إبنتي لا تدرس الدين
2016-02-28 | منذ 2 سنة
منى صفوان
منى صفوان

ذات صباح، قررت نقل  ابنتي الى مدرسة بلا منهج ديني، وكان واحدا من اسرع القرارات التي اتخذتها، بمجرد ان باغتتني على طاولة الافطار بسؤال ذو رائحة طائفية، حدث ذلك  حين بدأت في الصف الثاني تاخذ حصة دين.

في البداية كان الامر عاديا، فهي تدرس بعض النصوص القرانية والاحاديث، لكن مع الوقت بدى مخيفا. حين بدات خلال اسابيع بعض الافكار المذهبية  تتسلل الى عقلها الصغير المشتعل  بالاسئلة.

 

فكانت مهمة البحث عن مدرسة بلا منهج ديني، امر بالغ الأهمية خاصة في بلد مثل لبنان، لان الدين يدرس هنا مع المذهب، إسلامي او مسيحي ، وكل مدرسة لها حرية الخيار في المنهج الديني الذي تعلمه للتلاميذ، بحسب المنطقة التي تنتمي لها مذهبيا وذلك مرعاه للفوارق المذهبية بين الطوائف اللبنانية.

 

فمع كل حصة دين، لا يرن جرس الحصة، بل يدق جرس الانذار من كارثة طائفية،  مقرها مدارس الاطفال، كارثة تكبر يوميا و سوف تظهر خلال السنوات القادمة جلية  في شخصياتهم وطريقة تعاملهم مع الاختلاف حولهم.

 

وهذا الامر تتشارك فيه غالبية المدراس العربية، حيث يقرر المنهج الديني من وجهة نظر من يكتبه، فنحن في اليمن درسنا الدين في التسعينيات، من وجهة نظر الشيخ “عبد المجيد الزنداني” وهو شيخ سلفي معروف، كان له دور في تجنيد الشباب للحرب في افغانستان، ودور اكبر بعد ذلك بتربية ورعاية الارهابين والمتطرفين في اليمن، حين سمح له بإنشاء جامعته الخاصة في صنعاء  .

 

فقد كان منهج الدين وخاصة كتب “التوحيد” لصفوف الإعدادية منهجا سلفيا بالدرجة الاولى، وبختم وزارة التعليم، حتى ان مدرسين الدين وقتها كانوا من خريجي المناهج والمعاهد الدينية المتطرفة، وهذا يحدث تحت رعاية رسمية في مدارس الحكومة للبنات و البنين

بالنسبة لي، فلولولا دور البيت والعائلة، الام الواعية والأب المثقف، الذين اظهروا لنا ان ليس كل ما ندرسه  حقيقة،  وان للحقيقة اوجه كثيرة، وكنا نعرف ان هذه ليست حقيقة الدين، لخرجنا من المدرسة مجموعة متطرفين ومتطرفات بختم وزارة التربية والتعليم.

 

لهذا قررت  ان ابحث عن مدرسة بلا منهج ديني لابنتي ، لسبب اخر لا يتعلق بالتطرف بل بالطائفية، طالما وانا املك فرصة لم تتوفر في اليمن، وهي ان اجد مدرسة محايدة دينيا.

 

فسؤال طاولة الافطار، كان اثقل وجبة تناولتها في حياتي، انه اخطر من كل الحروب التي يمكن ان اعيشها، فالطفلة التي نذرت حياتي لها، يفخخ عقلها بقنبلة طائفية موقوته،  وتسألني عن مذهبها وعن فروقات لم نعرفها في صغرنا، لهذا سمعت بوضوح  جرس الانذار، ورايت جيلا قادما لم ننتبه له ينمو  في الكارثة الطائفية التي نعيشها، برغم انه يتقن اللغات الأجنبية فابنتي تعلمت  الفرنسية والانجليزية بجانب حصص الطائفية.

 

جيل الاي باد الذي يذهب الى السينما ويشاهد افلام الرسوم المتحركة d3 الأكثر ذكاء وانفتاحا ومعرفة تكنولوجية ، لن يقبل الاخر لدينه ومذهبه .

نحن كنا جيل التطرّف، والان مسؤولين عن تربية جيل الطائفية،  وكلاهما بسبب المناهج الدينية المتطرفة والمتعصبة والجاهلة،  فمن الممكن ان يرث أطفالك التعصب عن جهل بسبب المدرسة، حتى لو كنت رائد التعايش والانفتاح في مجتمعك. فالمدرسة لن تعلمهم الفيزياء، و قواعد الرياضيات الحديثة فقط.

 

لهذا هربت بابنتي قبل سنوات الى مدرسة أهم شروطها انهم لا يدرسون اي منهج ديني من اي نوع، فقد كنت اهتم بنوع  التعليم في المدرسة وقوة اللغة، ولكن المنهج الديني اكثر أهمية. لان التعصب لو زرع في سن صغيرة سينحت شخصية متحجرة .

 

وطالما هناك خيارات افتقدناها في زمننا، وبلادنا، فلماذا لا استغل تواجدي في لبنان، واوظف هذا التنوع اللبناني وأحوله الى فرصة . وخلال سنوات قليلة بدات اطمئن ان ابنتي تأسست دينيا بشكل صحي.

 

وهذا لا يعني ان تكبر الصغيرة بلا ثقافة دينية، فحين قررت نقلها الى مدرسة بلا منهج ديني، كان قراري بان أكثف حضوري معها، لتعرف اكثر وتتثقف دينيا، لتعرف كل ما تحتاج معرفته في هذا السن عن الدين، واستغل فرصة اني في بلد الأديان والمذاهب واحولها من مشكلة الى فرصة للمعرفة الدينية.

 

لتذهب ابنتي الجمعة للصلاة في الجامع مع جدتها، و تحضر التراويح في رمضان ، و في الأحد اصطحبها لزيارة الكنيسة، وتوقد الشموع، وذهبت ايام عاشورا  لعزاء في حسينية، وشاهدت مسيرة كربلائية “بلا دم طبعا” ويوما ما سنزور معبدا بوذيا كما وعدتها، وكنيس يهودي. لتمارس الدين كطقس روحي.

 

انها تعرف كل ما تحتاج له في هذا السن ، والاهم علاقتها الجميلة مع الله، ايمانها، وقدرتها على استيعاب كل هذا التعدد والاختلاف. انعكس هذا بشكل ايجابي على شخصيتها وهي الان على باب المراهقة، حيث ستخرج شخصيتها  من شرنقتها،  وتظهر مدى قدرتها على التعامل والتفاهم مع العالم حولها. مع المذاهب وتعدد الأديان والاعراق

 

واعتقد ان هذا اهم انجازاتي في الحياة.

ان تعرف طفلتي عن الأسلام كما تعرف عن البوذية، وعن الديانات الاخرى ، بكتبها وانبيائها بدون مذاهبها واختلافاتها وخرافاتها .

ان تحب التعبد وتؤمن، ولا ترى في ذلك تقيدا لحريتها وافكارها، وان من حقها اختيار الطقوس التي تناسبها، وان تجد الصلاة التي تريحها.

فأنا المسؤولة الوحيدة عن شخص واحد في هذا العالم، من حقه ان يختار اسلوب حياته وطقوسه، بحرية، يهمني ان اختار ان يؤمن ان يكون مؤمنا بلا تعصب. وان يبقى منفتحا بلا تمرد، ولعلها مساهمة مني في مواجهة التعصب في اوطاننا الطائفية، مساهمة الام والاب افضل من الف كتاب ومحاضرة .



مقالات أخرى للكاتب

  • العالم يتكالب على اليمن.. واخرهم ترامب
  • اليمن تباد: اطراف الصراع بلا مشروع وطني، وطفل يموت كل 10 دقائق
  • ما الذي تغير في السعودية حتى يغير الحوثيون موقفهم؟

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    22,911,459