عـــــــاجل:     غارة لطيران العدوان على العاصمة صنعاء الان 7:29 مساء
مصر والمعونة الأميركية
2017-08-30 | منذ 3 أسبوع
د . حسن نافعة
د . حسن نافعة

 

لم تكن عجلات الطائرة التي أقلت جاريد كوشنر، زوج ابنة الرئيس الأميركي والمسؤول عن إدارة ملف الشرق الأوسط، قد لامست أرض مطار القاهرة حتى كان وزير الخارجية المصري سامح شكري يتلقى اتصالاً من نظيره الأميركي ريكس تيلرسون مساء يوم 22 آب (أغسطس) الجاري، لإحاطته علماً بقرار الإدارة الأميركية إلغاء 96 مليون دولار من المعونات المخصصة لمصر، وتجميد 195 مليوناً أخرى لحين تقديم ما يثبت أن مصر أحرزت تقدماً في مجال احترام حقوق الإنسان. بعد دقائق كانت وكالة «رويترز» تبث تفاصيل القرار الأميركي مقترناً بتحليلات حول أسبابه ودوافعه. ولأن السلطات المصرية كانت لا تزال تعتقد أن العلاقات المصرية- الأميركية تتجه نحو التحسن المضطرد، في ظل إدارة أميركية جديدة لا يولي رئيسها أي اهتمام بقضايا حقوق الإنسان وتربطه بالرئيس السيسي مشاعر ود وإعجاب متبادلين، فقد كان للقرار الأميركي وقع الصدمة، وهو ما يفسر رد فعل الحكومة المصرية السريع والحاد.

كان سامح شكري، حين تلقى اتصال نظيره الأميركي، يقوم بجولة ديبلوماسية في الخارج، لكنه لم ينتظر حتى يعود إلى مكتبه في القاهرة ليصدر بياناً عبر فيه عن أسف مصر لإجراء وصف بأنه «يخلط الأوراق ويفتقر إلى الحكمة ويعكس سوء تقدير لطبيعة العلاقة اTستراتيجية التي تربط البلدين، وينم عن نهج يفتقر إلى الفهم الدقيق لأهمية دعم استقرار مصر ونجاح تجربتها». لكن ما لفت النظر حقاً كان خاتمة البيان التي تشير إلى «تداعيات سلبية على تحقيق المصالح المصرية الأميركية المشتركة»، والتي توحي بتهديد مبطن بأن مصر تشعر بالإهانة ولن تسكت عليها هذه المرة.

لم تكن حدة النبرة هذه ناجمة عن مخاوف من تأثيرات سلبية محتملة للقرار الأميركي في الاقتصاد المصري المتعثر أصلاً، لأن المبالغ المحجوبة أو المحتجزة ليست بالحجم الذي يمكن أن يرتب ضرراً يصعب علاجه، بقدر ما كانت ناجمة عن إدراك عميق لخطورة الدلالات السياسية للقرار والتي تنطوي ضمناً على اتهام صريح لمصر بأنها دولة لا تحترم حقوق الإنسان ومن ثم تستحق أن تفرض عليها عقوبات دولية. بعد ساعات قليلة، نشرت مصادر إعلامية خبراً يشير إلى احتمال إلغاء وزير الخارجية المصري لقاءً مع كوشنر، ما ولَّد اعتقاداً بأن العلاقات المصرية- الأميركية في طريقها للدخول في أزمة جديدة. غير أن التطورات اللاحقة سارت عكس هذا الاتجاه، وسرعان ما تبين أن كوشنر التقى كلاً من وزير الخارجية والرئيس المصري. ولم يكن هناك من تفسير لهذا التراجع السريع سوى أن مصر الرسمية قررت في اللحظة الأخيرة عدم التصعيد، غير أن هذا التراجع كان كاشفاً عن حجم الخلل الذي تتسم به بنية العلاقات المصرية- الأميركية في المرحلة الراهنة.

من المعروف أن المعونات الخارجية كانت ولا تزال إحدى أدوات رسم وتنفيذ السياسة الخارجية الأميركية، شأنها في ذلك شأن كل دول العالم، وسبق للإدارت الأميركية المتعاقبة أن قامت باستخدامها كأداة لإغواء مصر أو لمعاقبتها، وهو ما تم بالفعل في ظل إدارات مختلفة، جمهورية وديموقراطية، وأظن أن هذا هو ما سيحدث قطعاً في ظل الإدارات الأميركية المقبلة. لذا يمكن القول إن الموقف الأميركي كان ثابتاً، لكن موقف مصر، قبولاً ورفضاً للمعونة المقدمة أو المقترحة، هو الذي اختلف.

ففي عهد إيزنهاور جرت محاولة إغواء مصر بالمساهمة في تمويل مشروع السد العالي، في مقابل تبنيها سياسات تساعد في محاصرة واحتواء الاتحاد السوفياتي. غير أن حرص الرئيس جمال عبدالناصر على استقلال القرار المصري دفعه لاتخاذ مواقف أغضبت إدارة إيزنهاور التي قامت بسحب عرضها بتمويل مشروع السد العالي، لكن عبدالناصر ردَّ بتأميم قناة السويس. ثم تكرر الأمر في عهد جونسون وردَّ عبدالناصر على قرار إلغاء تسهيلات شراء القمح الأميركي بقوله الشهير أن مصر لن تبيع استقلال قرارها، «واللي مش عاجبه يشرب من مياه البحر الأبيض وإذا لم تكفه فليشرب من البحر الأحمر». ومع ذلك يمكن القول إن المعونة الأميركية لمصر في الخمسينات والستينات لم تشكل سوى نسبة لا يعتد بها من إجمالي المعونة الخارجية، وبالتالي كان يمكن الاستغناء عنها بالبحث عن معونات بديلة ومن مصادر تتوافق سياستها الخارجية مع المصالح المصرية، وهو الأمر الذي اختلف تماماً عقب توقيع مصر معاهدة سلام مع إسرائيل. فالمعارضة العربية لهذه المعاهدة دفعت الولايات المتحدة لحمايتها بتقديم معونة عسكرية واقتصادية لكل من مصر وإسرائيل.

المنطق يقول بوجود ارتباط عضوي بين المعونة المقدمة لكل من مصر وإسرائيل وبين معاهدة السلام الموقعة بينهما، من منطلق أن هدفها دفع البلدين لاحترامها ثم العمل على توسيعها للتوصل إلى سلام شامل، وأيضاً بضرورة مراعاة التوازن بين المعونة المقدمة للدولتين. غير أن الولايات المتحدة لم تظهر مطلقاً أي التزام حقيقي بالمسألتين. فالفحص المدقق لبنية المعونات الأميركية المقدمة لكل من مصر وإسرائيل يظهر أوجه الخلل والتباين الكبير في ما بينهما، سواء من حيث الحجم أو طريقة الاستخدام. وبينما قدمت المعونة الأميركية لإسرائيل كمبلغ إجمالي تستطيع إنفاقه كما تشاء فإن المعونة الاقتصادية التي قدمت لمصر وزعت على القطاعات المختلفة وفقاً للأولويات الأميركية، وبالتالي لعبت دوراً بالغ الخطورة في إحداث تحولات اقتصادية واجتماعية على بنية الدولة والمجتمع في مصر ساهمت في تعميق تبعية مصر للغرب عموماً وللولايات المتحدة بخاصة، ووفَّرت حاضنة سياسية واجتماعية لانتشار الفساد والظلم الاجتماعي. لكن الأخطر من ذلك أنه ما إن بدأت التوازنات الدولية والإقليمية تميل لمصلحة إسرائيل والولايات المتحدة، بخاصة بعد اندلاع الحرب العراقية الإيرانية وانهيار الاتحاد السوفياتي وتدمير العراق، حتى أصبح السلام مع إسرائيل مطلباً تتهافت الدول العربية للحصول عليه بينما تتمنع إسرائيل. ومع هذا التحول بدأت الولايات المتحدة تستخدم المعونة المقدمة لمصر كأداة للضغط لتحقيق أهداف لا علاقة لها بأهدافها الأصلية. ويكفي أن نتذكر تصريحات ومواقف جورج بوش الابن بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر)، وباراك أوباما بعد اندلاع ثورات الربيع العربي، لندرك هذه الحقيقة بوضوح تام. ولكي تتجلى أمامنا رؤية «أميركا العميقة» للطريقة التي يتعين أن تدار بها المعونة الأميركية المقدمة لمصر، علينا أن نعيد قراءة محضر جلسة الاستماع التي نظمتها لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ الأميركي يوم 25 نيسان (أبريل) الماضي, والتي تحدثت فيها كل من ميشيل دن، خبيرة شؤون الشرق الأوسط والمدير الحالي لمعهد كارنيغي للسلام، وتوم مالينوسكي، مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق لشؤون الديموقراطية وحقوق الإنسان، وإليوت أبرامز، عضو مجلس العلاقات الخارجية، وآخرون، وهي رؤية تشير إلى: أن النظام المصري يرتكب انتهاكات لحقوق الإنسان وأن السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المستخدمة لا تساعد على مكافحة الإرهاب، وإنما على العكس تمهد الطريق لانتشاره واتساع نطاقه على المدى الطويل، ولم تعد مصر مؤثرة في محيطها الإقليمي أو الدولي ولا يوجد ما يهدد معاهدة السلام مع إسرائيل. وتأسيساً على هذه الرؤية، أوصى المتحدثون بتخفيض أو حتى منع المعونة الأميركية المقدمة إلى مصر إلى أن يستجيب النظام المصري الحالي المعايير والقيم الأميركية في مجال حقوق الإنسان ويتبنى سياسات تساعد حقاً على مكافحة الإرهاب وتحقيق السلام الشامل، وفقاً للرؤية الإسرائيلية طبعاً. مشكلة مصر الحالية تكمن في حاجتها إلى دعم خارجي، ولن يكون بوسعها مقاومة الضغوط الخارجية إلا من خلال تقوية الدعائم الشعبية وتبني سياسة تقوم على الاعتماد على الذات.

د. حسن نافعة

أستاذ العلوم السياسية جامعة القاهرة

عن موقع التجديد العربي



مقالات أخرى للكاتب

  • معقول واللامعقول في «صفقة القرن»

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    19,433,119