أبعاد وتداعيات العدوان على الكنائس بمصر
2017-04-25 | منذ 8 شهر
عوني فرسخ
عوني فرسخ

 

العدوان الآثم الذي اقترفه التكفيريون على ثلاث كنائس في القاهرة والاسكندرية وطنطا، وما أوقعه من شهداء وجرحى ودمار. عدوان متعدد الأبعاد والتداعيات، نجتهد باستعراضها بالإيجاز غير المخل، في ضوء حقائق التراث العربي الإسلامي ومعطيات الواقع المأزوم الذي تعانيه غالبية شعوبنا، إن لم تكن جميعها، مذكرين بالآتي:

هو أولاً، عدوان على كنائس لها قدسيتها الدينية واعتبارها في التراث الإنساني، فضلاً عن أنه عدوان مؤسس على فهم مناقض لقيم الإسلام وتميزه بإقرار حقوق غير المسلمين الدينية والمدنية، إذ إن الخطاب القرآني موجّه للناس كافة، وملتزم بمبدأ لا إكراه في الدين، واعتماد الحوار الموضوعي أسلوباً للدعوة بالنص «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين». كما أكد على حرية الاعتقاد بقوله سبحانه وتعالى: «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي» وقوله: «ولو شاء ربك لآمن مَن في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين». وكان الفتح الإسلامي تحريراً للهلال الخصيب ومصر والشمال الإفريقي من التسلط والاستبداد الفارسي والبيزنطي والروماني، ولم يكن حرباً دينية تخيّر الشعوب بين الإسلام والسيف، كما توحى بذلك ظواهر بعض النصوص. وفي العهدة العمرية التي تضمنت النص على احترام حقوق المسيحيين بكنائسهم وصليبهم دلالة على موقف الإسلام التاريخي من الكنائس. وهو ثانياً، عدوان على التراث الوطني للكنيسة القبطية، فحين أنشأ البابا كيرلس الرابع المدارس القبطية وضعها تحت اشراف الحكومة المصرية انطلاقاً من قناعته بأن الأقباط جزءٌ لا يتجزأ من النسيح الاجتماعي المصري، وإدراك واعٍ بأن ليس في صالحهم كجماعة أو ككنيسة أن تكون لأبنائهم ثقافة خاصة متمايزة عن ثقافة عامة شعب مصر. وقد جاء في دعوة الجمعية الخيرية بطنطا لإنشاء مدارس قبطية في القرن التاسع عشر ما نصه: «إن تربية الأولاد، وتهذيبهم في مدارس الأمم الأخرى يحرمهم من أن يكونوا عضداً لأمتهم وعوناً لها، ويجعلهم أداة لفصم عروة وحدتها القومية» ويؤشر التزام الأقباط المبكر بالثقافة العربية الإسلامية إلى اطمئنان كنيستهم للإسلام، وهذا ما تميز به الأقباط عبر التاريخ.

كما يذكر للبابا كيرلس الخامس مواقفه أيام الثورة العرابية سنة 1882، تلك المواقف التي عززت الوحدة الوطنية في مرحلة دقيقة للغاية من حياة مصر. إذ إنه وقّع القرار الذي صدر بحضور عرابي، ونص على استمرار المقاومة المسلحة للاحتلال البريطاني، ورفض أوامر الخديوي توفيق ومجلس وزرائه بالانضمام إلى قوات الاحتلال. ونص القرار على إبقاء عرابي للدفاع عن البلاد. وهل تُنسى مواقف البابا شنودة في الصراع العربي - الصهيوني ؟

وهو ثالثاً، عدوان على الوحدة الوطنية في مصر، ودور الأقباط التاريخي في مقاومة الشعب العربي بمصر. ولقد كان الأقباط ممثلين في قيادة الوفد بزعامة سعد زغلول سنة 1919، ومثلوا في جميع هيئات الوفد على جميع المستويات. وصار الشيوخ والقساوسة من أبرز خطباء الثورة، وغدت المساجد والكنائس مراكز انطلاق المظاهرات المطالبة بالاستقلال والحرية. وقد رفضت الكنيسة والقيادات المدنية القبطية المحاولات البريطانية لتصنيف الأقباط كأقلية بحماية بريطانيا، وواصلت التأكيد على أن الأقباط جزءٌ لا يتجزأ من المجتمع المصري، بحيث خلت الوثائق الدستورية المصرية حتى اليوم من النص على ذلك، الأمر الذي نجح البريطانيون والفرنسيون في فرضه في العراق وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين.

وهو رابعاً، عدوان على دور الأقباط خصوصاً، والمسيحيين العرب عموماً، في الثقافة والحضارة العربية الإسلامية. ويمكن القول في ضوء القراءة الموضوعية للتاريخ ومعطيات الواقع، إنه دور يتجاوز في أثره وفعاليته نسبة المسيحيين العددية حيث وجدوا في المشرق العربي، ونذهب إلى أن العاملين على استهداف الوجود المسيحي في القدس المحتلة والعراق بعد غزوه ومعظم نواحي المشرق العربي، إنما يستهدفون، الدور الثقافي والحضاري للمسيحيين العرب.

وهو خامساً، عدوان يصب في قناة مخطط التفتيت العرقي والطائفي المعتمد أمريكياً و«إسرائيلياً». مذكرين بدعوة بريجنسكي، مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس كارتر، في كتابه «بين جيلين» الصادر سنة 1977 لإقامة «الشرق الأوسط الجديد» المكون من كنتونات عرقية وطائفية.

وهو سادساً، عدوان يستدعي مراجعة جذرية للتراث الفكري العربي، الإسلامي والمسيحي على السواء، لما تراكم عليه خلال القرون الماضية من نصوص منافية لقيم الإسلام والمسيحية، سواء في ذلك الفتاوى المتشددة التي توالى صدورها منذ القرن الثالث الهجري، حين غلب على صناعة القرار في دولة الخلافة من قال فيهم مُحقّاً، الإمام محمد عبده، لبسوا الإسلام على أبدانهم ولم ينفذ منه شيء لوجدانهم، ومن جاؤوا على آثارهم من الواقفين عند ظواهر النصوص من الكتاب والسنة، والفتاوى التي صدرت زمن العدوان الفرنجي المعروف بالحروب الصليبية، وتلك التي توالت في مواجهة الممارسات والدعاوى الاستعمارية والتبشيرية. وبقدر ما تجري المراجعة الجذرية على المحورين الإسلامي والمسيحي تُقدّم النخب المستنيرة ردها الموضوعي على العدوان.

عن التجديد العربي



مقالات أخرى للكاتب

  • «بلفور».. التحدي الاستعماري والاستجابة العربية
  • فلسطين ، 130 عاما من التصدي والمقاومة والحضور
  • التحدي الأكبر للإسلاميين في الحكم

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    20,516,429