احتفاء بالقصة القصيرة
2015-08-02 | منذ 3 سنة
د. حسن مدن
د. حسن مدن

أذكر قصيدةً لشاعر كردي من العراق، لا يحضرني الآن اسمه للأسف، قرأت ترجمة لها في دورية ثقافية قبل زمن بعيد. تتحدث القصيدة عن عاشقة لا تحب قراءة القصص القصيرة وإنما الروايات، فحرص حبيبها على إعارتها ما في مكتبته من روايات، وعندما حدَّثت الروايات التي قرأتها العاشقة جاراتها في المكتبة من المجموعات القصصية عن الأيام السعيدة التي قضينها بين أيدي الفتاة، أصابتهن الغيرة، فقررن أن يتحولن جميعهن إلى روايات.
لن ندخل في تأويل القصيدة، لكني لا أحسب أن الشاعر أراد ازدراء القصة القصيرة، وإنما إطراء لطف الحبيبة، لكن القصة القصيرة كجنس إبداعي راقٍ يتعرض للازدراء بالفعل في مشهدنا الثقافي العربي الراهن، أمام الموجة الكاسحة من كتابة ونشر الروايات.
لمَن هُم في جيلي، وبالتأكيد الجيل الأسبق كذلك، كانت القصة القصيرة عالماً من السحر والمتعة نرتاده بشغف، وكانت الدوريات الثقافية في القاهرة وبيروت تخصص أعداداً لنشر نماذج من القصة القصيرة في مختلف بلدان العرب، ولا يخلو ملحق أدبي في جريدة، أو حتى صفحتها الثقافية اليومية، إن وجدت، من نصوص قصصية، وكان النقد الأدبي يولي هذه النصوص عنايته بالتحليل والمتابعة.
والقصة القصيرة ليست خاصة بجيل أو زمن، فهي جنس أدبي عابر للزمن، ما زال يقدم نماذج راقية منه في مختلف اللغات والثقافات، وتطالعنا بعض دور النشر العربية بترجمات لمختارات من هذه النماذج من قارات مختلفة فنستمتع بأجوائها وبتقنياتها التي تتطلب التكثيف العالي والإيجاز، على النحو الذي أشار إليه سيد القصة القصيرة أنطون تشيخوف حين قال إن «موضوع قصتي يجب أن يمر بمصفاة عقلي حتى لا يبقى إلا ما هو مهم».
ويعرف المهتمون بالسيرة الأدبية لغابرييل ماركيز أن أول ظهور لقرية ماكوندو في خياله جاء في قصة قصيرة كتبها عام 1955، قبل أن تتحول هذه القرية إلى فضاء روائي ممتد في «مئة عام من العزلة»، كما أن أول ظهور لريبيكا زوجة خوسيه أركاديو بوينديا أخ الكولونيل جاء في قصة قصيرة قبل صدور الرواية بخمس سنوات، وذلك في قصة «يوم السبت». وفي نفس القصة، تم ذكر أحداث سنعثر عليها في الرواية، مثل موت الطيور، وقتل خوسيه.
غايتنا من هذه العجالة هي الدعوة لرد الاعتبار إلى فن كتابي مهم في أدبنا العربي، قدم لنا أسماء عملاقة، حسبنا هنا أن نذكر من بينها اسم يوسف إدريس.

 

madanbahrain@gmail.com


عن الخليج



مقالات أخرى للكاتب

  • صراع على الثروة لا على الدين

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    25,496,424