان، حذّره من أنّ مُواصلة الحكم العسكريّ على العرب، سيدفع المنظمّة إلى سحب اعترافها بالدولة اليافعة. فايستمان، توجّه إلى رئيس الوزراء، دافيد بن غوريون، من أشّد العنصريين غُلاةً، والذي رفض حمل الهويّة الزرقاء، لأنّها تشمل اللغة العربيّة، وطلب منه إلغاء الحكم العسكريّ فرفض، عندها أطلق رئيس الدولة مقولته المشهورة: إنّ المجتمع الدوليّ سيُحاسبنا بحسب معاملتنا للأقليّات، ورغمًا عن بن غوريون تمّ في العام 1966 إلغاء الحم العسكريّ، ولكن هذا لا يعني بأيّ حالٍ من الأحوال، أنّ فلسطينيي الداخل باتوا مواطنين عاديين مثل الإسرائيليين، بل كانوا وما زالوا، ووفق كلّ المؤشّرات والدلائل سيبقَوْن مُواطنين من الدرجة العاشرة بعد المائة، فالعنصريّة تتفشّى في جميع روافد المجتمع الصهيونيّ، والكنيست الإسرائيليّ بات مرتعًا لسنّ القوانين العنصريّة لتضييق الحيّز الضيّق أصلاً على أصحاب الأرض الأصلانيين، عرب الـ48، بهدف حضّهم وحثّهم على الهجرة، أوْ بكلماتٍ أخرى، الهدف الرئيس من هذه القوانين هو تنفيذ الترحيل الجماعيّ البطيء لأنّ الترانسفير، كما حدث في العالم لن يمُرّ بسبب مُعارضة المجتمع الدوليّ. ولا يتسّع المكان لسرد أشكال العنصريّة الإسرائيليّة، التي باتت رياضة وطنيّة يُمارسها "شعب الله المُختار" ضدّ فلسطينيي الداخل، وعلى سبيل الذكر لا الحصر، شاهدت إعلانًا تجاريًا في أحد محلّات الملابس الداخليّة يُحتّم على المُتقدّمة للوظيفة أنْ تكون بعد الخدمة العسكريّة، والسؤال الذي ما زال يؤرقني ويقُضّ مضاجعي: ما العلاقة بين الملابس الداخليّة والأمن؟.

                                                          ***

ولا نُجافي الحقيقة إذا قلنا وجزمنا بأنّ أكثر من مليون ونصف ليون فلسطينيّ، أيْ ما يُعادل أكثر من عشرين بالمائة من سكّان الدولة العبريّة هم من الفلسطينيين، الذين يحوّلوا بسبب سياسات حكومات تل أبيب المُتعاقبة إلى لاجئين مع وقف التنفيذ. وأخطر ما في الأمر أنّ السلطة الفلسطينيّة، وخلال المفاوضات العبثيّة مع إسرائيل، وافقت على مبدأ تبادل الأراضي، الأمر الذي دفع الرباعيّة الدوليّة إلى تأييد هذا الطرح، ولكن يحّق لنا أنْ نسأل وبالصوت العالي: مَنْ يضمن لنا ألّا يقوم الصهاينة بالمُطالبة بتبديل الأرض مع ساكنيها للتخلّص من "الطابور الخامس"، وما دعوات العنصريّ-الفاشيّ ليبرمان إلى ترحيل سكّان وادي عارة إلى السلطة الفلسطينيّة إلّا جزءً من هذا المُخطط، وأخشى ما أخشاه أنّه في نهاية المطاف، سيتّم وضع فلسطينيي الداخل على طاولة المفاوضات للمقايضة: سؤائب المُستوطنين الذين "احتّلوا" الضفّة الغربيّة يعودوا إلى داخل ما يُطلق عليه الخّط الأخضر، والفلسطينيون الذين يعيشون في "إسرائيل" ينتقلون للعيش في الضفّة، وبهذا تكون إسرائيل، كما تقول تسيبي ليفني نقيّة من العرب، ويتحقق الحلم الصهيونيّ بإقامة دولةٍ صهيونيّةٍ يهوديّةٍ، نقيّة من العرب.

                                                   ***

وإلى أبناء جلدتي في الوطن العربيّ أقول وبالصوت العالي: أنا أسكن في قرية ترشيحا، شمال فلسطين، ترشيحا قُصفت بالطائرات خلال النكبة، قاومت العصابات الصهيونيّة، وقدّمت الشهداء، الجرحى والمُهجّرين والمُشرّدين. كان تعداد سكّانها قبل النكبة خمسة آلاف مواطن، واليوم بعد مرور 70 عامًا على سقوطها في الـ28 من شهر تشرين الأوّل (أكتوبر) 1948، أيْ بعد نصف سنة من إعلان قيام إسرائيل،يبلغ عدد سكّانها خمسة آلاف، لأنّ السواد الأعظم من سكّانها هُجّروا بقوّة السلاح والتهديد، ولو بقي سكّانها فيها، لكان عددهم اليوم أكثر من سبعين ألفًا، واللاجئون من ترشيحا يتمركزون في مخيم برج البراجنة بلبنان والحندرات بسوريّة وطبعًا في الشتات.

                                                       ***

وختامًا نقول، وهذه ليست عنتريات، إنمّا قرار استراتيجيّ: سنبقى هنا في فلسطين، كنّا قبلكم، وحتمًا سنبقى بعدكم، سنبقى رغم التمييز العنصريّ الذي يسير بخطىً حثيثةً نحو الفصل العنصريّ (الأبرتهايد) ما دام الزعتر والزيتون، لا وطن لنا سوى هذا الوطن، وعنه لن نتنازل مهما بلغت التضحيات والأثمان. ولأبناء أمّتي العربيّة نقول: نحن منكم، وأنتم منّا، كلّ يومٍ يمُرّ علينا في فلسطين، تحت الحكم الإسرائيليّ، هو نضال، وهو رسالة تحدٍّ للصهيونيّة ومُوبقاتها، بأنّ الأرض لنا ودفاعنا عنها هو دفاعًا عن العرض. ونُنهي برسالةٍ موجزةٍ لحكّام تل أبيب: أكتبوا ما أردتم في الهويّة، سجّلوا ما طاب ويطيب لكم، هذا لن يُجديكم نفعًا، لأننّا من رحم الأمّة العربيّة انطلقنا، وإلى اللحد سننتقل، والموت حقٌ، عربًا وفلسطينيين.

 

زهير اندراوس كاتب من فلسطين

عن موقع امجاد العرب

 

 



مقالات أخرى للكاتب

  • لماذا لا تردّ سوريّة؟
  • الإعلام المُستعرب وعروبة سوريّة

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    19,699,451