أرشيف التعاطف
2015-01-04 | منذ 3 سنة
ناجي الحجاجي
ناجي الحجاجي

التعاطف عمل مباشر ضد العدم في الموت والحياة ، إنه الدور الأكثر جمالا الذي يلعبه الإنسان في علاقات لا تسكن أبدا حدودها ومجالها ، كيف تصف ذاك الإحساس الذي تشعر به عندما ترتعش دمعة في عينك ويوقفها صوت مَنْ بجانبك قائلا : لا تبكِ أنا هنا ؟كيف تصف الشعور بأن هناك بالقرب منك من هو قادر على فضح أصغر أنَّاتك التي تُتَمْتِم بها وحيدا ؟ التعاطف ليس سراً ، ولا يمكن كتمانه ، التعاطف هو أنا و أنت وقد تحررنا من غباء الأنانية ، لا يوجد عملٌ خارج إطارِ ما هو تعاطفي ، ابتسامة ، قبلة ، ضمّة ، كلمة ، الصمت ، الضحك ، ممارسة الحب ، إنجاب ولد ، وضع يدكَ حول خصر متعب ، وحتى بعض الكذب ، كلها أعمال قد تكون لا لشيء إلا لأننا نجيد التعاطف ، إنها أعمال عادية لكن التعاطف يجعلها مقبولة بأمانة أكبر ، يجعلها تنجذب من صميم قلوبنا نحو من نحبهم ومن لا نحبهم بطيبة إضافية ، زعم أن كل شيء بخير في اللحظة التي لا يمكن الزعم فيها بذلك ، البقاء دون استعجال مع شخص أصبح عاجزاً عن تحمل عبء الحياة ، رسمُ صورة جميلة لامرأةٍ لا تشبه الصورة التي تراها هي في المرآة ، تصرفات تجعل التعاطف عملاً إنسانياً مسرفاً في إنسانيته ، روعة التعاطف تظهر في هذا التفوق للوجه الإيجابي منا ، القلب الذي تيبس ، تحجر ، لن يكون المكان المناسب لمرور التعاطف منه ، كم هو بشع أن يقف الإنسان وراء قلبه وليس أمامه ، كلمة أحبك عندما تكون في لحظة استثنائية ومفارقة يمكن اعتبارها تعاطفاً ، لأنها ترحم حبي الذي خنقتُه أنا بطريق الخطأ ، سترحمني من استجداء حبك لفترة أطول ، سترحمني من قول أحتاجك في هذه اللحظة بالذات ، مد إلىَّ يدك وخذ يدي ، اضغط عليها بهذا القدر أو ذاك ، لا يهم ، المهم أنها تشتعل الآن في يدك ، ليس كل ما نفعله في الحب هو بسبب الحب ، هناك أشياء نفعلها بسبب تجربة الإفراط في الحب ، التعاطف هو ما يحمي الحب من الإفراط في رغبته بأن يكون لا نهائياً ، لهذا نحن ننظر إلى الحب بإعجاب شديد ومقدس لكننا ننظر للتعاطف بعظمة إنسانية ، نحن نتكلم عن أشياء كثيرة في الحياة ، لكن غالبا لا نعي تماما ما نتكلم عنه ، وإذا تعلق الأمر بالحب فلا أحد منا يدرك خطر هذا الموضوع ، لأن الحب هو مكان التعاطف بامتياز، لأننا لا نشعر في الحب بخطأ الوقوع في الخطأ ، التعاطف هو المعجزة المكملة لخطأ الوقوع في الخطأ أو ما نسميه جميعا الحب .
يستطيع التعاطف بمفاتنه الوقورة أن يجعل رياح الحب تهبُّ على أعدائنا وأصدقائنا ، على من عرفناهم ومن لم نعرفهم وسمعنا فقط قصصهم الحزينة ، تشابه التجارب يمنح الوعد بالتعاطف ؛ لهذا أحببت الأدب والبحر ، يوما ما سأكتب سيرة التعاطف الذاتية ، ولن تكون شيئاً غير سيرتي أنا إلى جانب سيرة البحر الذاتية ، وأنا صغير كنت أنظر إلى البحر كمطر كبير جدا ، وكلما نظرت إليه شعرت أني أنظر إلى سري ، كنت مشغولاً دائما بتنظيم العلاقة بين بيتنا والبحر ، ولا أدري إلى الآن أيُّهما يشكل الأرشيف الأكثر إمتاعا في ذاكرتي ، خزائن البيت ممتلئة دائما بأحلام إخوتي وأخواتي ، أحلامٌ كانت أمي تجمعها بطيبة من على حبالِ عدمِ براءتنا كأطفال ، أما خزائن البحر فممتلئة بالتعاطف معي ، يهمل البيت أشياء ويحتفظ بأشياء ، البحر يحتفظ بكل دموعي ولا يغير ملامحها ، الموج دائما لديه الكلمة المناسبة ، و يمحو الكلمات المريعة التي تنطق بها الحياة في وجوهنا ، يأتينا التعاطف من البحر على نحوٍ عفوي ، نستمع إلى كلماته كنغمة موسيقية حميمة ، البحر لا يسأل ولا يجيب ، البحر يسمع ويتكلم فقط ، كنا نقفز على الخطوات القليلة بين بيتنا و البحر ، و نجلس في سكون تام مسحورين بخط الأفق ، كان البحر يتكلم دائما بصوت لا يشبه صوت أستاذ المدرسة ، لهذا تعلمنا منه كل شيء إلا الحكمة ، في أرشيف البحر أول سيجارة ، وأول قبلة ،و أول خيبة ، وأول كلمة بذيئة ، البحر متعاطف ولا ينكث وعوده بحفظ الأسرار ، جميل أن تشعر أنك تتبادل مع البحر النظرات ، وأن تبتسم في وجهه بعد أن يغمز إليك بعينه وتفهم أنْ لا شيء مهم ، أتذكّر كيف كنتُ أخاف الابتعاد عن البحر ، كنتُ لا أحب المدن البعيدة التي تمتنع عن أي اتصال بالبحر ، أمي أخبرتني ببساطتها التي لا تستنفد نفسها قائلة : هو معك ، اذهب وتذوق دموعك في كل مدينة تذهب إليها ، ملح الدموع هو تعاطف البحر معك أينما كنتَ ، الدموع يا بني هي بداهة وجوده ومعجزته الأكيدة ، عند الغروب أذهب إليه وسيُعيد قلبك إليك عندما لا يكون في مكانه المناسب ، يا بني الله يستجيب للصلوات أما البحر فيمسح الدموع ، لا يمكن وبسبب التشابه التفريق بين أمي والبحر ، و بين أرشيف بيتنا وأرشيف البحر ، التعاطف دائما هناك تكتبه الأمواج أو كلمات أمي ، لأنهما متعاطفان على أساس الحب لا الحاجة أو اليأس ، لهذا تعلمتُ أن أقف أمام قلبي وليس وراءه



مقالات أخرى للكاتب

  • تعز تعز تعز
  • أية عروبة وأي أمة ؟؟
  • نص لا يصلح للمسرح

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    21,261,778