سرية التمساح
2015-01-12 | منذ 4 سنة
أمين غانم
أمين غانم

ما بين  1950 - 1953 نشبت الحرب الكورية ، التي اوقعت اكثر من مليوني قتيل ، التي بدات بمواجهات مسلحة نتيجة لتصارع قوى الحرب الباردة ، لتغدو حرب بالوكالة بين تلك القوى في شبه الجزيرة الكورية ، واغرقت كل مفاوضات الوحدة حينها ،في حجيم الاقتتال الوحشي ، مما افضى الى وضع حدا للمشروع القومي الكوري ، ليغدو تقسيما امميا بين الكوريتين ، باقامة المنطقة العازلة بينهما ، وتعميق فرقتهما كثقافتين متعاكستين .

في تصوير سينمائي لجبهة القتال الكوري الجنوبي ابان الحرب ، كان احد المقاتلين يتساءل : لماذ ا نقاتل ؟

ويردف : اين الخبير السخيف الذي اكد لنا بان الحرب سوف تنتهي في غضون اسابيع قليلة .

وفي لحظة ابرام معاهدة وقف اطلاق النار ، كان المقاتلون الجنوبيون يصرخون ويثبون بهستيريا حالمة بالحياة مجددا ، بيد ان التوجيهات الجديدة تقول بان الاتفاق سيسري بعد 24 ساعة ، مما يعني بان هناك 12 ساعة تتيح لهم استرداد الاجزاء التي اجتاحتها جحافل المتطوعين الصينيين ..

كان قائد السرية الكورية / ج ، هو نفس المقاتل الذ ي يتساءل عن مبررات هذه الحرب    ، لكنه سرعان ماالتقط الطعم المميت ليخطب برفاقه :

الامريكيون يسمون سريتنا بسرية التمساح ، على اعتبار ان التمساح يضع خمسين بيضة ، الحيوانات تاكل بعضها ، والبقية تؤكل بعدما تفقس ، لعيش في الاخير تمساح واحد ،هو الذي يحكم المستنقع كله .                     

تلكم شيئا من ماسي التعبئة ، التي توغر القلوب الوجلة ، وتملئها بشجاعة خاوية ، مغشوشة ، وكافية لبتر العقل عنها ، كي تلقي بنفسها في الجحيم بمحض ارادة غير سوية .

هكذا تقتل الشعوب نفسها ، وتئد سبل الحياة المتاحة لها ولكل ماحولها دون ان يدر بخلدها ادنى تفسير لكل ماتفعله ..

لم علينا ان نفسر القتل سياسيا ؟

وكيف تتماهى بشاعته في سيل من القراءات الباردة ؟

الجريمة تجد نفسها في الانقسام الغير سوي للمجتمع ، تتمدد في وحشية لامتناهية ، في وسط مشبع بالعقائد المتناقضة ، في تسخير ضمني للقبول بها ، واعفاءها من المسؤولية التاريخية .

  ثمة فاعل اساسي في انتاج فكرة الحرب والقتل المباشر ، لايفتا في بعث الرواسب الايديولوجية والدينية من رقادها القسري ، وتحريك نزعاتها الثارية صوب كل مايتم تصويره لها  من سمات مستفزة وقاهرة للخصم ، الماثل امامها ، والمتعايش معها .                                    

عندما تعجز القوى الامبريالية والمستغلة لامكانيات وطاقات الشعوب الفقيرة ، عن تفكيك العرى الوثيقة في مجتمعات البلد الواحد ، تلجا الى نكا جراح غائرة في وجدانها الديني والقومي ، وتحيله ركاما مفككا ، ينتج كل يوم عوامل شتى للفرقة والاحتراب ، دون ان يجد متسعا من الوقت  من اجل ان يستوعب حجم الماسي المتراكمة على كاهله لعقود قادمة من الزمن ..  

فاللغة والكتابة لم تعدوداالا محفلا متواترا لنسيان الذ ات والعقل ، وتغدو ان اصرارا ساديا لامتصاص لاستساغة الموت المجاني ،وتسويغ بشاعته في سياق تفاصيل هشة لاترقيا  الى مصاف الاثر الاخلاقي المكتوب ، المنوط بالاجيال الانطلاق منه واعتباره علة الخلود ، وذاكرة انسانه العالي ...



مقالات أخرى للكاتب

  • في ضرورة المحاولة للانتماء للإنسان مجددا
  • تلك الفتاة الحسناء
  • حين تزهر شجرة الياسمين

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    25,436,969