وقفيات للمواطنة وفكر التسامح
2015-06-23 | منذ 2 سنة
يوسف مكي
يوسف مكي

قبل سنوات عدة، نشرت مقالة في صحيفة «الخليج» الإماراتية، تحت عنوان «وقفيات من أجل النهضة»، دعوت فيها الميسورين وأصحاب رؤوس الأموال إلى المشاركة في إنشاء الجامعات ومراكز البحوث، من أجل تعزيز المشاريع النهضوية العربية. وكان الدافع للفكرة، هو ما لحظته أثناء الدراسة الأكاديمية، بالولايات المتحدة، في سان فرانسيسكو، بولاية كاليفورنيا، من وجود مجموعة من البنايات الجميلة المتناثرة في المدينتين، بطراز شبيه بالعصر الفيكتوري، تحمل مسميات أشخاص. اكتشفت لاحقاً أنهم تبرعوا بهذه البنايات لمصلحة الجامعة. وأن بعضهم استمروا يصرفون على صيانتها من أموالهم، باعتبارها وقفاً مقدماً من قبلهم، خدمة للعلم والمعرفة. وفي جامعة دينفر بولاية كولورادو وجدت أن عدداً من القاعات والمكتبات، ومراكز الترفيه بالجامعة، هي إما في عداد الوقفيات، وإما من تبرع كبار الميسورين. عدا عن المنح الدراسية التي تقدمها المؤسسات والشركات الكبرى، لرعاية حقول علمية معينة، تأتي على رأس اهتماماتها.

الآن تحضر هذه الفكرة بقوة، لكن بهدف آخر، يتعلق بما تشهده الأمة من انهيارات كبرى، تهدد مستقبلها ووجودها، تتمثل في حضور ثقافة وممارسات تحرض على التطرف، وتدفع شبابنا إلى محرقة الموت من دون رحمة. وقد اتسعت جرائم التطرف لتشمل المنطقة بأسرها، ولم يعد بالإمكان الجزم، بوجود مجتمع محصن عنها.
إن المواجهة الوطنية للإرهاب، ينبغي أن تكون شاملة، ولا تقتصر على المعالجة الأمنية. فهناك فكر ضلالي عشش في نفوس، شريحة يعتد بها من مجتمعاتنا العربية، لا يمكن استثناء مجتمعنا منها. فنحن نشاطر أبناء الأمة، اللغة والتاريخ، والمشاعر والهواجس. وما يحدث من حولنا ستكون له إسقاطاته علينا. ومن قاموا باغتيال جنودنا وفجروا في الدالوة والقديح والعنود، لم يكونوا من خارج المكان، بل هم أبناؤنا، وليس بإمكاننا التنكر لذلك.
ليس يكفي إدانة مرتكبي الجرائم، ولا إصدار الحكم الاجتماعي بحقهم، وإنما ينبغي دراسة هذه الظاهرة، ووضعها في سياقها الحقيقي، ومحاولة معرفة أسبابها. وتلك ليست مهمة رجل الأمن فقط. إنها أيضاً مهمة المثقف، حين يلتزم بقضية الوطن. وهي بالتأكيد ليست مهمة سهلة. فليس المهم أن يكون خطابك صحيحاً حتى يصل إلى قلوب الناس، بل لا بد من وسائل علمية، تجعل للخطاب جاذبيته بالنسبة إلى الشباب، الذين هم موضوع استهداف مجموعات التطرف والإرهاب. 
لقد شهدت البلدان العربية تراجعاً مروّعاً في مجال الأفكار، شمل مجالات التربية والثقافة. وانتقل التراجع بسرعة إلى البنية المجتمعية، حيث شمل الأجيال الجديدة، التي أصبحت أسيرة لنزعة الاستهلاك، والأغاني والأفلام والبرامج الفنية الهابطة، ولم يعد لديها رغبة أو اهتمام بالقضايا العامة. وأمام هذا الخواء لم تعد مواضيع الانتماء والهوية من القضايا الجاذبة للشباب.
وللأسف، فإن من لم ينغمس في قضايا الاستهلاك، غاص في واد سحيق، استعاد الماضي، في حلقاته الناتئة، وغاب الدور الحضاري الذي اضطلعت به الأمة، وما أنتجته على صعيد العلوم والأفكار. واستغلت قوى خارجية حالة الاحتقان، في وقت هان فيه كل شيء، وضعف فيه كل شيء، ولم يعد من طوق نجاة، للشباب، سوى اللجوء للمتراس الأخير، حيث يكمن التطرف. 
والحرب التي شنها الغرب على الإرهاب، بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001م، بدلاً من أن تكون عاملاً في القضاء عليه، غدت وقوداً لتسعيره. فالهجوم على العرب والمسلمين، منذ ذلك التاريخ، صار حالة مألوفة، تحولت إلى احتلالات عسكرية وتعدٍّ على الكرامة الإنسانية، وتصاعدت هذه الحرب من ثم لتصبح عدواناً على الذاكرة، باعتبارها الخط الأول في الدفاع عن الهوية، والحاضن لما تختزنه الأمة في وجدانها من مواريث دينية وأخلاقية تراكمت عبر العصور.
ولأن الحفاظ على الذاكرة هو مقدمة لازمة للتماهي مع إرادة البقاء، وهو أيضاً شرط لا مفر منه للتهيؤ للمستقبل. فإن من المهام الحيوية الملقاة على عاتق المثقفين إعادة الاعتبار لقضايا الانتماء والهوية، وإيجاد مخارج وآليات لتجاوز الأزمة الراهنة. وهي مسؤولية وطنية وأخلاقية، وليست فرض كفاية. إنها مسؤولية جماعية ينبغي أن يضطلع المفكرون والمثقفون ورجال الأعمال، كل من خلال موقعه وقدراته، لكي تبزغ الأمة مجدداً من بين ركام الآلام والتحدي وتأخذ مكانها اللائق والفاعل بين الأمم.
إنها مسؤولية مركبة ومضاعفة، من حيث إن عليها مسؤولية تجاه التاريخ، والتركيز على ثوابت الأمة، وإعادة الاعتبار لموروثها الحضاري، باعتباره الحاضن الرئيس للذاكرة الجمعية للأمة. وذلك يتطلب التصدي لموجات التعصب والكراهية وتعميم ثقافة الانفتاح والتسامح.
ومن جهة أخرى، المساهمة في تربية النشء الجديد، باستخدام أحدث التقنيات والوسائل العلمية، وتعميق الانتماء للثقافة والموروث العربيين، وتطوير مفهوم الهوية، بربط الموروث العربي، بالتحولات الإنسانية الكبرى التي تجري من حولنا، والدخول في عصر تنوير عربي جديد، يتفاعل مع ما هو مستجد علمياً وإنسانياً. وتنشيط الذاكرة العربية، وتعميق جدل العلاقة بين التاريخ باعتباره روح الأمة، والجغرافيا بكل تجلياتها، باعتبار حضورها تجسيداً عملياً لإرادة الأمة، ولثقلها السياسي والاقتصادي ومهارة أدائها في المواجهة الحضارية، وقدرتها على التقدم بثبات وجدارة ووعي.
إن مهمات كهذه بحاجة إلى جهد ضخم، يستخدم أحدث ما هو متوفر من تقنيات العصر. وبشكل خاص إيجاد مراكز بحثية متخصصة. وإصدار دراسات ودوريات عقد ندوات في مختلف قضايا المواطنة ونشر فكر التسامح، وتشييد مواقع على الإنترنت، واستثمار مواقع الخدمة الاجتماعية. على أن إنجاز ذلك ليس بالعملية السهلة، من حيث كلفها والقدرات الفنية المطلوب ضخها من أجل إنجازها. وهي بالتأكيد ليست مشاريع يمكن أن ينفذها أشخاص بقدراتهم الذاتية، من دون دعم من المؤسسات الرسمية وغير الرسمية المقتدرة اقتصادياً. فهذه المشاريع على أهميتها وحيويتها، هي في عداد المؤسسات غير الربحية، وتعتمد في جوانب كثيرة منها على الجهد التطوعي، ولن تكون قادرة على أداء مهامها، ما لم يتوفر لها المال المطلوب.
إنها دعوة من القلب لرجال الأعمال، وأصحاب القلوب الكبيرة، للمبادرة في إيجاد بيئة مناسبة، ننقذ من خلالها شبابنا من محرقة الموت، ونتمكن فيها من هزيمة ثقافة الحقد والكراهية الطائفية، حيث تتراجع الهويات الجزئية، طائفية وفئوية، لمصلحة الهوية الجامعة وهوية الوطن، ولتسود ثقافة المحبة والتسامح. وهي مشاركة لا يستهان بها في حربنا الوطنية الظافرة ،بإذن الله، على الإرهاب والتطرف.

عن الخليج الإماراتية



مقالات أخرى للكاتب

  • الأمة العربية ومرحلة ما بعد الأزمة
  • أمل يشع من أرض السواد
  • مخاطر انهيار الدولة الوطنية

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    20,516,434