فلسطين ، 130 عاما من التصدي والمقاومة والحضور
2016-04-06 | منذ 2 سنة
عوني فرسخ
عوني فرسخ

       في العام 1886 وقع الصدام الأول بين فلاحي الخضيرة ومستوطني " بتاح تكفاه " المستعمرة الناشئة بجوارهم على خلفية خسارتهم عملهم في الأرض التي بيعت للصهاينة. وفي العام 2016 رشح اودولفو بيريز اسكفيل ، الأرجنتيني الحائز على جائزة نوبل للسلام ، المناضل الأسير مروان البرغوثي لجائزة نوبل. وإن كان غير مرجح نجاح هذا الترشيح الكريم ، غير أنه لا يدل فقط على الدعم العالمي المطّرد اتساعا لتأييد المقاومة الفلسطينية ، وإنما أيضا على تراجع فعالية جماعات الضغط " اللوبيات " اليهودية في دولة كالأرجنتين تضم أكبر جالية يهودية فعالة في أمريكا اللاتينية ، نتيجة الممارسات العنصرية الإسرائيلية في الأرض العربية المحتلة.

 

        وعلى مدى المائة والثلاثين عاما الماضية تواصل تصدي قوى الممانعة الفلسطينية للصهاينة ، كما تعددت جولات مقاومة التجمع الاستيطاني الصهيوني ، والمشاريع الأوروبية والأمريكية المستهدفة تمكينه من أداء وظيفته الاستعمارية في المشرق العربي. وبالممانعة والمقاومة فرض النضال الوطني الفلسطيني حضوره على الساحة الدولية كحركة تحرر وطني في مواجهة قوى الاستعمار والإمبريالية وأداتهما الصهيونية ، المستهدفة الوجود التاريخي للشعب العربي في فلسطين ، وإحلال التجمع الصهيوني الغريب محله ليشكل فاصلا بين جناحي الوطن العربي ، ما نعا لوحدته القومية وتقدمه على طريق مواكبة العصر.

 

        وحين تقرأ المسيرة الفلسطينية منذ صدام الخضيرة يتضح أن أخطر التحديات التي واجهت ، ولا تزال ، قوى الممانعة والمقاومة إنما هي تخلف وعي ومعرفة النخب متصدرة الصفوف ، وضعف ثقتها المريع بقدرات شعبها ، وقصر نفسها في التصدي ، وافتقادها استراتيجية إدارة الصراع مع الصهيونية ورعاتها على جانبي الأطلسي بل إنه خلال سنوات الانتداب ، وبرغم وضوح انحياز الانجليز للصهاينة منذ أيام الانتداب الأولى ، وحتى بعد تصريح بعضهم بأن عصبة الأمم عهدت للدولة المنتدبة على فلسطين وضع البلاد سياسيا واقتصاديا وإداريا بما يكفل إقامة " الوطن القومي اليهودي " ومصالح السكان اليهود. فضلا عن اتضاح عمل المندوب السامي وجهازه الدؤوب على إذكاء نزاعات أعيان المدن ووجهاء الريف العرب ، وبذر الشقاق بينهم. وبرغم ذلك كله دأبت الزعامات الوطنية المراهنة على بريطانيا صريحة العداء للحقوق الوطنية الفلسطينية المشروعة.

 

        ومما يذكر أنه في أغسطس/ آب 1921توجه وفد برئاسة موسى كاظم الحسيني لمقابلة وزير المستعمرات ونستون تشرتشل ، فأحالهم إلى الزعيم الصهيوني حاييم وايزمان الذي أبلغهم أن الهدف الصهويني إنما هو إقامة دولة يهودية في فلسطين ، وبرغم ذلك لم تسقط الزعامات الوطنية الرهان على " عدل " بريطانيا في فلسطين. والذي يدعو للأسى إعادة إنتاج الخطأ التاريخي للزعامة التقليدية من قبل محتكري قرارات منظمة التحرير وحركة فتح بزعامة ياسر عرفات ، بإعلانهم سنة 1974 التزامهم حوار الصهاينة ومفاوضتهم خيارا استراتيجيا واعتمادهم مسلسل التنازلات عن الثوابت الوطنية سعيا لقبول الإدارة الأمريكية بهم ، ما انتهى  بهم لتوقيع اتفاق أوسلو ، ومسخ الميثاق الوطني ، والالتزام بالتنسيق الأمني مع سلطة الاحتلال.

 

        إلا أن القوى الملتزمة بالممانعة والمقاومة خيارا استراتيجيا وبرغم كل المعوقات الداخلية والخارجية ، تابعت مراكمة الإنجازات على درب صراع الوجود واللاوجود الممتد مع الحركة الصهيونية ورعاتها على جانبي الأطلسي. ما يستدعي التذكير ببعض أبرزها لعل ذلك يسهم باستعادة بعضهم الأمل بحاضر ومستقبل الشعب العربي في فلسطين.

 

        ففي العام 1929 انتفض مواطنو القدس وعموم فلسطين في " هبة البراق " وأسقطوا سعي الصهاينة إحداث أمر واقع يعزز ادعاءهم في حائط " المبكى " ، ويومها تساقط الشهداء والجرحى برصاص الإنجليز والهاغانا ، وتسابق الأبطال محمود جمجوم ، وعطا الزير ، وفؤاد حجازي على حبل المشنقة ، في مشهد وطني تاريخي ، فيما أبدعت أمهاتهم عادة  استقبال جثامين الشهداء بالزغاريد ، ما صار تقليدا فلسطينيا يُحتذى به ، وخلده إبراهيم طوقان في رائعته " الثلاثاء الحمراء " مؤكدا التزام المثقفين بالنضال الوطني.

 

        وفي العام 1935 أبدع الشيخ عز الدين القسام امثولته الاستشهادية مستنهضا إرادة الممانعة والمقاومة المتجذرة في الثقافة العربية الإسلامية ، وفي السنة التالية كان مريدوه أبرز قادة ثورة 1936 ، التي أوقفتها " اللجنة العربية العليا " استجابة لضغوط ملكي العراق والسعودية وإمام اليمن وأمير شرق الأردن ، المطالبين بفك الإضراب ووقف الثورة اعتمادا على وعود " صديقتهم بريطانيا العظمى " التي سارعت بطرح مشروع التقسيم الأول سنة 1937 فبادر الملتزمون بخيار الثورة إلى تجديدها ، وأسقطوا المشروع الاستعماري.

 

        ولقد نجحت قوى الممانعة والمقاومة ، المدعومة من عمقها العربي ، في إفشال وعد بريطانيا لحاييم وايزمان بأن تكون فلسطين يهودية كما هي إنجلترا انجليزية. ودليلنا أنه عند نهاية الانتداب سنة 1947 ، وبرغم كل الضغوط البريطانية وجهود يهود أوروبا والولايات المتحدة ، ودعمهم الاستيطان الصهيوني ، كانت فلسطين عربية كما ذكر أشجع المؤرخين الإسرائيليين الجدد ايلان پاپه ، بأن الصهاينة لم يجاوزا ثلث السكان ، ولم يحوزوا سوى  5,7% من الأرض. ويقرر بأن الأمم المتحدة لو أنصفت لما أعطتهم 10% من أرض فلسطين.

 

        وبرغم النكبة وتداعياتها الخطرة على المجتمع العربي الفلسطيني أفشلت القوى الوطنية كل مشروعات التوطين الأوروبية والأمريكية ، والقبول الرسمي العربي بها. كما شارك شباب وصبايا فلسطين في التصدي العربي لحلف بغداد ، ففي مخيم عقبة جبر استشهدت رجاء أبو عماشة ربيع 1954.

 

        وبمبادرة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ودعمه تشكلت منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1964 ، الإنجاز الوطني الأبرز بعد النكبة ، وأصدر المجلس الوطني برئاسة الراحل أحمد الشقيري " الميثاق القومي " بالنص على رفض وعد بلفور ، وقرار التقسيم ، واعتماد كل وسائل المقاومة ، بما فيها الكفاح المسلح  ، سبيلا لتحرير الأرض المحتلة سنة 1948 وعودة اللاجئين واستردادهم أملاكهم والتعويض عليهم.

 

        وتزامن ذلك مع توالي بروز فصائل المقاومة ، التي استقطبت مشاركة ودعم المناضلين من مشرق الوطن العربي ومغربه ، وأعادت بعطائها من دم الشهداء والجرحى ، الاعتبار للكفاح الوطني الفلسطيني.

 

        وبعد 23 سنة من فضيحة إقرار اتفاق أوسلو ، ومسخ  " الميثاق الوطني " دخلت انتفاضة فتيان وفتيات فلسطين ، الذين ولد غالبيتهم بعد الاتفاق كارثي النتائج ، شهرها السادس ، مؤكدة أن تصدّى قوى الممانعة والمقاومة الفلسطينية للكيان الدخيل في تجدد دائم ، وتطور نوعي ، فارضة على التجمع الاستيطاني الصهيوني وصناع قراره قلقا متزايدا ، وحضورا مؤثرا في أرض عصِّية إرادة شعبها على الاستسلام.



مقالات أخرى للكاتب

  • «بلفور».. التحدي الاستعماري والاستجابة العربية
  • أبعاد وتداعيات العدوان على الكنائس بمصر
  • التحدي الأكبر للإسلاميين في الحكم

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    20,516,430