فى ذكرى ميلاده الـسابعة والتسعين.. لماذا عاش عبد الناصر ومات نظامه؟!!
2015-01-14 | منذ 4 سنة
عمرو صابح
عمرو صابح

"ولقد كنت أقول لكم دائماً: إن الأمة هى الباقية، وأن أى فرد مهما كان دوره، ومهما بلغ إسهامه فى قضايا وطنه، هو أداة لإرادة شعبية، وليس هو صانع هذه الإرادة الشعبية".

هذه هى كلمات الرئيس عبد الناصر فى خطاب تنحيه عن السلطة عقب هزيمة 5 يونيو 1967 ، ورغم ان جمال عبد الناصر ذاته هو من وصف دوره التاريخى بذلك إلا أن الواقع بعد 45 سنة من وفاته و97 سنة من ميلاده ، يثبت العكس ، فوجود عبد الناصر فى تاريخ أمته كان فارقاً بكل المقاييس ،ويمكن الجزم بذلك عن يقين بعد مرور كل تلك السنوات على رحيله من الحياة ، بل ويمكن التأريخ للعالم العربي بما قبل عبد الناصر ، وحقبة عبد الناصر ، وما بعد عبد الناصر.

فلم يثبت فرد دوره فى تاريخ وطنه وأمته كما فعل عبد الناصر سواء بإنجازاته أو بإخفاقاته.

كان أكثر من أدرك تفرد دور عبد الناصر وخطورة وجوده هم أعداءه ، فمشروع عبد الناصر بإيجاز لديهم ، كان يتلخص فى أن يمتلك العرب إرادتهم ، ويفرضوا كلمتهم فى عالمهم العربي لصالح شعوبهم ، وهو ما لا يمكن السماح به ، لذا خاض عبد الناصر معارك ضارية طيلة مدة حكمه ، استهدفت فى البداية إقناعه بعدم جدوى مشروعه ، وعندما فشلت محاولات إقناعه ، تحولت المعارك لتعطيل مشروعه ، ثم لتدمير مشروعه ثم لقتل عبد الناصر شخصياً ،عندما أيقن أعداءه ان غيابه من الوجود سيحطم مشروعه المعادى لهم.

كان عبد الناصر يعترض سبيل كل أعداء العرب فى حياته ، وبعد وفاته أصبح العالم العربي مستباحاً لكل أعداءه.

أدرك عبد الناصر دور مصر المحوري فى العالم العربي ، وارتباط أمنها القومي بالأمن القومي العربي كله ، لذا رفض أن يكون وكيلاً للمصالح الأمريكية ، كما رفض الصلح مع إسرائيل حتى النهاية ، ليقينه أنه لو تصالح وانعزل داخل حدود مصر ،ستفقد مصر قيمتها كقائد للعرب ، وسينفرط عقد الدول العربية حديثة العهد بالاستقلال السياسي وسيعود الغرب للتحكم بالعالم العربي مرة أخرى.

ولكن رغم إدراك عبد الناصر لكل ذلك ، تبدو الطريقة التى بنى بها نظامه السياسي بالغة الغرابة حتى الآن ، خاصة ما جرى عقب رحيله المفاجئ فى 28 سبتمبر 1970 ، فلم تمر 8 شهور على رحيله ، وإذا بخليفته السادات يقوم بانقلاب فى قمة السلطة بشرعية ثورة 23 يوليو ، يطيح من خلاله بمجموعة من أخلص تلاميذ عبد الناصر ،الذين كانوا يشغلوا أقوى مناصب السلطة الحاكمة ، تم الانقلاب الذى سيترتب عليه نتائج بالغة الخطورة فى مستقبل مصر السياسي بطريقة بالغة الهدوء بل شبه كوميدية أيضاً ، فرجال عبد الناصر وتلاميذه المخلصين بعد ان تراكمت لديهم الشواهد والأدلة منذ رحيل عبد الناصر على أن السادات يسلك مسلكاً سياسياً مغايراً تماماً لما كان يقوم به عبد الناصر ، قاموا بتقديم استقالاتهم للسادات لكى لا يشاركوه سياساته الجديدة!!!!

وهكذا وبفضل هذا التصرف العبقرى!! استطاع السادات إحكام قبضته على السلطة ، ليفكك كل ما قام به عبد الناصر ، ولكنه لم يستطع الإسراع بذلك إلا بعد أن نال الشرعية بانتصار 1973 ،الذى تم بفضل جيش ثورة 23 يوليو، والذى تم بناؤه بفضل اقتصاد عبد الناصر وقطاعه العام ،ومئات الألوف من الشباب حملة المؤهلات العليا الذين خاضوا أول حرب إلكترونية فى التاريخ وانتصروا فيها عسكرياً.

جاء انهيار النظام الناصري بتلك الطريقة ليصب فى إثبات تفرد دور عبد الناصر التاريخى لسببين :

الأول: أنه لولا بناء عبد الناصر لنظامه السياسي على التوازنات وجمعه بين الأضداد ، التى سمحت بوجود حسن التهامى ومحمد حسنين هيكل ومحمود فوزى وعلى صبري وشعراوى جمعة وسامى شرف ومحمد فوزى وأمين هويدي ومحمد صادق ومحمد فائق فى قمة نظام واحد مع اختلاف اتجاهاتهم السياسية وكراهيتهم لبعضهم البعض ، لما انهار النظام الناصري بتلك السهولة ، وخرج من قمته نقيضه المتطرف .

 كان عبد الناصر فى حياته هو ضابط التوازنات ،الذى يحرك الجميع لخدمة سياساته ، وقد جمع بين كل هؤلاء الأضداد ، لكى يحافظ على سلطته ولكى لا ينقلب أياُ منهم عليه ، فرغم شعبية عبد الناصر الجارفة المكتسبة من إنجازاته الضخمة ، إلا أنه ظل حتى أخر يوم فى حياته ، يُغلب اعتبارات أمن النظام على أى شئ أخر ، وبسبب ذلك ظل أنور السادات بجواره للنهاية، فهو أضعف رفاقه من أعضاء مجلس قيادة الثورة ، كما أن ميوله اليمينية تجعل منه ورقة رابحة فى لعبة التوازنات التى يجيدها عبد الناصر سواء مع السعودية أو مع الاتحاد السوفيتى .

لذا جاءت وفاة عبد الناصر المريبة لتدمر توازنات نظامه ، ولتضع الأضداد فى مواجهة بعضهم البعض ، وللأسف فى تلك المواجهة انتصر الفريق السيئ ليقود مصر لمتاهة ممتدة لأكثر من 4 عقود.

نأتى للسبب الثانى لتفرد دور عبد الناصر وهو مبنى على السبب الأول ، فلولا انهيار النظام الناصرى وميلاد نقيضه ، ما تحول العهد الناصري للفردوس المفقود ، الذى حكم فيه لأول وأخر مرة فى تاريخ مصر، منذ نهاية عصر الأسرات الفرعونية ، حاكم شاب مستنير منحاز للفقراء ، استرد أملاك شعبه من الأجانب وردها لأصحابها ، فاهم لجغرافيا مصر السياسية ، فرض وجود مصر كقوى عظمى فى إقليمها ، مد نفوذ بلاده لأفريقيا وأسيا وأمريكا اللاتينية ، بنى أخر مشروع تنموى نهضوى فى تاريخ مصر الحديث .

استطاع عبد الناصر تحقيق كل ذلك، وكان منطقياً أن يكمل خلفه ما بدأه ، ولكن ما حدث عقب رحيله كان العكس .

بلا شك جمال عبد الناصر هو أعظم مصري وعربي فى التاريخ الحديث ، وعهده هو عهد الصعود المصري والعربي فى شتى الأصعدة ، وقد كان فصلاً استثنائياً فى تاريخ مصر والعرب حتى الآن ، جاء عبد الناصر فى لحظة أزمة بعد حقبة شبه ليبرالية فشلت فى تحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي والعدالة الاجتماعية ، كما هُزمت عسكرياً فى حرب فلسطين مما تسبب فى نشأة الكيان الصهيونى.

استطاع عبد الناصر فى 18 سنة فقط ان يقلب النظام السياسي والاجتماعى والاقتصادي العربي كله رأساً على عقب رغم قوة أعداءه ، وقد أثمر نضاله الكثير لصالح مصر والأمة العربية ، ولكن للأسف لأن مشروعه كان قائماً على شخصه ،ولأن كل تلك الإنجازات لم تكن لتتحقق إلا بفضل وجوده شخصياً على قمة السلطة، لم يمتد مشروعه بعد موته لأن نظامه فشل طيلة 18 سنة فى حل تناقضات بناءه وظل للنهاية مبنياً على التوازنات الهشة .

يثبت حال الناصريين منذ وفاة الرئيس عبد الناصر حتى الآن صحة فرضيتى ، فهناك ناصريون متميزون كأفراد ، ولكن كل التنظيمات الناصرية فاشلة ومهترءة ومنقسمة ، رغم ان الفكرة الرئيسية فى الناصرية هى الوحدة!!

لم تنتج التنظيمات الناصرية شخصية بتفرد وعظمة شخصية جمال عبد الناصر ، لذا يدور الناصريون فى حلقة مفرغة من التشتت والمعارك البيزنطية البلهاء ، ورغم ان جمال عبد الناصر شخصية ملهمة جداً خاصة للشباب الذين يوجد مئات الألوف منهم على امتداد العالم العربي مؤمنين بأفكار عبد الناصر ، إلا ان افتقاد وجود شخصية كاريزمية فى التيار الناصري تحظى بقبول الجميع على امتداد أكثر من 4 عقود ، زاد من أزمة تنظيم العمل السياسي الناصري ، على المستوى الشعبي لعبد الناصر حضور بارز ولعهده حنين جارف فى وجدان الجماهير ، ولكن على المستوى السياسي الأصفار التى حازها الناصريون فى أخر انتخابات برلمانية فى مصر قبل 25 يناير 2011 وبعدها تؤكد حالة الضياع التى يعانى منها التيار الناصري فى مصر .

لا يحتاج جمال عبد الناصر لتمجيد فقد ضمن لنفسه مكانة خالدة يصعب الوصول لها بأعماله ، ولكن الناصريون هم من يحتاجوا لمراجعة شاملة لسجل فشلهم التنظيمى والسياسي على امتداد 45 سنة منذ وفاة عبد الناصر ، فقد أصبحت مواسم الاحتفال بذكرى ميلاد عبد الناصر وذكرى وفاته وذكرى ثورته من جانب الناصريين مثيرة للسخرية والرثاء فى آن واحد لأنها لن تزيد من قامة عبد الناصر ولن تقلل منها أيضاً، والأولى بهم لتخليد ذكرى الزعيم أن يعيدوا بناء مشروعه عبر تحويل الزعيم لتنظيم فاعل ، فمصير انتظارهم لتكرار زعامة مثله ، لن يختلف عن مصير من كانوا فى انتظار جودو فى مسرحية "فى انتظار جودو" لصموئيل بيكيت.



مقالات أخرى للكاتب

  • جمال عبد الناصر والأورويليون الجدد
  • قضية مصطفى أمين بين محمد حسنين هيكل, وصلاح نصر
  • خطة الخلاص من جمال عبد الناصر - خفايا الدور السعودى فى حرب 5 يونيو 1967

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    25,105,079