التنمية الروحية
2016-06-29 | منذ 1 سنة
د. يوسف الحسن
د. يوسف الحسن

هل حداثة مجتمعاتنا العربية الراهنة، هي حداثة مكتملة؟ أم أنها ما زالت ناقصة؟

إنه سؤال محوري، مطروح أمام النخب السياسية والثقافية والدينية والتنموية.
لو كانت حداثتنا مكتملة، هل كان من الممكن أن تنتشر بيننا ثقافة تنتج غلواً وعنفاً وتمذهباً متعصباً، وتصادر حقوق الإنسان، وتوِّلد صداماً غير مبرر، مع الآخر، ومع العصر؟

ولو كانت حداثتنا ناضجة، هل كان من الممكن أن تُهدر مواردنا وطاقاتنا، ويتفشى الفساد والفقر والبطالة والشقاء، واللاتعايش في المجتمع، وتنتهك القوانين، ويُخترق الأمن القومي.. إلخ؟
نعم.. اختزلنا التحديث، ومفاهيم التنوير في مكافحة الإرهاب، وتجفيف منابع الغلو والتعصب، ونسينا شروطاً أخرى للتنوير والتحديث.
التحديث من فوق، على أهميته، يبقى فوقاً، وقد لا يتسرب ويستقر في شرايين المجتمع، لكن التحديث أو التنوير الذي تقوده المجتمعات، من تحت، هو الأكثر فعالية، لأنه ينشغل بالثقافة والإبداع والحريات والسلوك والمعرفة الدينية المنفتحة على الحكمة الإنسانية، فيقوى المجتمع، وتزداد قدرته على التنوير، وعلى إدراج مفاهيم التدين الشعبي بالتنمية الشاملة، ويرتقي بشروط الحياة اليومية للإنسان، ويزيد من تفاعله الإيجابي مع الآخر، ومع العصر.
تنوير المجتمعات، وتحديثها، ينزعان من الخطاب الديني العنيف، قدرته على التسييس والتعبئة، ويطردان أية طاقة سلبية أو سوداء، قد تنطوي عليها أفكار دينية معلولة.
التنوير الديني في مجتمعاتنا العربية، ذات المزاج الديني، هو ضرورة وأمن وطني في آن، وجذر هذا التنوير الديني هو التنمية الروحية، التي لا يستقيم التنوير والتحديث من غير دمجها وتناغمها مع التنمية الاقتصادية والثقافية والاجتماعية.
}
ولا يرقتي التدين الشعبي، إلا إذا كان قادراً باستمرار على التكيف مع أحكام التغير والتطور، وكان قادراً على الارتقاء بشروط حياة الإنسان، وبمتطلبات العصر، وقوانينه الإنسانية المعتبرة.
وإذا لم ينجح في هذا الارتقاء، سيكون التدين الشعبي، مجرد طقوس فولكلورية، لا تنفع الإيمان الصحيح، ولا تزيد المجتمعات إلا إرباكاً.
نعم.. نحن بحاجة ماسة إلى إعادة بناء الحقل الديني، بعد أن أصابه التصدع، بسبب ما جرى من زلازل سياسية، واختلالات وفواجع طوال السنوات الست الماضية، بحاجة إلى صوغ مشروع فكري إصلاحي، يصحح الخلل والاضطراب في هذا البناء، ويحرر الوعي من الخرافة والتأخر، ويعتمد التربية والتثقيف، ويخلق رأياً عاماً إصلاحياً إسلامياً، بشكل تدرجي وتراكمي، منفتح على الفكر الإنساني، للانتهال من مكتسباته، بعيداً عن أوهام امتلاك الحقيقة المطلقة، وملتزماً بأخلاق فكرية حضارية، من تفكر وإصغاء وحوار ومجادلة ووسطية واعتدال.

***

التنمية الروحية مطلوبة، عند إعادة بناء الحقل الديني، كما في التنمية الشاملة في المجتمع، وتتطلب تكويناً بشرياً متوازناً، وبجوهر أخلاقي خلاَّق، وبثقافة إيمانية، ومحاسبة ونقد ذاتي، وعمل وسلوك يحققان عمارة الأرض، وكل ألوان التعمير في الحياة الكونية.

وتحضرني هنا، قصة واقعية، تداولتها وسائل الاتصال الاجتماعي، وتحكي قصة تجار مسلمين من عربنا، ذهبوا إلى الصين، لإنجاز صفقات تجارية، وشراء بضائع صينية، رخيصة الثمن، رديئة الصنعة والجودة، واشترطوا على التاجر الصيني، المكلف بمرافقتهم، واستضافتهم، أن يحذر من وجود لحم الخنزير في طعامهم، باعتباره محرماً في دينهم، وشاهدهم وهم يبحثون عن اتجاه القبلة، لممارسة شعائر الصلاة، وكان التاجر الصيني، معجباً بمدى تدين هؤلاء التجار، وتمسكهم بتعاليم الإسلام، لكنه ذات يوم فوجئ بطلب غريب منهم، حينما طالبوه بتغيير جملة «صنع في الصين» المطبوعة على البضاعة، واستبدالها بجملة مغايرة تشير إلى أن البضاعة «صنعت في ألمانيا».

كان التاجر الصيني مذهولاً أمام هذا الطلب الغريب، وغير القانوني واللاأخلاقي واعتقد أن هذا الفعل الشاذ، أي الغش في البضاعة، وإظهارها على خلاف حقيقتها ووصفها ومصدرها، هو فعل يجيزه دين هؤلاء التجار.
قيل: إن التاجر الصيني، رفض هذا الطلب الذي يخدع المستهلك ويضلله، وواصل حياته، يأكل لحم الخنزير، ولا يغش الناس، لا في التجارة ولا العمل ولا المواد الغذائية.
لقد ذم الإسلام الغش وأهله، وتوعدهم بالويل، «من غشَّنا فليس منا»، وشر الناس من غشهم، هكذا تعلمنا، في تربيتنا الروحية.
لكن هناك كثر، ممن قالوا: إن «لحم الخنزير، جعل رجال الغرب، لا يغارون على نسائهم»!!.. وبعضهم تساءل: «هل أصحاب المصانع الصينية في النار، وأصحابنا الغشاشون، ينعمون بالجنة، لأنهم لا يأكلون لحم الخنزير»؟!
حسبنا الله ونعم الوكيل.



مقالات أخرى للكاتب

  • نحو «حلف فضول» عصري
  • ضمير امرأة عربية
  • ثقافة المقاومة

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    19,073,602