في ضرورة المحاولة للانتماء للإنسان مجددا
2015-09-07 | منذ 3 سنة
أمين غانم
أمين غانم

ذات يوم ،وكنت في المعسكر ، أذكيت النار بقطعة ضخمة من الحطب يغطيها النمل من أطرافها جميعا .

وما إن شرعت في الاشتعال حتى اندفعت النملات ، أولا ، نحو المركز حيث كانت النار ، ثم ارتدت على أعقابها وهرعت نحو الطرف الآخر . حتى إذا أصبح هذا الطرف مغطى كله بالنمل تساقطت النملات في النار . لقد خرج بعضها من النار ، وقد احترقت أجسادها وتسطحت ، ونجت بأنفسها غير دارية إلى أين كانت تذهب . ولكن الكثرة العظمى منها اندفعت نحو النار ، ثم انكفأت نحو الطرف البارد حيث احتشدت لتسقط آخر الأمر في النار ,واذكر اني فكرت آنذاك أن نهاية العالم قد دنت. .آرنست همنجواي ( وداعا للسلاح ) .

هذا الموقف وإن بدا بسيطا او رمزيا لاحد ابطال الرواية, باعقاب إنتها? حرب ضروس ,يعكس بشاعة الحروب كلها,سيما لوقوعه في الخط الرمادي  المتداخل بين الحرب والسلم, وبين الموت والحياة, او بشكل دقيق بين افق مجتمع الحرب وبين ميله القسري للنهايات اكثر من البدايات, وتغدو الغربة لذيذة ,كحالة من الكآبة  المدمرة ,في هذا الفاصل الضبابي, وتتطور لإنكفا? حميميا غير جاهز للتحول في سياق فصول جديدة ,تناهض كل الآلام التي ولدتها الحرب, بكل الكراهيات المفرطة التي بثتها في النفوس تجاه الآخر, وتجاه الحياة برمتها, فحالة التنقل بين آمال الحرب القذرة  والآمال الجديدة المطلوبة لواقع مابعد الحرب, بحاجة لمشاريع نهوض قومي ,منو ط بها مل? الصدوع الغائرة في وجدان الإنسان بقيم الوئام ,وفق أطر تعايش

خالية من كل الضغائن. 

نحن لم نصل إلى لشكل مشابه لتلك الحالة الإ من وجه واحد, الا وهو الإيمان الزائد بمشاريع  الحرب نفسها, بإعتبار حقب مابعد الحرب فواصل زمنية هشة ضمن سلسلة حروب حتمية تالية  .

ومن خضم ذلك الإعتقاد اللاشعوري, تتحرك كل مبررات العنف, وتتحول كل نقائص النخب إلى ذرائع وحجج سافرة للقتلة وتجار الموت ,وتذوب كل المشارب الفنية في قالب مشين واحد, يستحيل بعده الفرز مجددا, وإعادة التنصيف السياسي والمدني لكل تيار ومكون لقالبه الخاص والسابق, بقدر مايسهل إستخلاص فصائل بدائية تصفوية ,لا ادوات لها الإ السلاح ,ممايعني بأن رحلة الثقافة العربية طوال العقود المنصرمة, لم تكن الإ قصة ضحلة أجلت ذلك الإنغماس الفطري, ردحا من الزمن, وظلت تجاهد في التمظهر في الإنتصار لمشروع المدنية الفضفاض,حركات ليبرالية وعلمانية, وافكار حداثية كإمتداد وإستنساخ لجوانب مشرقة من الحضارة الاوروبية,  وكلها للأسف عكست العمق الاجوف للتجربة العربية, وباتت الآن تعكس مرحلة تظليل كبيرة, تظافرت كل السلطات والنخب في تشكيل وعي عربي هش, وإبقا? إنسانه رجلا مخلصا, ضمن عواطف غافية ,جاهزة للإستفاقة, للذود عن نفس النزعة الدينية والمذهبية,والعشائرية  كإذعان مستلب لإرث إقصائي غير عادل, هي

 في الاصل تراكم لغل تاريخي منذ واقعة السقيفة, لم تمحه ثقافات القرون ولم تبله تقلبات الازمنة.

منذ إحتدام الإقتتال في هذا البلد, وأنا ابحث  عن أي علامات تدحض تلك الأفكار, وتقلل من ذلك التصور البائس ,وتعيد مشكلة الصراع إلى مستويات معقولة, من الأطر التاريخية كحواضن أساسية لأجندات الحرب , مهما تغولت في إستقطاب. كل خيارات المجتمع,  ومهما اجهزت على كل ثوابته الحضارية, والتي يمكن من خلالها إستقرا? صوت مجرد لم تخلقه جوقة الإقتتال المستعر, والذي لا هم له

الإ للإنحياز للحقيقة مهما كانت, لكني كنت كل مرة اخسر الرهان, واكتشف أن الكارثة أن الغالبية تمضي في تلك المفاضلة المشؤومة ,وتحسم لصالح مذهبي وطائفي, او عشائري,  لتغيب وتنتفي المسألة الوطنية برمتها,ومعها تبور كل الدعوات لأي فكرة جامعه ولو إنسانية, يلتقي عندها الناس على أرضية خالية من الضغائن المتناسلة  تتنافس في مناخ العمل الإنساني النقي ,هذه الأفكار الجديدة خليقة بالمستقبل, سيما حين تتبنى من قبل مؤسسات أكاديمية .

ثمة بدايات شرعت في إنجاز الخطوة الأولى وإن كانت ضمن حدود صغيرة, بيد إنها برأي تمثل بؤر ضرورية لتنشيط دور اكاديمي غائب تماما عن المشهد, وإستبدال حضوره السلبي في جوقة الصزاع المقيت, بفرق عمل تنشد الإنسان والمجتمع ضمن إستراتيجية طموحة ستغدو علامات فارقة في مفاهيم التنمية, وتحقيق السلام  الإجتماعي .

تلك الظاهرة برزت في جمهورية مصر العربية في السنوات الأخيرة, وباتت الفكرة مؤسسات طبية عملاقة لتقديم العلاج المجاني للناس, كسرطان الاطفال, وسرطان الثدي, وفيروس الكبد الوبائي, وبأحدث الطرق العلاجية, وغدا الاكاديميون يلامسون مكامن الوجع المواطن المصري, ويحققون له ماعجزت عن تحقيقه كل الاحزاب والنخب, وحتى الدولة نفسها, وبات على كل من يحب مصر ,أن يسارع يالذهاب إلى تلك الصروح الطبية, داعما ومكتشفا لمعنى التفاني المطلق ,في حب الناس والاوطان.

هنا في اليمن كما اسلفت كان لمنتدى اكاديميات جامعة صنعا? الذي أشهر مؤخرا, ليشكل ويؤسس لفكرة العمل الطوعي والميداني, عبر فريق نسوي تحت مسمى جميل ( معا لنحيا ) ,لتخفيف من معاناة ضحايا الحرب, ومحاولة تخفيف ألآمهم بتقديم الإغاثات العينية, كمحاولة للإقتراب منهم وسماع أنينهم دون توظيف سياسي ,او تحقيق مكاسب شخصية.

الدكتورة انجيلا ابو اصبع رئيسة فريق المبادرة, أختارت طريق جد يد ,لتحقيق حضور مختلف,  بعكس غالبية التوق النسوي المندفع للإنضمام لطرفي الإقتتال, عبر حضور إعلامي متهافت على القدح اليومي, ويتقلب في طفح زائد لبث الكراهية, ونحن بحاجة للكثير من الناشطات, للإستفادة من طاقتهن في إرسا? توجها يؤسس لإنتما?ات وفضا?ات سامية ,والبد? بتجسيد النماذج الحقة للعمل الوطني, خارج أسوار الحزبية المهترئة, وبعيدا عن غايات السياسة المبتذلة ..



مقالات أخرى للكاتب

  • تلك الفتاة الحسناء
  • سرية التمساح
  • حين تزهر شجرة الياسمين

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    24,680,386