مرجعية العقل ودوره في بناء الحضارة الإسلامية-العربية- الإنسانية
2016-09-14 | منذ 2 سنة
زيد بن علي الوزير
زيد بن علي الوزير
  • القسم الأول من نص محاضرة ألقيت يوم الأربعاء 5 سبتمبر2016 في "مركز الحوار العربي" بمنطقة العاصمة الأميركية.

 

... سأتناول في هذه الليلة مرجعية العقل ودوره في بناء الحضارة الإسلامية-العربية- الإنسانية، ثم مأساة غيابه، ثم أثني إلى المحور الثاني وهو: كيفية فهم التاريخ كعامل في انهيار تلك الحضارة الإنسانية، أما المحور الثالث، وهو دور النساء فهو موضع واسع لا يختزل في بقية حديث بل هو بحاجة إلى محاضرة كاملة بل محاضرات، فليس قليلا ما ظُلمت النساء في كل الحقول السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية، ومنذ أن أصدر خليفة سكير، هو المتوكل على الله العباسي، منع النساء من الصلاة في المساجد منعهن في الوقت نفسه من التعليم، لأن المسجد آنذاك كان هو المدرسة الكبرى، ثم فرض عليهن النقاب، وبهذا العمل الشائن انسدل بضراوة بينهن وبين الحياة سور مانع، مما أدى في النهاية إلى الإسراع - بسب تجهيل نصف المجتمع- في انهيار تلك الحضارة، ومن المعلوم دورهن الملحوظ في تاريخ الإسلام اثناء الفترة النبوية والإمارة الراشدة، ولأن الموضوع في غاية الخطورة والأهمية فلا أظنني بقادر أن أفسح له مكاناً في هذه المحاضرة، بل أني أفضل تركه لمحاضرة مستقلة نظراً لأهميته، ولشرح ما جرى على المرأة من ظلم تاريخي، كانت للتقاليد والعادات دوراً تغلبت فيه على الدين والأخلاق والمشاعر الإنسانية، وأسهمت – كما قلت - في انهيار حضارة.

عن المحور الأول أقول أن عليّ أولا أن أحدد ماذا أعني بالعقل، فأنا اعتقد أن العقل أو الفكر أو النظر، كلمات متقاربة المعاني، متدانية الأهداف، مع وجود خصائص معينة لكل منها، لكنها تصب في خانة واحدة، أو كأنها باقة متعددة الألوان ذات خصائص معينة، لكن لكل منها فوحه الخاص، ويجمعها هدف واحد هو بث العطر والعبير.

في البدء كان القرآن الكريم- بالنسبة للحضارة الإسلامية العربية- هو من أعاد للعقل الحضاري دوره، بعد سبات طويل، وكانت الآيات الأولى التي أنزلت على رسول الله آياتٌ علمية بامتياز { إقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم?. فالدعوة إلى الذي خلق الإنسان من علق نداء واضح للتفكير، وإعمالٌ للعقل في الخالق والمخلوق، و كانت الدعوة الى القراءة هي إثراء للعقل وتوسعة للتفكير، وبدون القراءة يبقى العقل أو الفكر محصورا، وبالحرف تنتقل تجارب، ويحفظ تاريخ، وتتجدد انطلاقات واسعة في آفاق بعيدة، وعصور مختلفة.

وفي {القرآن الكريم} مئات الآيات تتعلق بدور العقل، وما يمت إلى العقل بصلة، وبوجوب إعماله في كل شيء، والآيات التي تقول: أفلا تعقلون أفلا تتفكرون، انما هي دعوة للعقل أن يستيقظ، أن يمارس دوره، أن يحدق فيما حوله، أن يستنبط، أن يقوم برسالته، وكلمة انظروا دعوة لأولي الأبصار أن يسعوا في الآفاق ليروا الآيات الكونية الكبرى، وأن يحدقوا: {وفي انفسكم أفلا تبصرون}، كلها كلمات إيقاظ، وكلها إحياء. وليس مصادفة ان تكون معجزة النبي عليه الصلام والسلام هي {القران الكريم} الداعي الى الإيمان عن طريق التأمل والتفكير وصولا إلى الإقناع.

وانصافاً  في القول، وبعيداً عن التعصب، وحسب معلوماتي،  فلم أر ديناً كرَّم العقل كما كرمه الإسلام، ولم أر أتباعاً أهملوا دور العقل كما أهمله المسلمون، فهذا العقل هو الذي بنى الحضارة الإنسانية، والابتعاد عنه هو الذي هوى بتلك الحضارة الشامخة.

طبق المسلمون الراشدون العقل في فهم نصوص {القرآن الكريم}، فاعتمدوا على فهم مقاصد النص لا حرفيته، وعملوا بها، وتجلى ذلك أبلغ تجل في عهد أمير المؤمنين "عمر بن الخطاب"، كما هو معروف، وكان أولئك الصحابة،- بالرغم من التعتيم الذي حصل- هم الأساس الفكري لدور "المعتزلة" و"الزيدية" القادم. وكان سبب ذلك أن الأمويين غيروا "المنهج العقلي" الحر، إلى المهج الجبري المُقيَّد والمقِيّد، وبسيف الحكم وذهبه عملت "الجبرية" بشكل فعال في مقاومة دور العقل وتحجيم طاقاته، وتجريد الإنسان من مسئوليته وإرادته في صنع حياته، وكاد هذا المذهب يطغى لولا ظهور "المعتزلة" و"الزيدية" اللتان عملتا بنشاط دفاعاً وحماية ولمنع انسحاق العقل تحت عقب "الجبرية"، فهبا لنجدته، والمحافظة عليه، وباستنبات الجبرية بأشواكها الحادة وبحماية السيف والارهاب لها نمت شجرة الزقوم.

في سبيل الدفاع عن دور العقل طرح العقليون مبدأ أن الإنسان "مخير" يحمل مسؤوليته، وليس "مسيراُ" لا ارادة له، وليس كورقة تسيرها الرياح، كما طرحها "الجبريون"، الذين ارادوا أن تعلق القضايا كلها بالإرادة الإلهية بما فيها المظالم والسلوك الشخصي، هادفة اعطاء الملكية المغتصبة شرعية إلهية غيبية لا تناقش، وفي سبيل ذلك طرحت سبب هزيمة "علي" و"الحسين" إلى إرادة الله، وكذلك انتصار "معاوية" و"يزيد" !.

اصبحت الجبرية هي اساس الحكم، واساس أي حكم مغتصب، وفي مقاومة هذ الخطر المكتسح سقطت رؤوس العقليين المقاومين بسيوف الأمويين، من أمثال "معبد الجهني" (ت80ه/699م) و"الجعد بن درهم" (ت105ه/724م) و"غيلان الدمشقي" (ت107ه/ 1727م). وسواهم، وقد ظن الأمويون أن تلك الدماء ستوقف دور الإرادة الحرة نهائيا، ولكن الدم المسفوح أينع حركة عقلية قوية هي في الواقع امتداد للعقلية الراشدة، ولتلك الحركات الفردية، وقد تمثلت في مدرستين عقليتين ذات ينبوع واحد: هما مدرسة الإمام الثائر "زيد بن علي" ومدرسة المفكر الكبير "واصل بن عبد الله"، وواصلتا طريقهما الشاق رغم الصعاب، وعن طريق "علم الكلام" الذي انبثقت عنه الحضارة الإسلامية الإنسانية. ومن الملاحظ أن ميلاد العقلانية كان في المساجد- عندما كانت معاهد- بينما ولدت "الجبرية" في القصور الملكية، فحاول وليد القصور- في عملية قهرية- أن يحتل المسجد، فتم له على المدى الطويل ذلك؛ لكن بعد أن انتج المسجد "علم الكلام" باني الحضارة، وانجبت الجبرية داخل القصور الباذخة مضاجع السرايا والغلمان.

استمر الصراع بينهما في العهد العباسي، وقطف "المنصور" خليفة الله بأمر الله رؤوس الكثيرين من "المعتزلة" و"الزيدية" وغيرهما من الحركات السياسية، وسال الدم غزيرا في ثورتي المدينة بقيادة "النفس الزكية" الزيدي، ومعه المعتزلة، كما سال الأكثر منهما في ثورة "ابراهيم بن عبد الله"، وعلى خطا المنصور، سار ابنه على درب والده فقتل "المهدي العباسي" كثيرا من المفكرين تحت عذر الزندقة، وضايق "هارون الرشيد" "المعتزلة" وسجنهم.

لكن العقليين ما لبثوا ان انبعثوا بقوة في أيام "المأمون" و"المعتصم" و"الواثق" فازدهر الفكر ونما واستطال، على أن الاضطهاد المريع عاد عليهم على يد خليفة سكير هو "المتوكل العباسي" الذي أنزل بـ "المعتزلة" ضربة شديدة فسجن وعذب، واختصر المذاهب التسعة والعشرين في أربعة مذاهب، مريداً بذلك تجفيف الفكر والفقه معا، ليتحكم فيهما، ومع ذاك فإن "المعتزلة" و"الزيدية" قد ولدتا مرة أخرى من رحم الاضطهاد، وقدم العقلانيون أفكاراً متطورة، كـالقولبالتولّد، وامكانية خلق انسان على يد الإنسان التي نادى بها "بشر بن المعتمر" ( 210هـ825م) ومثل "الطفرة" و"الكمونية" التي نادى بها "النظام" (ت عام 221 هـ836 م، أو عام 229 هـ./43-844م) وان الله يخلق الدنيا وما فيها في كل حال من غير أن ينفيها ويعيدها[1] و"إن الجسم في كل وقت يخلق"[2]. وكأسئلة  "شيئية المعدوم": (أن المعدوم شيء معلوم ومذكور، وليس بجوهر، ولا عرض) [3] كما طرحها "البلخي". وطرح "اخوان الصفاء"، فكرة التطور الطبيعي". و بلغ تكريم العقل عند الإمام الزيدي "القاسم بن ابراهيم" (ت 246 هـ / 860م) مرحلة متقدمة فنادى بـ "حاكمية العقل" وقال، اذا تعارض العقل مع النص القرآني فيأخذ بالعقل، لأن بالعقل يفهم {القران الكريم}، وقريباً من هذا ما قاله المعري (ت 450ه/1058):

يرْتجي الناسُ أن يقومَ إمامٌ       ناطقٌ، في الكتيبةِ الخرْساءِ

كَذَبَ الظنُّ، لا إمامَ سوى الـ     ـعقلِ، مشيراً في صبْحه والمساءِ

فإذا ما أطعْتَهُ جلَب الـ           رحمةَ عند المسير والإرساءِ

وكما حورب العقل فقد جرى تحوير المذاهب الفقهية الى خدمة السلطان، فعبر عن وضعها التعس الشاعر الفيلسوف "ابو العلاء المعري" أيضا حيث قال:

إنما هذه المذاهِبُ أسبا          بٌ لجذبِ الدنيا إلى الرّؤساءِ

غرَضُ القوم مُتعةٌ، لا يَرِقّو      نَ لدمع الشّمّاءِ والخنساءِ

بالرغم من الانبعاث العقلي بين الحين والأخر إلا أن طغيان الفقه الجبري سيطر على الساحة، وبلغت ظلماته أشدها يوم أصدر الخليفة العباسي القادر بأمر الله (عام 408ه/1017م) كتابا ضد "المعتزلة" يأمرهم فيه بترك الكلام والتدريس والمناظرة في "الاعتزال" والمقالات المخالفة للإسلام[!!] وأنذرهم- إن هم خالفوا أمره- بحلول النكال والعقوبة. ثم تلى هذا الكتاب "البيان القادري" - نسبة الي هذا الخليفة العباسي "القادر"- وما أدراك ما "البيان القادري"، ثم ما أدراك ما "البيان القادري"، يوم أصدر في عام 433 ه/1041م في "بغداد" كتابا سمي "الاعتقاد القادري" وقرئ في الدواوين، وكتب الفقهاء خطوطهم فيه وذكروا أن هذا اعتقاد المسلمين، وأن من خالفه فقد فسق وكفر. لقد اختزل هذا الخليفة الإسلام في شخصه.

ومن هذه الفترة استبيح القتل الجماعي ونهج السلاطين نهج "القادر" واستن بسنته في قتل المخالفين على يد السلاطين "الغزنويين" و"السلجوقيين" واستمر قتل كل من يدعو الى رفع الظلم، فقتل "المقتدرُ" "الحلاج"، وقتل "صلاح الدين الأيوبي" الصوفي الإستشراقي "السهروردي"،عام586ه/1191، وأمر الخليفة الموحدي "أبو يوسف يعقوب المنصور" (ت583ه/ 1199م) بجمع مؤلفات "ابن رشد" الفلسفية فأحرقت الا ما هُرّب منها، وحظر الاشتغال بالفلسفة والعلوم، ونُفي الفيلسوف الكبير إلى المغرب،  وهكذا كانت رؤوس العقليين تقطف أو تعذب  أو تُهجّر كلما جاهر احد منهم بحرية الإرادة.

وبموجب "البيان القادري" المظلم حصر الاعتقاد بالقوة فيما يعتقده هذا الخليفة الأرعن، وبحصر الإيمان في شخصه بدأ نور العقل يغيب بسرعة، وأقبلت ظلمات الجهل تتدفق بسرعة كبيرة.

*

على أنه من المضر التعميم فهناك دولة الخلافة الفاطمية التي قامت على أساس فلسفة اسماعيلية وليس على أساس فقهي، كما هو الحال في الدول الأخرى، ومن ثم ازهر الفكر الحضاري ازدهاراً رائعاً، وتساجل القصر والمعهد في الإبداع، وعولجت كثير من القضايا معالجة عقلية، وكانت قصورهم معاهد للتعليم، وليس للسرايا والغلامان، وانعكس هذا الانفتاح العقلي على السلوك السياسي، فكانت المواطنة -كما نسميها اليوم- مطبقة على أفضل ما يمكن، فكان المواطنون من مسلمين ونصارى ويهود يحتلون منصب رئاسة الوزراء في العهد الفاطمي بدون تفريق، وكان القضاء يترأسه الإسماعيلي والمالكي والشافعي. وبانطفاء "الخلافة الفاطمية" شمل الظلام الفقهي كل الأراضي الإسلامية.

هناك ايضا سبب آخر في استبقاء الفكر العقلاني زمنا أطول، يعود فضله  إلى أولئك الذين ابتعدوا عن مقارعة الفقه السياسي الجبري، وابتعدوا عن مقاومة الظلم السياسي، واخلصوا للعلم نفسه كـ "ابن الهيثم" (ت 430 هـ/1040م) وأمثاله، فهؤلاء اهتموا بالعلوم واخلصوا لها، ولم يتعرضوا للفكر الجبري ولا للمظالم السياسية فتركهم السياسيون وما يعملون، وكان لهم الفضل في استبقاء العقلانية فترة من الزمن.

وفي معادلة غريبة  كان لبعض الدول المستقلة والصراعات فيما بينها، فضل حماية العقل، فكانت كل دولة تنشأ تنافس الأخرى في جذب العلماء اليها، حتى اذا استشعر العالم خطراً من الحاكم لأفكاره، فرّ منه إلى دولة أخرى ليجد عندها الأمان المؤقت، كما حدث للفيلسوفين "ابن سيناء" و"الرازي، وتنقلهما بين "السامانية" و"الغزنوية" و"الزيارية"، وفي خلال بقائهما هنا وهناك كانا يولفان بعض كتبهما، ويعلمان تلاميذهما، وينشران فيهم فكراً ومعرفة، حتى إذا أحسا بنذير تركاها وارتحلا الى أخرى، تاركين بعدهما تلاميذهما ومريديهما. ومن خلال هذه المطاردة تنقل الفكر الفلسفي بين البلدان وانتشر هنا وهناك، وبقي هذا الفكر يقاوم حتى طمره الفقه الجبري وطواه في النهاية.

وبقي العقل يقاوم حتى غرق العالم الإسلامي في الظلام، وساد الفقه الجبري وانتهت الشورى والانتخاب والتفكير العقلي إلى أن بدأ يستيقظ من جديد، وتبلورت تهاليله على يد موقظ الشرق "جمال الدين الأفغاني" وتلاميذه من امثال "محمد عبده" و "الكواكبي" و "قاسم امين"، و"سليم بك العنجوري" ومحمود سامي البارودي"، و"عبد السلام المويلحي" وأخيه "إبراهيم" و"إبراهيم اللقاني، و"على بك مظهر"، والشاعر "الزرقاني"، و"أبي الوفاء القوني"، و"سليم النقاش"، و"أديب إسحاق"، و"عبد الله النديم"  وتلاميذهم كـ "رشيد رضا" وائمة الأزهر العظام من امثال الشيخ " محمد مصطفى المراغي" ومصطفى عبد الرزاق"  و"شلتوت، و"أبو زهرة" وغيرهم، وانتشرت هذه الفكرة انتشار النور الجديد إلا انها اصطدمت كما استطدم أوائلنا بنفس طبيعة الحكم تحت تسميات اخرى. وبنشاط مقاومٍ على يد الوهابية، التي تمكنت بما تملك من مال ودولة غنية من عرقلة خطى العقلية الجديدة. والى حد كبير، اعادة  الفقه السياسي الأكثر ظلمة إلى سابق عهده.

تبين لنا مما سبق ان الحضارة قامت على النشاط العلمي، وغربت بغروبه، كما تبين لنا أن الحضارة لا تقوم ولن تقوم على "فقه"، وإنما تقوم على "فكر" وأنه في غياب الفكر- كحضارة- ينمو التخلف ويسود  الفقه السياسي. وهكذا كان...

*  زيد بن علي الوزير/ كاتب ومفكر يمني مقيم في واشنطن،



مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى للكاتب

التعليقات

إضافة تعليق

مقالات الأعداء

إستطلاعات الرأي

فيس بوك

إجمالي الزيارات

24,259,807