"تريزا ماي" تسحب البساط من تحت أقدام "مسافة السكة" ..؟!
2016-12-17 | منذ 10 شهر
محمد رؤية ناظم
محمد رؤية ناظم

لا شك أن حضور "تريزا ماي " رئيسة وزراء بريطانيا القمة الخليجية يشكل خرقاً خطيراً للأمن القومي العربي، فهذا الحضور الإستثنائي جاء مفاجأة صادمة للحالمين بنهاية قريبة لما تمر به الأمة العربية من محن تعرض شعبها لمزيد من التشرذم، ومزيد من التشرد، بل وتهدد وجودها ذاته، كما أنه يعد بداية لاستعادة الهيمنة الإستعمارية على دول الخليج العربي والتي انتهت بخروج بريطانيا من قاعدتها في عدن في العام 1967، علاوة على أن هذه المفاجأة جاءت في وقت تصر فيه بريطانيا على عدم إعترافها بأن جماعة "الإخوان" تنظيم إرهابي، وتحتضن الممولين والمخططين للعمليات الإرهابية التي تجري في مصر، مع فشل واكب جهود الوفود المصرية المتكررة في إقناع البريطانيين بالعدول عن موقفهم رغم ما تسلموه من وقائع واعترافات تثبت ضلوع جماعة "الإخوان" الإرهابية في الإرهاب، ما يشكل موقفاً عدائياً بريطانياً واضحاً ضد مصر، لا لبس فيه.

ومن الغريب أن يلف الضباب هذا الحضور اللافت للنظر، والمؤثر بالتأكيد في الأحداث القادمة، فلم يتم التعليق عليه من المصادر الدبلوماسية في مصر، كما لم تتناوله وسائل الإعلام المصرية، ومرّ مرور الكرام، ولكنه جاء بالتأكيد في أعقاب فترة من الخلافات العميقة "المدفونة" بين المملكة السعودية ومصر، وقد حاولت الدولتان عدم التصعيد فيه درءاً للمخاطر المحتملة، وكان التناول الإعلامي والدبلوماسي من الجانبين حذراً وهادئاً، ولعلّ الأهم أن هذا الحدث الجلل ـ قومياً ـ يشكل انتكاسة واضحة، وتهديداً حقيقياً للأمن القومي العربي، حيث صرّحت المسؤولة البريطانية بأن أمن دول الخليج العربي يُعدّ حفاظًا على أمن بريطانيا، وأن قوات عسكرية بريطانية ستتواجد بالبحرين لأول مرّة منذ العام 1971، وهو ما يؤكد تخلي دول مجلس التعاون الخليجي عن فكرة الأمن القومي العربي التقليدية، وخروجها من العباءة التقليدية التي عبّرت عنها مبادرة "السيسي" وهي "مسافة السكة".

هذا هو الواقع الجديد، بعد أن شهدت العلاقات المصرية الخليجية طفرة مهمة عقب ثورة "يونيو"، حيث قدمت دول الخليج العربية دعماً كبيراً لمصر لسد العجز الهائل في الميزانية علاوة على توفير الإحتياجات البترولية بين منح مجانية وتسهيلات مؤجلة الدفع، وتعزّز هذا بمساندة سياسية على المستوى العربي والإقليمي والدولي لتمكين مصر من تجاوز حصار دولي شديد كان يستهدف إسقاط الدولة المصرية والرجوع بمصر إلى عهود الاستبداد والفاشية، وأمام هذه المساندة التاريخية تم تطوير العلاقات المصرية الخليجية على كافة المستويات، وبالمقابل تعهدت مصر بوضع إمكاناتها حماية للأمن القومي العربي، وكانت زيارة الراحل الكريم "الملك عبد الله" لمصر بداية لتدفق المساعدات على مصر ومؤازرة ثورتها وشعبها ونظامها الجديد، وقد قدّر الخبراء الماليون المتابعون الدعم الخليجي للنظان الجديد بما يزيد على 30 مليار دولار في السنتين الماضيتين، عدا شحنات النفط العاجلة والآجلة التي حلت مشكلات خطيرة تعرضت لها مصر، وقد ألهب حماس شعبنا العربي وأعطى مشاعره القومية زخماً هائلاً عودة مصر إلى حضن أمتها، وإعلانها تحملها لمسؤولياتها القومية عبر ما أطلقه الرئيس "السيسي" من مبادرات قومية كانت أولاها تحت شعار "مسافة السكة"، ثم مقترحه للقمة العربية حول "القوة العربية المشتركة"، والتي تعتبر دفعاً لمنظومة العمل العربي المشترك، وجاء إعلان مصر مشاركتها في التحالف العربي الإسلامي المساند للشرعية اليمنية، مؤكداً على توجهها وتحملاً لمسؤولياتها، وصعّدت مصر من مواقفها الداعمة للأمن القومي بإعلان "السيسي" أن أمن دول الخليج من أمن مصر، وقد عزّزت مصر رؤيتها وموقفها الداعم للتحالف العربي الإسلامي بالدفع بقوات بحرية كبيرة لتعزيز الدفاع عن باب المندب وقطع الطريق على أية إمدادات للحوثيين وأعوان صالح، مواكبة للعمليات العسكرية التي ينفذها تحالف عربي إسلامي محدود في اليمن، ومواجهة أية احتمالات، وقد اعتمد مجلس الأمن القومي المصري تلك الساسات، وهو ما اعتبره الخليجيون دعماً لأمنهم في مواجهة التحديات الكثيرة، والخطيرة، التي يواجهونها.

وفق هذه المعطيات، وأمام المشهد العربي المرتبك إقليمياً وعالمياً، كان الأقرب للمنطق والعقل والحكمة، وحفاظاً على الأمن القومي العربي، كان الأقرب، والمقبول، أن دعوة رئيس أو مسؤول كبير من خارج مجلس التعاون الخليجي ستكون للرئيس "السيسي"، ولكن الأمر جاء مخيباً للآمال حيث دعت قمة مجلس التعاون الخليجي رئيسة وزراء بريطانيا ""تريزا ماي" لا "السيسي"، وبدا بوضوح أن الجراح أعمق بكثير، والمواقف أكثر تناقضاً، والتحالفات أكثر هشاشة، وأن الأمر تعدى حدود الوساطة العاقلة، وبات يتطلب إجراءات حقيقية وفاعلة على الأرض، فما تمر به المنطقة من مخاض وحراك وصراعات كبيرة وإرهاب مدعم من الغرب، وأعوانه، وما تعانيه منطقة الخليج العربي من أطماع عالمية تشارك فيها الجارة "إيران"، فرض واقعاً جديداً ألزم كافة الأطراف إعادة تقييم مواقفها، وإعادة النظر في التحالفات القائمة، والبحث عن حلول فعلية لمشاكلها التي تهدد حدودها وأمنها القومي، وهو ما حدث، ومن هنا فإن استدعاء رئيسة وزراء بريطانيا لحضور قمة مجلس التعاون الخليجي يبدو أنه أحد الحلول المطروحة للأزمة الحقيقية التي كانت تحت السطح، وقد أخفاها زخم المجاملة، والأمل في ألا تتصاعد الأمور، ولكنها تصاعدت، وانشق الصف العربي، وعلينا أن نبدأ من الصفر..!!

ولكن ما هي مظاهر الأزمة الحقيقية التي كانت تحت السطح...؟

لقد تمثلت التحديات الحقيقية، والخطيرة، التي تهدد أمن "المملكة السعودية" وحلفائها من دول الخليج في محاولات التوسع الإيراني الذي طال حدود "؟المملكة" بالفعل بأدوات إيرانية "حوثيين وأزلام صالح"، ولم يقف الصراع العربي الإيراني عند حد احتلال الجزر الإماراتية الثلاث، والقلاقل التي تسببها إيران في البحرين والكويت وعمان، في إطار صراع "شيعي سني مزعوم"، وقد غذّى هذا الصراع المحموم وأشعله اختلاف المواقف بين المملكة السعودية و "إيران" في "سورية"، وجاء التحالف "الروسي الإيراني" وتعاظم قوة "إيران" العسكرية ليعطي الصراع أبعاداً أخطر، في وقت أعلن فيه الرئيس الأمريكي المنتخب "دونالد ترامب" تخلي الولايات المتحدة الامريكية عن حماية الخليج العربي على حساب دافع الضرائب الأمريكي، وهو ما يعني تغير الإستراتيجية الأمريكية، وبالتالي الغربية، في المنطقة، كما تحسبت "المملكة السعودية" لعواقب قانون "جاستا" الذي يطالب الدول الخليجية بدفع تعويضات عن خسائر أمريكا وربما دول أخرى نتيجة عمليات لتنظيم "القاعدة" المحسوب على مواطنين سعوديين وعلى رأسهم "بن لادن"، والتي راح ضحيتها أكثر من ثلاثة ألاف قتيل وآلاف الجرحى والمرضى بأمراض مزمنة، تلك التعويضات التي قد تصل إلى مئات المليارات من الدولارات، والتي ستطيح بالإستثمارات السعودية في أمريكا وسنداتها في الخزانة الأمريكية والتي تتجاوز 750 مليار دولار، علاوة على 100 مليار جنيه استرليني في بريطانيا للسعودية وحدها، وهو ما سيكون في متناول أمريكا عند اتخاذ قرار، ومن ثم فإن " المملكة السعودية ومعها دول مجلس التعاون" أحسوا بخطر داهم وبدأوا في قراءة الواقع العربي مرّة اخرى.

ولقد اتضح أن جذور الأزمة حية تحت السطح، فرغم كل تعهدات مصر حول دورها في الأمن القومي العربي، لم يتم ترجمة هذا إلى حراك على الأرض، وهو ما تسبب في توقف المشاورات بشأن المقترح المصري بتشكيل " قوة عربية مشتركة" أكثر من مرّة، حيث تعمّق الخلاف حول قيادة القوات وحق التدخل أو حق طلب التدخل، وأعتقد أن هذا كان يعكس حاجة الدول الخليجية لاختبار النوايا، وتقدير مدى تحمل مصر وغير مصر لتبعات الدور، ومصداقية الشعارات، خوفاً من تورطها في عمل كبير لا تستطيع تحمله على الأرض، ولا تستطيع تحمل مسؤوليته أمام العالم ومؤسساته، لأنها ستدفع وحدها التكاليف، وللأسف جاء الواقع في فترة اختبار النوايا مخيباً لآمالها، فقد ظهرت القوات البحرية الإيرانية على شواطئ اليمن بقوة، واحتجزت عدداً من السفن الإماراتية التي كانت تحمل مساعدات إنسانية من التحالف، وتمكنت "إيران" من تطوير المعركة لصالح عملائها، وأنهكت بذلك الإدارة السعودية وأضعفت تأثيرها الإقليمي والدولي، وتم قصف المدن الجنوبية للسعودية، وقصفت مكة، واستشهد العشرات من العرب السعوديين وغير السعوديين ولم تحرك مصر ولا غيرها ساكنا، ولم يكن لـ"مسافة السكة" أي تأثير ايجابي في هذا الصراع، وألهب غضب "المملكة السعودية" موافقة مصر على مشروع قرار دولي لم توافق عليه "المملكة السعودية"، وعمّق هذا الخلاف، الموقف المصري مما يجري في "سورية"، والذي جاء معاكساً للموقف السعودي، وزاد الطين بلة الغزل بين "السيسى وترامب" في وقت يعلن فيه ترامب عن موقف متشددّ من دول الخليج.

لقد شعرت "المملكة" ـ على لسان محلليها ومعلقيها ـ بأن ما تمارسه مصر ابتزاز لدول الخليج لفك ضائقتها الإقتصادية، وأن مواقفها لا تعكس مضمون شعاراتها البراقة عن الأمن القومى العربي، ولا تحقق واقعاً جديداً على الأرض، وأن "مسافة السكة" مجرد شعار تضامني وتعبوي ليس له "مصداقية"، ولجأت السعودية للتصعيد على الفور، وطرحت على الطاولة المتاح من الخيارات.

لقد بدأ التصعيد العلني للخلاف المصري السعودي بوقف شركة أرامكو تفعيل عقود تزويد مصر بحاجتها من النفط لخمس سنوات مؤجلة وميسرة الدفع، كما تزامن ذلك مع تصعيد كبير، وخطير، في الهجوم على الرئيس المصري والقوات المسلحة المصرية على وجه التحديد، من جانب "فضائية الجزيرة"، وهو ما يعكس الجرح السعودي الحقيقي، ويعني بالتأكيد توقف الضغوط التي كانت تمارسها السعودية "والمجلس" من حين لآخر، وانتهى المشهد بهذه النهاية الصادمة التي عبّرت عنها دعوة رئيسة وزراء بريطانيا لحضور القمة الخليجية، لرسم خطوط جديدة لسياسات جديدة بين دول التعاون الخليجي والغرب، وهو ما يعنى الخروج من التعريف التقليدي للأمن القومي العربي والعودة إلى الإحتماء بالخارج.

لقد كنا نأمل أن تخرج الأمة موحدة من معاركها التي أوشكت على الحسم في مناطق واضحة لصالح شعوبها وقواها الوطنية والحية، وقادتنا الحسابات المنطقية إلى أن إنتخاب "دونالد ترامب" سيعيد ترتيب الأوراق الأمريكية، حيث سيهتم "ترامب" بإعادة بناء الإقتصاد الأمريكي على حساب الخارج، وسيوقف الدعم الأمريكي للتنظيمات الإرهابية، ليس مادياً فحسب، بل وبرفع الغطاء السياسي عنها، هذا في وقت بدا فيه بوضوح أن هناك تراجعاً واضحاً في معظم الدول الغربية عن دعم الجماعات الإرهابية وفي مقدمتها جماعة "الإخوان" بعد ما اصاب تلك الدول من إرهاب أقلق شعوبها.

للحقيقة وللتاريخ، لا يمكن أن نلقي اللوم على "السعودية" وحدها، وإذا كانت السياسات السعودية الثأرية، وغير المبرّرة، بالتدخل المباشر في الشأن السوري، إضافة إلى التغيرات الدولية الحاكمة، قد قادت السعودية إلى هذا المنزلق الخطير، إلا أن السياسة المصرية تجاه أزمات المنطقة لم تكن منسجمة مع بعضها، ولم تكن أيضاً منسجمة مع سياسات "السعودية" المرتبكة، وفي ذات الوقت لم تبذل مصر جهداً دبلوماسيا في الوصول إلى حلول مشتركة لتلك القضايا العالقة، مع أشقائها ومع الآخرين، ولا يعفى مصر من مسؤوليتها القومية التي رفعت شعارها "مسافة السكة" خيارا استراتيجيا بعد ثورة 30 يونيو "الحاكمة"، لا يعفيها عن مسؤوليتها المواجهات المريرة والمتواصلة في معارك الإرهاب التي تواجهها قواتها المسلحة والشرطة الباسلة، فهي خيارات تاريخية لم يسبق أن تخلت مصر عنها إلا في عهود الردّة.

لقد فقدت الإدارة المصرية مصداقيتها بفقدها لمصداقية شعاراتها، ومن ثم واجه الجميع هذا الواقع الصادم، وسحبت "تريزا ماري" البساط من تحت أقدام "مسافة السكة"، وللأسف ما زالت التصريحات الرسمية المصرية حول العلاقات "المصرية السعودية" مضللة، وهذه صدمة أخرى، لأنها دفن للرؤوس في الرمال..

رحم الله عبد الناصر، الصادق الصدوق، الذي انتزع حب الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج بمصداقيته، وكان الفارس المقاتل بلا مواربة، وأسقط إمبراطوريتين وهو يعاني الألم والجراح، ولم يمد يد مصر لعربي ولا أعجمي، وتحمل مع شعبه العظيم تحرير الأرض العربية بـ "القوة" بلا منة، ومد يد العون للأشقاء بالتعليم والصحة، وأحيانا بالغذاء والكساء، وحقق العدالة الإجتماعية والمساواة وتكافؤ الفرص، وكان رحمه الله وأكرم مثواه "عمود" الخيمة العربية وظلها الظليل .. ولعل الأهم ... كان القائد الجسور حانياً عطوفاً رقيقاً، أحس بالناس فأحسوا به ..

ومصر العظيمة المنتصرة ..بناها البشر .. وليس الحجر..

فهل من يفهم .. أو يستجيب..

رحم الله .. ناصر.



مقالات أخرى للكاتب

  • مقالات للشأن الليبي
  • أحمد قداف الدم يعلن رفع الراية البيضاء
  • نعم ..عبد الناصر \" رضي الله عنه ..وأرضاه

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    19,759,796