أبوعبيدة معمر بن مثنى البصري
2015-06-23 | منذ 3 سنة
أحمد صالح الفقيه
أحمد صالح الفقيه
كان أبوعبيدة رجلاً عجيباً وذلك أقل ما يمكن أن يوصف به، فقد اكتنفت المتناقضات كل جانب من جوانب شخصيته. فهو اولاً عالم من أكبر علماء النحو والعربية، وله من الكتب اكثر من مائتي كتاب في اللغة والشعر والاخبار كما يذكر التاريخ، ومع ذلك كان يكره العرب إلى درجة انه الف كتاباً في مثالبهم. والثانية انه مع هذا العلم الغزير باللغة العربية الذي يضعه عن جدارة بين ائمة اللغة واعلامها، كان يخطىء إذا قرأ القرآن الكريم من المصحف، وكان إذا انشد الشعر يكسر البيت ولا يورده صحيحاً، وقيل انه كان يتعمد ذلك. والثالثة هي أن الرجل كان ممن يجالس الملوك والامراء وعلية القوم، ومع ذلك فقد كان زرى الهيئة، وسخ الجسد، ولايهتم بمظهره ولا بنظافته. اما الرابعة فإن هذا العالم الكبير والرجل العجيب، كان هجاءاً جباهاً، يجبه الناس برأيه فيهم دون خوف ولا وجل، ولم يسلم من لسانه شريف أو وضيع. وكان إلى ذلك يعتقد مبدأ الخوارج، ولعله كان كذلك لما رآه من سعيهم في تدمير الدولة العربية في ايامه، ولم يكن اعتناقه للمذهب عن قناعة فهو كما يذكر المؤرخون مدخول الدين، منحرف السلوك، يميل الى معاشرة الغلمان، فكيف له وهو كذلك ان يكون خارجياً؟ في حين أن الخوارج كانوا يعتقدون بكفر مرتكب الكبيرة ويستحلون دمه. وقد جلب عليه سلوكه هذا سمعة سيئة بلغت درجة انه لم تكن تقبل شهادته في أي محكمة شرعية. ولعل تلك الصحبة التي كانت بينه وبين الشاعر المجيد الحسن بن هاني [أبو نواس] بسبب ميلهما المشترك الى الغلمان، ولكن أبو نواس كان يصحبه لعلمه، ولأنه كان يستفيد منه كثيراً في علوم اللغة العربية، ورواية الأشعار، التي كان أبوعبيدة مولعا يحفظ الغريب منها، حتى اصبح مرجعاً لا مثيل له في هذا الباب.

فقد قال عنه أبو نواس مرة إذ سئل عنه " أنه أديم طوي على علم"، ويقصد أنه كالمعدن النفيس المخفي في التراب فلا يخدعنكم مظهره. ولكن أبا عبيدة لم يسلم من مشاغبات أبي نواس الذي لم يسلم من حتى الخلفاء. 

:قال الأصمعي "دخلت انا وأبوعبيدة المسجد فإذا على العمود الذي يجلس عنده أبو عبيدة كتابة على علو نحو سبعة أذرع تقول 

صلى الاله على لوط وشيعته
أبا عبيدة قل بالله آمينا

فقال لي يا أصمعي امسح هذا ، فركبت على ظهره ومحوته بعد أن اثقلته بوزني، فقال أثقلتني وقطعت ظهري، فقلت له قد بقيت الطاء، فقال هي شر حروف هذا البيت. وكان الذي كتب البيت هو الشاعر أبو نواس يداعب به صاحبه، وقيل انه كتبها ايضاً في رقاع وجعل من يوزعها في مجلس ابي عبيدة، وقد أضاف الى البيت السابق بيتاً آخر يقول فيه :

فأنت عندي بلا شك بقيتهم
منذا احتلمت وقد جاوزت سبعينا


وعلى الرغم من كل هذه المثالب التي تحكى عن أبي عبيدة، الا أن التاريخ ينصفه، فيقول عنه أنه كان حريصاً على صحة المادة العلمية التي يقدمها، وكان مشتهراً بصدق الرواية وسلامة النقل، وحسن التثبت. ومما يذكر عنه في هذا المجال، بقول الباهلي صاحب كتاب المعاني عنه، في معرض المقارنة بينه وبين الاصمعي، إذ يقول: "إن طلبة العلم كانوا إذا أتوا مجلس الاصمعي اشتروا البعر في سوق الدر، وإذا أتوا مجلس أبوعبيدة اشتروا الدر في سوق البعر، لأن الاصمعي كان حسن الانشاد والزخرفة، ردىء الاخبار والاشعار حتى يحسن عنده القبيح، وان الفائدة مع ذلك عنده قليلة. وأن أبوعبيدة كان معه سوء عبارة مع فوائد كثيرة وعلوم جمه". وكان علي بن المديني يحسن ذكر أبي عبيدة، ويشيد بصحة روايته، وقال أنه كان لا يحلي عن العرب الا الشىء الصحيح.

وتدل سيرة أبي عبيدة انه كان بلا شك راهباً من رهبان العلم، فلا يعلم ما يحتاجه تأليف مائتي كتاب أو أكثر من جهد ووقت، الا من كابد تأليف كتاب. 

ويدل ما وصلنا من أخباره أنه كان علامة حافظا ضابطاً متقناً، يعتز بعلمه ويحرص على الصحة والدقة فيه، وقد كان له في ذلك عوض أي عوض عن اوجه القصور الاخرى في شخصيته. وتدل سيرته كذلك انه كان رجلا قوي الشكيمة معتزاً لا يقيم للناس وزنا، ويتوقع منهم أن يتقبلوه كما هو، فلا يتجمل لهم ولا يتزين ولا يتظرف.

ومن حسن حظه انه كان يعيش في عصر كان فيه العلم بضاعة رائجة، وله سوق تنفق فيها، ولهذا فقد كان أبوعبيدة يستقدم من قبل الخلفاء والوزراء والامراء من البصرة الى بغداد ليحظوا بشىء من علمه. فقد استدعاه الخليفة هارون الرشيد، فحمل اليه من البصرة، ووصف أبوعبيدة لقاءه بالخليفة فيقول: " دخلت على هارون الرشيد فقال لي يا معمر، بلغني ان عندك كتاباً  في صفة الخيل، أحب أن أسمعه منك، وكان الاصمعي حاضراً، فقال وما تصنع بالكتب يا أمير المؤمنين، مر بإحضار فرس. فأحضر الفرس، وقام اليه الاصمعي، فجعل يضع يده على كل عضو منه، ويقول هذا يدعى كذا، وقال فيه الشاعر كذا، حتى أتم قوله، فقال لي الرشيد، ماتقول فيما يقول؟ فقلت أصاب في بعض وأخطأ في بعض، وانه قد تعلم الذي أصاب فيه مني، ولا أدري من أين اتى بالذي أخطأ فيه". 

فكانت صفعة مدوية وجهها الى الاصمعي الذي أراد أن يظهر علمه أمام الخليفة، ويبين ان ماعنده من العلم يغني الخليفة عن أبي عبيدة. وقد كان هذا  دأب  أبي عبيدة من الناس أجمعين، فلم يكن يقبل أن يدوس له أحد على طرف، وكان له من سرعة البديهية، وقوة العارضة، والقدرة على المحاججة، ما كان يفحم به الخصوم، ويدفعبه عن نفسه سهام انتقاداتهم. أما إذا اغتابه أحدهم وبلغه ما قال، فإن أبا عبيدة لم يكن يستريح حتى يذهب اليه في مجلسه، وهناك يناقشه للحساب امام جلسائه ومريديه) ويبين له بالحجة خطأ رأيه وبطلانه.

والى ذلك كله، كان أبوعبيدة رجلاً ساخراً يحسن الرد والجواب، وكانت اجوبته على الخبثاء من السائلين مما يسكت ويبهت، فتراه يجيب السائل بأقصى غرضه حتى يقطع عليه كل مجال للزيادة والاسترسال، ومن ذلك ما يتعلق باصله ونسبه وهي قضية حساسة في ذلك العصر بعد أن عاد الناس الى عادات جاهليتهم في الفخر بالانساب والاحساب، وقد كان أبوعبيدة ينتسب بالولاء الى تيم قريش وكان ابوه عبداً لعبدالله بن معمر التيمي فأعتقه، فهو من الموالي. وقد سأله يوماً رجل من ذوي النسب الفاخر العريق وقال له : أنك تقع في الناس ( تؤذيهم بلسانك) فقل لي من أبوك؟ فرد عليه أبوعبيدة قائلاً : "أخبرني أبي عن أبيه انه كان يهودياً من اهل باجروان" فتركه الرجل ومضى. وقيل انه سافر مرة الى فارس قاصداً موسى بن عبدالرحمن الهلالي، فلما وصل اليه احسن استقباله وحذر غلمانه قائلاً: "احترزوا من أبي عبيدة فإن كلامه كله دق ( له معاني خفية)". فلما حضر الطعام أراق أحد الغلمان مرقاً على طرف ثوب أبي عبيدة دون قصد فسارع مضيفة الى القول : " يا ابا عبيدة لقد أصاب ثوبك مرق و انا سأعطيك عوضاً عنه عشرة أثواب". فقال أبوعبيدة : " لا عليك فإن مرقك لا يؤذي ( يقصد انه ليس فيه دسم وانه ماء حار لا أكثر) ففطن موسى الى قصده وصمت. 

و في أحد الايام سأله الامير العباسي جعفر بن سليمان بن علي بن عبدالله بن العباس، عن تاريخ مولده فقال أبوعبيدة : "لقد سبقني الى الجواب عن مثل هذا عمر بن ابي ربيعة المخزومي عندما سئل متى ولد فقال ولدت ليلة مقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه فانظروا أي خير رفع وأي شر وضع، وقد ولدت أنا في اليوم الذي مات فيه الحسن البصري. وكان من عادة أبي عبيدة أن يلهب الاصمعي بلسانه فكان هذا يتجنبه الى درجة انه إذا أراد دخول المسجد قال انظروا لئلا يكون فيه ذاك (يعني أبوعبيدة) خوفاً من لسانه. وقد توفي أبو عبيدة عام 211 هجرية في البصرة ولم يحضر جنازته احد.



مقالات أخرى للكاتب

  • بول كينيدي صاغ السياسة الاميركية في عهد اوباما
  • جاد دهر فاستبج
  • التطرف الاسلامي وضرورة الاصلاح الديني في الاسلام

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    26,299,251