الحل الإقليمي للقضية الفلسطينية
2017-04-04 | منذ 7 شهر
د. عبد الستار قاسم
د. عبد الستار قاسم

د. عبد الستار قاسم، أكاديمي ومفكر فلسطيني، كتب ٢٥ كتاباً في السياسة والتاريخ كما نشرت له عشرات المقالات والدراسات في الصحف والدوريات العربية. 

 

ما دامت الأنظمة العربية تقبل ما لم يقبله الفلسطينيون بعد، فإنه من المتوقّع أن تدير أميركا وإسرائيل ظهريهما للفلسطينيين ويبعدانهما عن طاولة المفاوضات لصالح الأنظمة العربية. ويبدو أن لدى بعض العرب الاستعداد لترتيب إقامة دولة فلسطينية خارج حدود فلسطين الاستعمارية وبطريقة تؤدّي إلى حل حق العودة. من المحتمل أن تكون غزّة جزءاً من الدولة التي يمكن أن تُقام في سيناء بموافقة مصرية، وأن يتم نقل اللاجئين بخاصة المُقيمين في لبنان إليها.

الحل الإقليمي للقضية الفلسطينية موضوع أشرت إليه في مقال سابق على الميادين نت بعنوان القضية الفلسطينية في مؤتمر القمة، وهناك من طلب مني التوضيح لأن الإشارة كانت مُختصرَة. نذكر جميعاً أن إسرائيل وضعت شرطاً على العرب بعد هزيمتهم عام 1967 مفاده بأنه إذا أراد العرب حلاً للصراع القائم فذلك يتم فقط من خلال المفاوضات الثنائية المباشرة. أي أن يفاوض كل طرف عربي إسرائيل على حدة، وبذلك يتم استبعاد الحل العربي المشترك، أو مواجهة العرب لإسرائيل دبلوماسياً جماعة وليس فرادى. صمدت إسرائيل عند هذا المطلب، وتهاوى العرب وقبلوا به في مؤتمر مدريد عام 1991. ذهبت الوفود العربية إلى مدريد لافتتاح المؤتمر، وتفرّقت وفودهم بعد ذلك لتفاوض الكيان الصهيوني منفردة، إلا من الوفد الأردني الفلسطيني المشترك الذي انفصم بعد ذلك ليكون هناك وفد فلسطيني مستقل عن الوفد الأردني.

الأهم في كل التطوّرات التي حصلت أن إسرائيل توصلت إلى اتفاقية مع الجانب الفلسطيني والمعروفة باتفاقية أوسلو والتي اعترفت بموجبها منظمة التحرير بإسرائيل، ثم اعترفت الأردن بإسرائيل وعقدت معها اتفاقية صلح على الرغم من أنها هي التي خسرت الضفة الغربية عام 1967. أدارت الأردن ظهرها لمسؤوليتها الوطنية والأخلاقية تجاه الضفة، وشجّعت أنظمة عربية أخرى على اللحاق بركب التعاون مع إسرائيل والتطبيع معها. قطعت السلطة الفلسطينية المُنبثقة عن اتفاقية أوسلو شوطاً واسعاً في التعاون مع إسرائيل بخاصة في المجال الأمني، وفتحت الأبواب أمام الأنظمة العربية لتتدبّر أمورها مع إسرائيل بالطريقة التي تراها مناسبة. لكن المسيرة التفاوضية تعثّرت ، ولم يعد بإمكان القيادة السياسية الفلسطينية تقديم المزيد من التنازلات. إسرائيل أرادت الحصول على كل شيء من الفلسطينيين من دون أن تقدّم شيئاً من الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني. ومع مرور الأيام تطوّرت المقاومة الفلسطينية في غزّة، وتمكّنت من إفشال ثلاث حروب إسرائيلية على غزّة. لقد أثبتت المقاومة نفسها، وأصبحت أكثر قوة من منظمة التحرير على الساحة الفلسطينية، وأكبر دليل على ذلك فوز حركة حماس في انتخابات المجلس التشريعي عام 2006. وفي معادلة القوى، هذا يعني أن قيادة منظمة التحرير الفلسطينية لم تعُد قادرة على اتّخاذ القرارات التي تراها مناسبة من أجل المُضيّ بالعملية التفاوضية ووفق الأهواء الإسرائيلية. أخذ العالم بخاصة الغربي ومعه إسرائيل يعون أن ميزان القوى الفلسطيني الداخلي قد تغيّر وأن قيادة منظمة التحرير لم تعد تمتلك الشجاعة الكافية التي أوصلتها إلى أوسلو.

إذن مع مَن يجب أن تتواصل المفاوضات؟ لا مانع لدى إسرائيل أن تستمر في التفاوض مع المنظمة التي لم تعد تمتلك من سِماتها غير الإسم، لكنها تعي في ذات الوقت أن المنظمة لم تعد العنوان الصحيح للتفاوض وطاقتها على المزيد من التنازل قد استنزفت. بعض القيادات الفلسطينية لمنظمات المقاومة الفلسطينية لديها الاستعداد للانغماس في المساومات السياسية، لكنها تصطدم برفض المقاومين، وبعدم نضوج الأوضاع الداخلية الفلسطينية للاعتراف بإسرائيل وإلقاء السلاح والقبول بشروط الرباعية. أي أن أفق البحث في حل دائم وشامل يكاد يكون مُنعدماً في المرحلة القائمة، فما العمل؟ الأميركيون والإسرائيليون يبحثون دائماً عن بدائل أو مشاهد متنوّعة، ويعملون على تقييمها وفق رؤاهم السياسية للمنطقة العربية. ومن حيث أنهم لا يقبلون بإعادة القضية الفلسطينية إلى المحافل الدولية، فإنه من المتوقّع أن ترد لديهم فكرة الحل الإقليمي. هم لا يقبلون بالعودة إلى المحافل الدولية مثل الأمم المتحدة لأن سقف الحل الدولي ووفق القرارات الدولية أعلى من سقف المطالب الفلسطينية والعربية، ولا يُلبّي متطلّبات إسرائيل الحالية. فالاستيطان مثلاً غير مقبول من قِبَل القوانين الدولية والأمم المتحدة ترفضه، وكذلك المسألة بالنسبة ليهودية الدولية، الخ. ولهذا السؤال المطروح الآن: أيّهما أعلى سقف المطالب الفلسطينية أم العربية؟ واضح أن سقف المطالب العربية منخفض جداً، والأنظمة العربية تقترب من القبول بحل على حساب العرب وليس على حساب ما نهبته إسرائيل من الفلسطينيين. لدى الأنظمة العربية الآن الاستعداد لرفع مستوى التعاون مع إسرائيل، وهناك بالفعل تعاون أمني وتجاري قائم، وهناك تطبيع، وسيكون هناك تعاون عسكري معها بخاصة ضدّ إيران. وبعض العرب يعترفون الآن بيهودية الدولة، ولا يكترثون بالمُقدّسات إلا أنها مجرّد أماكن للصلاة. هم لا يقيمون معياراً تاريخياً ووطنياً وقومياً للدفاع عن المُقدّسات وتحريرها، وهم بذلك سيكتفون بسماح إسرائيل للمسلمين والمسيحيين بالصلاة في القدس. والأنظمة العربية تتآمر على إيران، ولديها الاستعداد للمساهمة في إسقاط الثورة الإيرانية، وهي تتآمر على المقاومتين الفلسطينية واللبنانية، وسبق أن شاركت أمنياً من أجل القضاء عليهما لكنها فشلت كما فشلت إسرائيل.

ما دامت الأنظمة العربية تقبل ما لم يقبله الفلسطينيون بعد، فإنه من المتوقّع أن تدير أميركا وإسرائيل ظهريهما للفلسطينيين ويبعدانهما عن طاولة المفاوضات لصالح الأنظمة العربية. ويبدو أن لدى بعض العرب الاستعداد لترتيب إقامة دولة فلسطينية خارج حدود فلسطين الاستعمارية وبطريقة تؤدّي إلى حل حق العودة. من المحتمل أن تكون غزّة جزءاً من الدولة التي يمكن أن تُقام في سيناء بموافقة مصرية، وأن يتم نقل اللاجئين بخاصة المُقيمين في لبنان إليها. ويمتلك الإسرائيليون حجّة قانونية دولية لاستبعاد منظمة التحرير من حيث أن قرار مجلس الأمن 242 ينصّ على إقامة سلام بين إسرائيل ودول عربية، ومنظمة التحرير لا مكان لها في القرار. المنظمة تعترف بقرار مجلس الأمن ووقّعت على اتفاقية تؤكّد ضرورة التسوية على قاعدته. أي أنها قد وافقت منذ البداية على إخراج نفسها من دائرة إقامة السلام.

فهل يتم حل خارج الأطُر الفلسطينية؟ هذا ممكن إذا استثنينا دور المقاومة. وإذا كان هناك مَن يرفض الحل الإقليمي، فإن عليه تقديم كل الدعم للمقاومة في لبنان وفلسطين، لتنفيذ حل بالاتّجاه المُعاكس.

عن الميادين نت



مقالات أخرى للكاتب

  • الدروس من كوريا الشمالية
  • ما بعد إنجاز القدس
  • إيديولوجيا الهيمنة

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    19,740,709