حلم يوليو الذي انكسر
2017-07-27 | منذ 3 شهر
عبدالله السناوي
عبدالله السناوي

 

كأن ثورة يوليو لم تنقض منذ عقود طويلة، إرثها ماثل في الذاكرة العامة والصراع حولها لا يتوقف.

بحكم قوانين الطبيعة غادر أغلب أبطالها ومعاصريها مسارح الحياة، فقد مرت عليها (65) سنة.

وبأثر انقلابات السياسة قوضت التوجهات والخيارات التي تبنتها بعد رحيل زعيمها «جمال عبدالناصر» منذ نحو (47) سنة.

على الرغم من ذلك كله فإنها تبدو رقما صعبا يستحيل إغفاله أو تجاوزه في النظر إلى أي مستقبل.

قوة يوليو في الأحلام الكبرى التي أطلقتها ونقطة ضعفها في نظامها السياسي الذي أخفق في الحفاظ على مشروعها.

وقد كان حلم بناء دولة عربية موحدة ومنيعة صلب مشروع يوليو الذي انكسر، أمام احتمالات التقسيم البادية الآن في مشاهد النار بالمشرق العربي ومناطق عربية أخرى فإن الأسئلة تطرح نفسها: لماذا انكسر العالم العربي وفقد ثقته في نفسه ومستقبله بعد أن حلقت أحلامه في عنان السماء؟.. كيف وصلنا إلى الكابوس؟.. ثم إلى أين المصير؟

هناك مجموعتان من الإجابات.. الأولى- تدور حول الصراع على المنطقة ومستقبلها، فمشروع الوحدة موضوع صراع ضارٍ، وقد ناهضته قوى دولية وإقليمية ذهبت إلى استخدام السلاح والتآمر، وهذا ثابت بعشرات الوثائق.. والثانية- تعود إلى ثغرات جوهرية في تجربة الوحدة المصرية السورية، التي مكنت من الانقضاض عليها وتصفيتها بالانفصال بعد ثلاث سنوات ونصف السنة، وهذه خضعت لمراجعات عديدة لكنها لم تستقر على أية رؤية تؤسس لتجارب أخرى أكثر نضجا وقدرة على البقاء حتى داهمتنا بعد عقود احتمالات تقسيم سوريا والعراق وليبيا واليمن ودول عربية أخرى تطلعت ذات يوم للوحدة بينها.

لم تكن تجربة الوحدة رحلة نيلية ذات صيف بقدر ما كانت مواجهات مفتوحة امتدت بعمق الخريطة العربية، وقد ارتبطت بالتحرر من الاستعمار والتبعية واستقلال القرار الوطني، دارت معارك مع سياسة الأحلاف التي اتبعتها الولايات المتحدة في محاولة لملء الفراغ في المنطقة بعد الهزيمة السياسية المدوية للإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية ومعهما إسرائيل في حرب السويس (1956).

لم تخترع ثورة يوليو المشروع العروبي لكنها جسدته أملا حيا على الأرض بسياسات تبنتها ومعارك خاضتها.

ولم تكن زعامة «عبدالناصر» افتراضية على صفحات الجرائد وأثير الإذاعات بقدر ما كانت إلهاما لفكرة التغيير والقدرة عليه.

امتد إلهام تأميم قناة السويس، الذي استبق الحرب مباشرة، إلى العالم الثالث كله، حيث تمكنت دولة صغيرة مستقلة حديثا من الصمود أمام العدوان الثلاثي، وأن تخرج بعد الحرب لاعبا رئيسيا في المعادلات الإقليمية والدولية وباتت القاهرة العاصمة المركزية للعرب.

تمكنت مصر من دحر سياسة الأحلاف وأسست مع يوغوسلافيا والهند حركة عدم الانحياز، وقادت أكبر عملية تحرير في التاريخ للقارة الإفريقية مطلع الستينيات من القرن الماضي.

في قلب الصراع على الاستقلال تبدت سياسة عربية واضحة في أهدافها، انحازت مصر لثورة الجزائر وعروبتها ضد الاحتلال الاستيطاني الفرنسي ودعمتها بالمال والسلاح والإعلام، وقد كان هذا الانحياز أحد دوافع العدوان الثلاثي عليها.

عندما وصل «عبدالناصر» إلى ميناء الجزائر بعد تحريرها كانت العاصمة كلها في انتظاره، وكادت اندفاعات مئات الألوف أن تحطم السيارة التي استقلها مع الزعيم الجزائري «أحمد بن بلة»، مما اضطرهما إلى اعتلاء سيارة إسعاف للوصول إلى استاد «البلدية»، حيث ألقى كلمة مقتضبة ابتدأها ﺑ«الحمد لله الذي أحيانا حتى نرى الجزائر عربية».

لم يشر بحرف واحد لما بذلته مصر من أجل نصرة الجزائر، ولا منّ بحرف واحد على شعبها الأبي الذي ضحى بمليون ونصف المليون شهيد.

هكذا تبدت قوة الفكرة العروبية وعمق الالتزام بها.

كان جرح الانفصال غائرا عند تحرير الجزائر، انكسر حلم لكن تبدى أمل جديد.

في الجزائر تكرر المشهد التاريخي، الذي واكب أول زيارة ﻟ«عبدالناصر» للعاصمة السورية دمشق، هتافات الملايين تنشد الوحدة وتأمل في عالم عربي جديد، وجموع حملت سيارته كمن يحمل أحلامه.

المعنى أكبر من الرجل والحلم - حتى لو انكسر- أبقى في ذاكرة التاريخ.

وعلى الرغم من كل ما هو منسوب للدور المصري في حرب اليمن من أخطاء فإنه باليقين نقل هذا البلد العربي من القرون الوسطى إلى العصور الحديثة.

كما أنه أفضى إلى تحرير اليمن الجنوبي من الاحتلال البريطاني والسيطرة على مضيق باب المندب، حتى بات البحر الأحمر عربيا بالكامل، وهو ما ساعد مصر أثناء حرب أكتوبر (1973) بإغلاق هذا المضيق في وجه الملاحة الإسرائيلية.

 

لكل حلم استحقاقاته ولكل أمل معاركه.

أرجو - أولا- ألا ننسى أن الفكرة العروبية الحديثة نشأت في المشرق العربي، الذي يتعرض الآن لتخريب لمقدراته وتلوح فوق الخرائب خرائط التقسيم، لمناهضة سياسات «التتريك»، كما أنها دمجت المسلمين والمسيحيين في نسيج فكري وثقافي وسياسي واحد على نحو غير معتاد من قبل، وأحد الأسباب الجوهرية الماثلة حاليا لزعزعة الوحدة الداخلية لبلدان عربية كثيرة، غياب أي مشروع للدمج على أساس قواعد المواطنة والمساواة أمام القانون بين مكوناته وتنويعاته.

وأرجو - ثانيا- ألا ننسى أن التيار القومي في اندفاعاته الأولى ناهض مشروع الجامعة العربية عند نشأتها منتصف أربعينيات القرن الماضي، اعتقادا أن الهدف منها الحفاظ على واقع التجزئة في العالم العربي، وحتى تكون «الدول الإقليمية» حاجزا نهائيا ضد «الدولة العربية الواحدة».

في اتفاقية «سايكس بيكو» قبل مائة عام قسمت دول واصطنعت أخرى، وبدت الجامعة العربية حاضنة سياسية لما جرى من تجزئة وتقسيم.

كان الدعم البريطاني لمشروع الجامعة العربية بذاته داعيا للشكوك والريب في أهدافه.

هكذا كان صراع الأفكار والسياسات قبل يوليو، التي أعطت زخما ميدانيا للفكرة العروبية بمعانيها الحديثة.

الآن قمة المنى الحفاظ على حدود «سايكس بيكو» وصيانة الدول الإقليمية من احتمالات التقسيم حتى لا يضيع كل أمل في أي مستقبل.

بقاء الجامعة العربية على قيد الحياة أصبح بذاته أملا، إذا ما تهدمت فإن نظاما إقليميا جديدا سوف ينشأ العرب هم الطرف الأضعف فيه.

هكذا تأخذ المفارقات مداها في عالم عربي آخر غير الذي حلم بالوحدة.

وأرجو - ثالثا- ألا ننسى أن نكبة فلسطين عام (1948) كانت دافعا رئيسيا للفكرة العروبية وطلب الوحدة.

تحت الصدمة جرت مراجعات رئيسية عما جرى وما قد يجري أفضت تداعياتها إلى ضخ دماء فوارة بالغضب والأمل معا في شرايين الفكرة العروبية.

بات اعتقادا جازما لدى جماعات عديدة ونخب واسعة أن الوحدة العربية طريقنا لتحرير فلسطين، وجرى الربط بينها وبين قضية التنمية والعدل الاجتماعي، بهذا المعنى الواسع أصبحت فلسطين قضية العرب المركزية، فكل فكرة تبدأ وتنتهي عندها.

وقد أدى تفكيك القضية الفلسطينية مرحلة بعد أخرى إلى تفكيك إحدى أقوى الروابط العربية وأخذ التحلل يضرب كل شيء.

وأرجو - رابعا- ألا ننسى أنه بعد حرب أكتوبر (1973) عملت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على فصل مسارات التسوية واعتماد الحلول الجزئية مع كل دولة على حدة لتفكيك ما يسمى بوحدة الموقف العربي.

هكذا خرجت مصر من الصراع العربي الإسرائيلي بحل منفرد في اتفاقية «كامب ديفيد»

وهكذا همشت أدوارها في العالم العربي، كما في إفريقيا والعالم الثالث بأسره الذي أخلينا مواقعنا فيه وتنكرنا لمعاركنا السابقة التي أكسبتنا وزنا استثنائيا في معادلاته وحساباته.

وهكذا علت أصوات - هنا في مصر- تشكك في عروبتها والمعارك التي خاضتها يوليو، وتدعو إلى الحياد مع قضايا العالم العربي، وقيل إن مصر لن تحارب حتى آخر جندي مصري من أجل فلسطين، وكان ذلك تدليسا على الحقيقة، فمصر حاربت من أجل مصر قبل أي شيء آخر.

عندما جرى تفكيك مشروع يوليو اعتلت الذاكرة العامة نفسها، لم نعد نعرف لماذا حاربنا حين حاربنا؟.. ولا لماذا انكسرنا حين انكسرنا؟.

جرى تكريس الانكسار كأنه كلمة التاريخ الأخيرة، غير أنه في نهاية المطاف سوف تعلن الحقائق عن نفسها، فهناك أمة عربية واحدة لكنها ممزقة ومهانة، وعروبة مصر حقيقة لا خيالا.

حلم يوليو في دولة منيعة واحدة يكتسب شرعيته التاريخية الآن من حجم الإذلال الذي يتعرض له العرب، كما لم يحدث في تاريخهم كله.

الأحلام قد تنكسر لكنها تستعصى بيقين على الموت ولا يمكن استبعاد - بقانون رد الفعل التاريخي- موجة قومية عربية جديدة تخرج من تحت الحطام.

 

عبدالله السناوي

صحفي مصري - رئيس تحرير صحيفة العربي الناصري

عن موقع التجديد العربي

 

 

 



مقالات أخرى للكاتب

  • اليونيسكو والمونديال: رسائل سياسية
  • الزلزال الكردي في الإقليم
  • وديعة «حماس»

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    19,734,831